القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: كتب صلاح عبد الصبور نصه المسرحي «مسافر ليل» عام 1969، ونشر في مجلة المسرح. وكانت انعكاساً للمناخ السياسي وقتها ــ الذي لم يتغير حتى الآن ــ مناخ الهزيمة القاسية نتيجة النظام القمعي لعهد عبد الناصر. ليحكي عبد الصبور في شكل من أشكال الكوميديا السوداء حكاية السلطة وأفعالها من تشويه المواطنين، وجعلهم طوال حياتهم مجرد مجموعة من العبيد. ولا يخفى انشغال عبد الصبور بفكرة موقف المثقف مما يحدث، هذا الأعزل المشارك في تواطؤ وجريمة القتل التي انتهى بها النص ــ عبد الصبور نفسه عانى من هذا الموقف ــ وما بين الحاكم والمواطن والمثقف يدور الحدث، ويتم التصريح بالتهمة المعدة سلفاً تجميلاً لوجه السلطوي، بأن الذِلة التي ضربت البلاد جاءت نتيجة غضب إلهي، أو لعنة إلهية، فكان لابد من اكتشاف مرتكبها، ولن يجد السلطوي بالطبع سوى المواطن ليحمل عنه نتيجة فشله، فاتهمه بأنه قد «قتل الله وسرق بطاقته الشخصية».
وبما أننا نعيش في عالمنا العربي السعيد، وفي مصر بشكل خاص، فالنص المسرحي ــ بدون مصادفة ــ سيُكتب له الخلود لوقت ليس بالقصير، ولن نحتفل بالطبع بأن يتم عرضه مسرحياً من قبيل كونه نصاً مسرحياً أصبح في ذمة التاريخ، فالنص أكثر تعبيراً وروحاً عما نعيشه الآن. وفي تجربة جديدة تم تناول النص من خلال عرض مسرحي مبتكر إلى حدٍ كبير، من خلال تنفيذه ليصبح أكثر تعبيراً عن النص، ومحاولاً توريط المتلقي بأن يتشارك والمواطن الموصوم، التهمة نفسها، وأن يرى مصيره مُجسداً أمامه. العرض أداء.. علاء قوقة، صفوت الغندور ومصطفى حمزة. إضاءة أبو بكر الشريف، موسيقى زاكو، ملابس أميرة صابر، ديكور وإخراج محمود فؤاد صدقي.
سفاحو التاريخ وضحاياه
في قطار متهالك من قطارات الدرجة الثالثة المعهودة، وفي ليل كئيب يعود المواطن من عمله إلى منزله، رحلة يومية يقطعها، تسليته الوحيدة إحصاء الأعمدة من خلال نافذة القطار، وبعد الملل، يبحث عن ذكريات يحاول الاستئناس بها، فلا يجد سوى بعض عظماء التاريخ، والمؤثرين في البشرية، فلا يجد سوى اسماء القتلة والسفاحين والغزاة، من الإسكندر حتى هتلر، ويعود ليكرر هذه الأسماء، حتى يظهر له عامل التذاكر، ليقول بأنه الاسكندر، ومَن الذي يستدعيه في هذا الوقت. يختلط الأمر على المواطن ــ اسمه عبده ــ فيستجدي السيد الاسكندر حتى يرحمه، إلا أن العامل يرى في المواطن خِفة عقل، فما هو إلا عامل التذاكر في القطار، ولا يريد سوى التأكد من وجود التذكرة مع الراكب الليلي. من ناحية أخرى يبدو الراوي معلقاً على الأحداث، شارحاً شعور كل من الشخصيتين ــ الشبيه والجوقة اليونانية ــ ومخاطباً الجمهور عما يحدث، وأحياناً الإيحاء بما سيكون. وما بين السلطوي والمواطن والراوي/المثقف، الذي لا يمتلك سوى الكلام، والعاطل عن الفعل، الفعل الوحيد هو مشاركته في حمل جثة المواطن بعدما قتله صاحب السلطة، حتى تتخلص المدينة من الغضب الإلهي، بعدما غادرها الله وتركها لمصيرها من الأوبئة والهزائم.
سلطان وعبده
وتبدو السلطة المتأصلة في شخصية عامل التذاكر من الأسماء المختلفة التي يحملها، مقارنة بسلالة الخنوع التي ينتسب إليها المواطن، فالعامل ينسب لنفسه اسماء من قبيل.. الإسكندر، زهزان، علوان، سلطان، وأخيراً (عشري السترة) الحاكم الفرد المطلق، والمتحكم في مصائر وأرواح المخلوقات، بينما المواطن يحيا سلسال وضعه ..
«عامل التذاكر: قل لي ما اسمك؟
الراكب: عبده
عامل التذاكر: ليس اسمك عبده إنك تكذب
الراكب: بل إنى عبده، أقسم لك
وأبى عبد الله، وابنى الأكبر يدعى عابد
وابنى الأصغر عباد، واسم الأسرة عبدون».
هذا ما أكد للعامل/السلطوي أنه وجد أخيراً ضحيته، المنتمي تماماً لنسل من الضحايا، يمتد من اسمه الأول (الإسكندر) وحتى الأخير (سلطان)، وصولاً للصفة التي بات يحملها ويتحقق وجوده من خلالها (عشري السترة).
العرض المسرحي
تم تقديم «مسافر ليل» عدة مرّات على خشبة المسرح، نظراً لصلاحيتها الزمنية، التي كانت ولم تزل، إلا أن العرض الأخير، الذي أقيم في ساحة مسرح الهناجر في دار الأوبرا المصرية، حاول الخروج بالنص إلى أفق أرحب ــ حافظ العرض تماماً على النص المسرحي ــ من خلال الديكور وأداء الممثلين. فدارت الأحداث في عربة قطار، بحيث شارك الجمهور/ رُكّاب القطار في العرض، وقد اتخذوا موقف الراكب/المواطن، كما كانت منصة العرض ما بين عربتين، بحيث يجلس الجمهور في تقابل، ومن خلال الإضاءة والصوت جاء الإحساس بعالم القطار في الليل، بداية من صوت الأجراس والمنادي بميعاد تحرك القطار. الأمر الآخر هو تحرك الممثلين بين الجمهور، ومشاركتهم المواقف إما بالجلوس بجوارهم أو الحديث إليهم، كما فعل المواطن في لحظات خوفه، أو الراوي في توجيه كلماته الشارحة، أو مشاركته بالصمت لما يحدث، خاصة في اللحظات المتوترة الأخيرة، التي بدأت بمحاكمة المواطن، وتخييره بأداة مناسبة للقتل، وحتى قتله في النهاية، ليصبح الجمهور بين موقفين، موقف المواطن، وموقف الراوي الشاهد الصامت على جريمة القتل، فالجميع ليس ببعيد عما يحدث وحدث للمواطن، مشارك ومتورط وضحية في النهاية، ضحية خوفه وسكوته عما يراه، فإيثار السلامة ونفاق السلطة، ربما يفلت من غضبها، لن يغيّر المصير كما كان توهم عبده ــ قطيع العبيد ــ بل سيجعل منه الضحية المُثلى في عين رجل السلطة. أما أداء الممثلين، فتراوح ــ حسب روح النص ــ ما بين الجدية والهزل، السخرية مما يحدث وسيحدث، ما بين ثقة مطلقة ويقين أوحد يتمثل في السلطة المتدرجة من عامل التذاكر وحتى الحاكم العادل ــ حسب وجهة نظره ــ وبين الخاضع الأبدي ابن سلالة الضحايا، الذي لا يريد سوى النجاة ــ يتوهم النجاة ــ من تجربة لم يكن يحسب لها حساباً، وظن طيلة حياته أنه بمنأى عنها، قد يسمع عن ضحايا، ويراهم كأعداد وأرقام في كتب التاريخ أو الصحف الرسمية ــ هم أعداء حسب وصف هذه الصحف ــ لكنه لم يتوقع أبداً أن يكون هو ضمن هؤلاء، وهكذا حالنا جمعاً، لا نصدق أو نشك، وبالكاد نتأسى، لكن لا نظن إطلاقاً أننا سنصبح يوماً في مرمى التجربة! هذه الحالة هي ما حاول العرض التأكيد عليها، وقد نجح إلى حدٍ كبير في ذلك، ففكرة المسرحة توارت تماماً لهدف أعلى، وهو المشاركة في الفعل المسرحي والتفكير من خلاله، خاصة أنه يحدث أمام الجميع ومن خلالهم، بدون خشبة المسرح المعهودة التي تختلق حالة الإيهام، بدون تحققه بالفعل.