استعادة في غير محلها للفوتوغرافية الأمريكية فيفيان ماير

حجم الخط
0

«النجوم ما هي إلا أرواح لشعراء ماتوا، ولنصبح بدورنا نجوما يجب أن نموت»
هكذا أنهى فان غوخ حياته. طلقة واحدة اخترقت صدره، وقضت على أنفاسه ليموت وحيدا في الظلام بعيدا عن أضواء الشهرة. عاش فان غوخ حياته كـ«شبح» يترنح سكيراً، بين الأجساد الحية التي زجّت به في مصحة للأمراض العقلية، فقط لأنه امتلك الإحساس المرهف، وموجات من الشغف، الملحة في داخله، تشكلت عبر طبقات عديدة ومكثفة لألوان تغطي لوحاته. مات الفنان، في صمت تام، مخلفاً وراءه كنوزاً، لم يسلط الضوء عليها إلا بعد مماته. مات فان غوخ منتحرا وحزينا كونه لم يبع إلا لوحة واحدة خلال حياته كلها. قصة حياة فان غوخ، تعد مناسبة للحديث عن حياة المصورة الأمريكية فيفيان ماير، التي تعد «من أهم مصوري فن الشارع في القرن الواحد والعشرين»، اكتُشِفت أعمالها صدفةً في سوق الخردة، وعرضت في صالات العالم مؤخرا، فقط بعد مماتها وحيدة ومهملة هي الأخرى في عام 2009.
فيفيان ماير وربما لا يكون هذا هو اسمها الحقيقي، ولدت في نيويورك عام 1926 من أم فرنسية وأب من النمسا. عاشت ماير السنين الأولى من حياتها في شقة صغيرة تتقاسم إيجارها مع صديقة لأمها «مصورة يعتقد بأنها قد تكون أثرت في حياة فيفيان ماير في ما بعد». حياة فيفيان ماير ابتدأت وانتهت بلغز يحاول المختصون حول العالم حله. يبتدئ اللغز منذ لحظة هروب الأم من قرية فرنسية متواضعة وفقيرة، مبتعدة عن ماضيها الغامض، على متن باخرة تقلها إلى نيويورك.
عندما وصلت الأم إلى نيويورك، تعرفت على والد ماير وأنجبت منه طفلتها فيفيان. لتترعرع الفتاة الصغيرة في شوارع نيويورك وأحيائها وضواحيها. من نيويورك انتقلت الفتاة الشابة إلى شيكاغو، حيث ابتدأت علاقتها بالكاميرا في عمر 24 سنة، حيث لازمتها ولم تعد تفارق رقبتها المعلّقة عليها. أخذت ماير من الكاميرا وسيلة تنسج من خلالها خيوطاً تربطها مع محيطها. وخلال هذه الفترة لم يكن لدى الفتاة الشابة شيء غير العين الفذة والملاحظة الدقيقة والملمة لكل تفاصيل الحياة اليومية، التي تلاحظ عند النظر إلى أعمالها المطبوعة التي تزيد عن الـ١٥٠‪ألف نسخة. تميزت عدسة ماير بالتقاط اللحظات التلقائية، تركز فيها على المارة، العمال، والعجزة وغيرهم ممن يمرون في طريقها ويثيرون فضولها، أناس اكتشفت مدى قربهم منها ومن عالمها البسيط.
لكي نقترب أكثر من شخصية فيفيان ونحاول بدورنا فهم سر عملها طوال تلك السنين في الخفية، وانعدام فضولها في أن ترى حتى نتيجة عملها، فإنه لابد لنا من الحديث موجزا عن صورة المرأة الأمريكية في سنوات الخمسينات والستينات. فعند الحديث عن هذه السنوات فإن مخيلتنا ستستحضر فورا صورا لإعلانات تجارية أمريكية قديمة تظهر فيها صورة المرأة ووضعها الاجتماعي واضحة حيث لا تتعدى حدود المطبخ والعناية براحة زوجها وأطفالها.
وهذا ما فعلته فيفيان ربما لتتأقلم مع العالم المحيط بها، من دون أن تثير الشبهات والأسئلة الفضولية من حولها. لقد عملت فيفيان مربية أطفال براتب زهيد لدى عائلات شيكاغو الأغنياء، وبالطبع لن يتخيل هؤلاء ولو لحظة بأن هذه المربية هي فعلياً مصورة محترفة، وتستطيع إن شاءت ومن خلال بيع صورها من الانتماء إلى طبقتهم البرجوازية. صورة فيفيان ماير وعلاقتها مع العائلات الغنية هذه سلبية وتظهر من خلال اللقاءات التي أجريت مع النساء والرجال الذين اعتنت بهم في طفولتهم. ولقد دهشوا جميعهم عند اكتشافهم لحقيقة مهنتها وبأنها اليوم تعد من أهم مصوري العصر الحالي. فبالنسبة لهؤلاء الأطفال، فيفيان هي مجرد مربية، صارمة محاطة بالألغاز، تغضب بشدة إن حاول أحدهم دخول غرفتها والنبش في حقائبها ومختصاتها، أما بالنسبة لآبائهم فهي لم تكن موجودة أصلاً ولم يتكلفوا يوما بالاقتراب أكثر منها ومعرفتها.
ما يدعو إلى الاستغراب هو محاولة كافة المؤسسات الحكومية والخاصة تصنيفها تقنيا، عن طريق البحث عن لغز الكاميرا المستخدمة وأسباب رفضها للانتماء إلى مدرسة معينة أو إسلوب تصويري. لقد فضلت ماير الاحتفاظ بصورها بعيدا عن الأنظار.
وإن ما يحدث اليوم هو شيء مريع وظاهرة منفّرة تؤثر سلبا على الشغف والتلقائية التي تميزت بها فيفيان. فغير أولئك الذين يحاولون تفكيكها «تقنيا» هناك من أخرجوا أفلاما وثائقية تتحدث عن اكتشافهم الوحيد لها وفضلهم على العالم في ذلك. ما يتناساه هؤلاء هو روح فيفيان وحريتها الشخصية وأسرارها الخاصة التي خبأتها في صناديق وحقائب لسنوات طويلة بعيدا عن أنظارنا وحشريتنا ورغبتها التامة في الاحتفاظ بموهبتها لكي نتركها وشأنها.
يظهر هذا واضحا مثلا من خلال الفيلم الذي أخرجه جون معلوف «في البحث عن فيفيان ماير» الذي عرض في صالات العالم بأسرها. وفيلم وثائقي آخر عرضته قناة الـ«بي.بي.سي» الإنكليزية الوثائقية، وهو مهم فعلا وممتع مقارنة بفيلم معلوف. يحدثنا جون معلوف في فيلمه عن اكتشافه لـ«نيجاتف» بالصدفة أثناء مزاد علني لمحبي اقتناء بضائع الخردة. لا أنكر أبدا فضل الشاب معلوف في اكتشاف جوهرة في سوق الخردة وتقديمها لنا لكي نمتع أنظارنا بصور «رائعة» لفيفيان ماير. ولكن ما أردت الإشارة إليه هنا هو اختراق الخصوصية التي كانت من أبرز صفات فيفيان، ورغماً عن التعتيم الشديد الذي اختارته كنمط لحياتها. ومن يشاهدالفيلم يستطيع ملاحظة تركيزها على العمل في الخفية، من خلال طريقة لبسها ومشيتها وحركاتها وتعاملها مع الآخرين.
إنها امرأة وفنانة نادرة ربما في زمن يتطلع فيه العديد إلى الشهرة والمال. وهي إنسانة قبل كل شيء لها الحق في امتلاك خصوصيتها وحجب حياتها وشغفها عن أعين الفضوليين. وكم كان من الأجدر أن يلتفت الخبراء لخيارات التصوير والوجوه «البورتريه» التي التقطتها ماير كوجوه العمال، التي نرى فيها البساطة والإشراق وأحيانا الابتسامة رغم العمل الشاق في المناجم وتعبيد الطرق في شوارع شيكاغو العريضة، والذين يشبهونها فعليا. ولو كلف المختصون كذلك أنفسهم بالنظر إلى صور أخرى تركز فيها فيفيان على علاقة الأطفال بآبائهم وأمهاتهم في أحياء شيكاغو البرجوازية، فنرى مثلا صورة لطفل يصرخ باكيا ممسكا بذراع أمه.
فيفيان تعدت الهواية لتصل بإتقانها لصورها إلى الاحتراف، ويظهر هذا واضحا من خلال طريقة التقاطها للضوء وإطار الصورة وكذلك الألوان. وكلما تعمقنا أكثر في الـ«بورتريه» المصور بالأبيض والأسود، رأينا مدى تعمق فيفيان في روح الشخص الذي تلتقطه أمامها رغم عدم معرفتها المسبقة به. ماير استطاعت رغم شخصيتها الغامضة والصارمة أن تخلق في روح من تلتقطه عدستها الراحة التامة والثقة بها، لقد احترفت التقاط الروح ولم تكتف بالتقاط ما يظهره السطح الخارجي. لم تتطلع فيفيان للشهرة أم المال رغم ثقافتها العالية التي تظهر من خلال كتاباتها وسفراتها ومن خلال الصور التي تمت طباعتها والتي توضح زيارتها للعديد من الـ«جاليريهات» المتخصصة في التصوير الفوتوغرافي، بل وهناك صورة «بورتريه» قريبة جدا من الرسام السوريالي سلفادور دالي.
ما لا يفهمه الكثيرون هو الخيار الشخصي والحرية المطلقة حينما لا يضطر فنان كفيفيان في أن يُصنف لمدرسة معينة أو إسلوب معين. وربما يوضح هذا الانحطاط الثقافي الذي وصل إليه العالم اليوم في تحويلهم العاطفة والشغف وعشق الفن، أيا كانت طريقة التعبير المستخدمة إلى سلعة ومنتج يجب التسويق له عبر كل الطرق والوسائل.
وقد نستدعي هنا فكرة شعور فيفيان بـ«الغضب» إن علمت بأن هناك الكثيرين ممن يعبثون بخصوصيتها وحقائبها التي احتفظت بها مغلقة طوال كل تلك السنين. وربما سنستحضر أيضا من خلال تقمصنا لشخصية فيفيان بأنها ستشعر بالحزن العميق إن علمت بأنهم قاموا بتحديد حريتها وتلقائيتها وألصقوها بتصنيف حديث وهو «الستريت آرت» (فن الشارع) ليعرض في أنحاء العالم داخل إطار مربع يخنق روحها الحرة بغرض جني المال من خلال بيع صورها بما لا يقل عن 4000 دولار للصورة الواحدة!
هي التي رددت مراراً في تسجيلات عثر عليها «لقد عشت حرة، وسأموت حرة، لأنني فعلت دائماً ما أريد». غريب هذا الإصرار من كل الجهات الفنية المسؤولة في تصنيف الفن والفنانين والرغبة في التحكم في كل صغيرة وكبيرة في خصوصياتهم لعرضها على الملأ لتتناسب مع نظرتهم التجارية للفن. فلا يستطيع من يرى في التصوير الفوتوغرافي فن لا يقل أهمية عن الفنون الأخرى أن يدافع عن فكرة انتهاك خصوصية وخيار الفنان بالابتعاد عن الشهرة والأضواء. ولا يمكن لأي إنسان أن لا يحترم رغبة فيفيان الإنسانة قبل المصورة المحترفة بأن تدفن ومعها ألغازها وحقائبها.

٭ كاتبة فلسطينية ـ فرنسا

أسمى العطاونة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية