استعادة منبج: غض طرف أمريكي ومخاوف تركية وعربية

أكثر من 400 ألف نسمة هم سكان مدينة منبج، حسب احصائيات رسمية في العام 2004. تقع المدينة على مسافة تقل عن 60 كيلومترا إلى الجنوب من الحدود التركية، ولا توجد إحصائية دقيقة عن عدد السكان الموجودين في مركز المدينة عند بدء العملية العسكرية. ظلت المدينة هادئة نسبيا طيلة فترة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها، وشكلت نقطة الامداد الأهم للتنظيم أثناء معاركه شرق الفرات في مدينة كوباني التي خسر فيها أكثر من ألف مقاتل قبل ان يتيقن من عجزه عن إمكانية السيطرة على المدينة التي تحولت إلى ركام جراء الاشتباكات مع المقاتلين الأكراد وفصائل متحالفة معهم من المعارضة السورية، والقصف العنيف لطائرات التحالف لأسابيع متواصلة منذ مطلع شهر تموز/يوليو وحتى منتصف أيلول/سبتمبر 2014.
يقول مراقبون، ان أهمية السيطرة على منبج لا تقل عن السيطرة سابقا على مدينة كوباني بالنسبة لمشروع إقامة كانتونات، أو فيدراليات كردية شمال سوريا؛ لكن الدمار الذي لحق بمدينة كوباني شكل ارباكا لمشروع إقامة الكانتون الكردي على الحدود السورية مع تركيا في غرب كردستان الذي أعلنت عنه «الإدارة الذاتية» التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني في شمال شرق سوريا في 21 تشرين الأول/أكتوبر الماضي بعد انتزاعهم بلدة تل أبيض من سيطرة تنظيم الدولة في حزيران/يونيو2015.
وتأتي العمليات الهادفة للسيطرة على مدينة منبج في إطار غير بعيد عن الطموحات الكردية في تعزيز سيطرتهم على المزيد من الأراضي بمحاذاة الحدود التركية لإقامة كيان «انفصالي» تغض الولايات المتحدة الطرف عنه بشكل أو بآخر، على الرغم من تحالفها العميق مع تركيا في إطار حلف الناتو من جهة، والشراكة في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة من جهة أخرى.
تعد وحدات حماية الشعب الكردي، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، القوة المسلحة الرئيسية لأكراد سوريا، وتضم حوالي 45 ألف مقاتل ارتفع عددهم إلى 65 ألفا بعد إقرار الإدارة الذاتية قانون الخدمة الإلزامية قبل عامين؛ وهي قوات موالية لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.
وينتشر أعضاء وحدات حماية الشعب الكردي في مناطق الأكراد في سوريا، خاصة في الشمال، وشمال شرق البلاد. وينظر إليها على أنها الفرع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وأنها موالية لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا؛ وتدور حولها شبهات تتعلق بممارسة التهجير القسري للسكان العرب وارتكاب «جرائم حرب شمال سوريا واحراق قرى عربية وتركمانية»، حسب تقرير منظمة العفو الدولية، «لا مكان نذهب إليه»، ومع هذا تتلقى دعما من روسيا والولايات المتحدة معا مع اختلاف أهداف كل منهما.
الدعم الأمريكي للقوات العسكرية لإقليم كردستان العراق والمقاتلين الأكراد في سوريا، غرب كردستان، ساعد في تعزيز الهوية القومية الكردية العابرة للحدود الجغرافية؛ وتعد زيادة قوتها ونفوذها على جانبي الحدود العراقية والسورية بمثابة تمهيد لبناء جيش مسلح قوي لدولة كردية مستقلة تمتد على أراض عربية من أربيل إلى ريف حلب الشمالي بمحاذاة الحدود التركية متى ما تهيأت الظروف الإقليمية والدولية. ويتعارض الدعم الأمريكي مع السياسات التركية التي يعنيها تماما التصدي لما تراه تهديدا لأمنها القومي.
بعد عدة أيام فقط من زيارة قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال جوزيف فوتيل، إلى شمال شرقي سوريا، ولقائه مع قيادات في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وبالتزامن مع الإعلان عن معركة استعادة الفلوجة في العراق، أعلنت قوى مسلحة كردية وأخرى عربية متحالفة مع الولايات المتحدة ضمن «قوات سوريا الديمقراطية» عملية عسكرية لاستعادة الرقة في 24 مايو/أيار الماضي قبل ان تغير مسارها لاستعادة مدينتي منبج وجرابلس في ريف حلب الشمالي.
لكن ثمة عقبات أمام تحقيق هدف استعادة الرقة دفع باتجاه تغيير أولويات المعركة لتبدأ هذه المرة باستعادة مدينة منبج في ريف حلب الشمالي بمشورة أمريكية، ومشاركة جنود فرنسيين من القوات الخاصة، حسب تصريحات رسمية، 4 حزيران/يونيو الماضي، منسوبة لمصدر في وزارة الدفاع الفرنسية، تحدث عن وجود جنود فرنسيين إلى جانب أمريكيين «لتقديم الأسلحة وتنسيق الدعم الجوي والمشورة» لقوات سوريا الديمقراطية في مواجهة تنظيم الدولة في مدينة منبج.
ويُشكل الأكراد الأقلية الأكبر في الشرق الأوسط دون كيان قومي يجمعهم، وأثبتت هذه الأقلية أمام الولايات المتحدة، والعالم، أنها قدمت الجهد الأكبر في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، وهي بهذا تكون قد ربطت مصيرها ومستقبلها بنتائج هذه المواجهة العسكرية، وهذا بالتأكيد سيكون محل تقدير الولايات المتحدة التي تسعى لأن يكون الأكراد الشريك الإقليمي الأكثر قوّة، والذي يُراد منه أن يكون القوة الأمريكية الأكثر فعالية مستقبلا، وما يستلزمه هذا من دعم وتسليح بسلاح أمريكي حديث.
من جهتها، تسعى الولايات المتحدة «لبناء قوة على امتداد الأراضي العراقية والسورية قادرة على القيام بما قامت به قوات البشمركه»، حسب رؤية وزير الدفاع الأمريكي الذي سبق ان أثنى على أداء قوات البشمركه في شهادة قدمها أمام الكونغرس الأمريكي في تموز/يوليو الماضي، قال فيها إنّ «الأكراد نموذج لما نبحث عنه، كقوات برية فعالة قادرة على الدفاع عن نفسها، ومتماسكة يمكنها السيطرة على الأراضي والحفاظ عليها كنموذج للقوات البرية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء عليه».
في الأول من حزيران/يونيو، أعلن المجلس العسكري لمدينة منبج، أحد فصائل تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، بدء عملية السيطرة على المدينة، ومع الأيام الأولى للعمليات القتالية حققت هذه القوات نجاحات تمثلت في السيطرة على عشرات القرى باسناد جوي من طيران التحالف الدولي، لكنها لم تدخل مركز مدينة منبج التي ينظر إليها خبراء عسكريون بانها ساقطة عسكريا بعد قطع طرق الامداد وحصارها بالكامل تمهيدا لدخولها المتوقع والتقدم باتجاه المعقل الآخر لتنظيم الدولة في مدينة جرابلس، حسب توقعات خبراء آخرون.
السيطرة الكردية على القرى والبلدات ذات الكثافة السكانية العربية بموازاة امتداد الشريط الحدودي مع تركيا لا يمكن لها ان تستمر إلى ما بعد تصحيح الأوضاع العامة في سوريا، وتوصل الفرقاء إلى حل شامل يرسم صورة سوريا المستقبل ونظام الحكم فيها برعاية اممية؛ كما ان الولايات المتحدة لا يمكن ان تستمر في سياسة غض الطرف عن اتساع النفوذ الكردي والسيطرة على المزيد من الأراضي العربية وفرض الأمر الواقع لاعتبارات تتعلق بعدم الرضا التركي، وأخرى على صلة برفض الدول العربية ذات الأثر الفاعل بالملف السوري لأي ما يشجع على تقسيم سوريا؛ لكن الولايات المتحدة على ما يبدو تجد نفسها في حاجة آنية للعامل الكردي بعد تجربتها الفاشلة في بناء قوة من فصائل المعارضة السورية المعتدلة كقوة برية قادرة على استثمار الضربات الجوية لهزيمة تنظيم الدولة.
هناك ثمة مصالح آنية للولايات المتحدة في تحقيق رؤيتها وتجسيدها على الأرض لهزيمة تنظيم الدولة عن طريق عزل الفصائل السورية عن التأثير الإقليمي المباشر، التركي خاصة، الذي يعارض كل ما من شأنه تعزيز القدرات العسكرية الكردية للفصائل الموالية لحزب العمال الكردستاني بما قد يشكل نواة لقوة قادرة على فرض الانفصال كامر واقع؛ وهناك ثمة ما يشير إلى تناغم روسي أمريكي في محاولة عزل الفصائل ضمن مناطق جغرافية مقطعة الأوصال ومعزولة عن الأراضي التركية.
ومع اشتداد قصف طيران التحالف الذي يمهد لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على القرى المحيطة بمدينة منبج، انسحب تنظيم الدولة من معظم تلك القرى إلى داخل المدينة التي تشهد أحيائها الشرقية منذ 7 حزيران/يونيو الجاري اشتباكات عنيفة تكبد خلالها الطرفان المزيد من القتلى والجرحى؛ كما تشهد المدينة منذ أكثر من أسبوع حركة نزوح باتجاه بلدات أخرى واقعة تحت سيطرة التنظيم. وتشير تقديرات لتنسيقيات ثورية إلى نزوح حوالي 60 ألف نسمة من المدينة خلال أقل من عشرة أيام.
تتضاءل المخاوف التركية والأمريكية والعربية من نتائج ما ستسفر عنه العمليات القتالية واحتمالات سلوك قوات سوريا الديمقراطية سلوكا لا يتفق مع أجندات تلك الدول من دعمها لهذه العمليات، ونتائج سيطرة هذه القوات على مدن حيوية مثل منبج وجرابلس من حيث موقعها الجغرافي القريب من الحدود التركية أو الأهمية التي تشكلها في ما يتعلق بطرق الامداد لفصائل سورية مسلحة مدعومة من تلك الدول؛ وهي اعتبارات ليست ذات قيمة عالية أمام حقيقة ان قوات سوريا الديمقراطية باتت تشكل القوة الإضافية الأكثر أهمية في مواجهة تنظيم الدولة.
لكن ستبقى حالة التوجس قائمة لدى كل من تركيا والدول العربية الحليفة لها، إضافة إلى فصائل المعارضة السورية، طالما لم تكن هناك ضمانات حاكمة لسلوك قوات سوريا الديمقراطية التي مقدر لها ان تكون القوة الأكثر نفوذا على امتداد الشريط الحدودي مع تركيا.

استعادة منبج: غض طرف أمريكي ومخاوف تركية وعربية

رائد الحامد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية