أحداث ملتبسة تدور على ضفتيّ نهر الفرات. في غربه، تندلع معركة ضارية لطرد «داعش» من مدينة منبج. في شرقه، تتقدم وحدات خاصة معززة من الجيش السوري باتجاه مدينة الطبقة وبحيرة سد الفرات.
الهجوم على منبج تقوده «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية التي تخالطها قوات عربية، مدعومةً بغطاء جوي من طائرات «التحالف الدولي» الامريكية. تركيا كانت هددت بالتدخل عسكرياً اذا ما حاولت قوات كردية مقاتَلَة تنظيماتٍ موالية لها غربَ نهر الفرات، لأنها تمانع في وصل مناطق السيطرة الكردية في محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، بمنطقة عفرين في غربها. لماذا تخلّت تركيا اخيراً عن ممانعتها؟
لأن وزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر كشف ان «داعش» يتخذ من منبج قاعدة «لتدبير مؤمرات على اوروبا وتركيا وكل اصدقائنا وحلفائنا وعلى الولايات المتحدة ايضاً». يبدو أن منطق كارتر أقنع رجب طيب أردوغان بضرورة الهجوم على منبج بدليل مسارعة الرئيس التركي إلى تبريره بقوله إن القوات التي تشن العملية العسكرية تضمّ 2500 مقاتل عربي سوري و 450 عنصراً فقط من «وحدات حماية الشعب الكردي»! دمشق وجيشها العربي السوري لم تستأذن أحداً في الهجوم لتحرير مدينة الطبقة ومطارها، وبحيرة سد الفرات ومحيطها. لا شك في أنها أحاطت موسكو علماً بهجومها واستحصلت منها على قرارٍ نافذ بمؤازرة جوية له فوق منطقةٍ تكثر فيها طلعات طائرات «التحالف الدولي» الأمريكية.
هل هناك تفاهم أشمل وأفعل ينتظم العمليات العسكرية الجارية غرب نهر الفرات وشرقه؟ ثمة مؤشرات لافتة في هذا المجال أبرزها ثلاثة:
اولها ، تزايد نشاط «داعش» الإرهابي أخيراً في مناطق عدّة على حدود تركيا الجنوبية مع سوريا وامتداده إلى عمقها وصولاً إلى انقرة واسطنبول، الامر الذي أقنع القيادات العسكرية التركية بوجوب التصدي له داخل شمال سوريا وعدم الاكتفاء بدعم التنظيمات الموالية لأنقرة، «جبهة النصرة» مثلاً، تنوب عنها في مواجهته.
ثانيها، ان موسكو أغاظت دمشق في شهر فبراير الماضي عندما أقـــــدمت، دونما تنســــيق معها وبالتوافق مع واشنطن، على إقرار هدنة تشمل كل مسارح العمليات، وشفعتها بسحب عدد كبير من طائراتها المقاتلة من سوريا.
كل ذلك في وقتٍ كان الجيش السوري يتقدّم ويسيطر على معظم مواقع «داعش» في محيط حلب الجنوبي ويستعد لتطويق الأحياء الشرقية الشمالية فيها لاستكمال تحريرها كلها. غير أن تصرفات واشنطن المريبة عبر التنظيمات الكردية المتواطئة معها في شمال سوريا الشرقي من جهة، وضغوط دمشق وطهران على موسكو من جهة أخرى حمل العاصمة الروسية أخيراًعلى تعديل موقفها، فانفتحت مجدداً على دمشق ومخططها الرامي إلى طرد «داعش» من الرقة وشمال حلب كخطوة متقدمة في خطة استعادة وحدة البلاد الجغرافية والسياسية. في هذا السياق، زودت موسكو دمشق أسلحة حديثة ومتطورة يقوم الجيش السوري باستعمالها بفعالية في زحفه لتحرير مدينة الطبقة ومحيطها.
ثالثها، حصول تفاهم مبدئي بين واشنطن وموسكو على النقاط الآتية:
حصر نفوذ «قوات حماية الشعب الكردي» في شمال شرق سوريا، وبالتالي عدم تمكين الكرد السوريين من توسيع رقعة منطقة الحكم الذاتي التي يرغبون في إقامتها إلى ما يتجاوز حدود محافظة الحسكة، الأمر الذي يطمئن أنقرة المتخوّفة من وصولهم إلى منطقة عفرين في غرب سوريا.
تسليح موسكو لوحدات البيشمركة الكردية العراقية بغية مشاركتها الجيش العراقي والتنظيمات الشعبية المتحالفة معه في عملية تحرير محيط مدينة الموصل.
إقرار واشنطن كما موسكو بحق دمشق في تحرير محافظتيّ الرقة ودير الزور بقواها الذاتية وبدعمٍ من سلاح الجو الروسي وسائر حلفائها إذا اقتضى الامر.
إذ يبدو أن استعادة وحدة سوريا ستتقرر على ضفتيّ نهر الفرات، فإن لا اتفاق بين موسكو وواشنطن، بعد، على مسألة تحرير حلب من «داعش» و»النصرة» وحلفائهما. ذلك ان واشنطن تربط هذه المسألة بمسألة المفاوضات المفترض استئنافها بين دمشق وتنظيمات المعارضة السورية «المعتدلة»، وبسعيها إلى أن يكون لهذه التنظيمات دور في تحرير حلب بغية تعزيز مركزها التفاوضي حيال دمشق. ولعل واشنطن تحاول ايضاً استئخار تحرير حلب للضغط على دمشق لحملها على تقديم تنازلات في مسألة هيئة الحكم الانتقالي بغية استرضاء السعودية واقناعها بضرورة الإيعاز إلى حلفائها في المعارضة «المعتدلة» بالعودة إلى طاولة المفاوضات.
تبدو انقرة مستعدة لتقديم مزيد من التنازلات المحدودة استجابةً لضغوط واشنطن وتشجيعاً لموسكو على تقليص تحفظاتها وضغوطها عليها، بينما تتمسك الرياض برفضها تليين موقفها السلبي من دمشق، وبسعيها إلى إطالة أمد الصراع في سوريا إلى ما بعد انتخابات الرئاسة الامريكية لاعتقادها ان الرئيس الأمريكي الجديد، سواء جاء ديمقراطياً ام جمهورياً، سيكون اكثر تشدداً من الرئيس اوباما في وجه اطراف محور المقاومة، وان ذلك سيكون في مصلحتها ومصلحة حلفائها السوريين والاقليميين.
هذه الصورة للمشهد الإقليمي تبقى ناقصة من دون تظهير بُعدين اضافيين بالغيّ الأهمية: الاسرائيلي والإيراني. قيادات إسرائيل وخبراؤها الإستراتيجيون ما زالوا يتدارسون مسألة مَن هو الأخطر عليها: إيران أم «داعش»؟ في المقابل، ايران ما زالت تراقب وتتحسب لما تفعله الولايات المتحدة في سوريا والعراق ولما تفعله اسرائيل ضد سوريا، كما ضد قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية.
ايّاً ما سيكون هدف إسرائيل (وأمريكا) المقبل، سواء أحد أطراف محور المقاومة، أم «داعش»، فإن ردة فعل ايران المتوقعة ستبقى على ما هي عليه: التصدي بلا تردد لمحاولات إسقاط سوريا ايّاً كان الفاعل او المتدخل اوالمستفيد.
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان