استعان بشعره وخيباته السياسية ومسرح نفسه: «يا يحيى جابر.. خذ الكتاب بقوة» علاج ذاتي بالمسرح

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: يسخر يحيى جابر بقوة من حظه السيئ. يمسرح تاريخه ويقدمه على طبق من خيبات. يمزج في عرضه الجديد «يا يحيى جابر..خذ الكتاب بقوة» الذي انطلق عشية الأربعاء الماضي على خشبة مترو المدينة، بين كونه مواطناً وشاعراً وممثلا. لكنه في النهاية كان ممثلاً ومثّل حاله. ولم يتقمص سوى النادر من الشخصيات ولماماً. هو الشاعر والمسرحي المنضوي غالباً في قافلة بشرية بينها من يمتاز بنخبوية عالية، ترك نفسه في مترو المدينة يسبح في موج هادئ قربه من الناس. وفي الوقت نفسه لم يتركه يسقط في فخ الاستسهال والشعبوية، رغم مضيه في سيل من المشاهد التي تستعرض واقع الحال والمساوئ التي آل إليها. ينفعل من واقع السياسة ويتفاعل معها بسخرية محبوكة جيداً. يشمت من نفسه «كنت عرّيف مهرجان 14 آذار.. كانوا الناس بحدود المليون.. عطشت رحت أشرب.. رجعت؟ وين راحوا الناس؟».
مسرح يحيى جابر «خريج معهد الفنون» مسل حتى قبل أن يطأه حاملاً على رأسه «صينية» واسعة جداً تصلح للمنسف، وقد سبقه إلى الزاوية الأخرى من المكان زميله الدائم الموسيقي طارق بشاشة. أمام طارق كمٌّ من الأواني المنزلية وزجاجات فارغة، وكذلك وعاء ماء بلاستيكي كبير، سخرها جميعها في خدمة أصابعه، أو هو عالجها بأدوات الإيقاع، وهكذا تنوعت النغمات. مع دخوله الكاريكاتيري برفقة كرشه البارز سأل يحيى صديقه طارق أن يأذن له «بفوت بالدور»؟ «فوت». وانطلق من نكساته في السياسة وصولاً إلى وجوده في الحياة. مرض والدته ووفاتها. معهد الفنون الذي قرر دخوله ليتخلص من حيائه. المرأة، حيث توقف ملياً عند حبيبته التي جاءته يوماً مبشرة إياه «صرنا اصدقاء»؟ طار صوابه. من الدعاوى التي أطلقها بحقها «يا رب تنصحي 20 كيلو». وأن «تعلقي بالمصعد مع صرصور».
ليحيى جابر خيال رحب جداً. يوصل فكرته بشتى الطرق، ولا ينفك عن ندب حظه. بيسر شغل الجمهور وشد عصبه، مع حضور لطيف وجميل لموسيقى طارق بشاشة. يحيى جابر الشاعر الحائز على جوائز، والكاتب النقدي اللاذع، قارب أمور الوطن بساعة ويزيد بأسلوب متقن، قريب من الناس، وبعيد عن الابتذال. احتفل بمرور سنتين على عرضه المسرحي «بيروت.. طريق الجديدة» وفي اليوم نفسه أطلق «يا يحيى جابر..خذ الكتاب بقوة». هي جرأة فماذا يقول في هذا الحوار:
○ لماذا حملت خيباتك إلى المسرح دفعة واحدة ألم يكن أجدر بك تقسيطها؟
• هذا جزء من الخيبات ولا يزال هناك المزيد. المسرح هو شيء من العلاج النفسي. أو تواصل مع المجتمع كعلاج من الوحدة. المسرح واحد من الأدوات التي نستعملها كما الشعر، السينما أو الصحافة. شكل المسرح حجرة اعتراف لي من خيبات السياسة والحب. والاعتراف هو طريق للتوازن.
○ خيباتك بسرعة الصاروخ فهل لتقلباتك الشخصية السريعة صلة بها أم للواقع ايقاعه السريع؟
• أنا ابن هذا المجتمع يتقلب ويقلبني معه. هو جزء من حركة تفاعل تنبئ بأني ما زلت على قيد الحياة، والابداع والابتكار. قادر على التفكير والدفاع عن نفسي من تلك الهجمات السوداء الظلامية التي تفتك بنا يومياً.
○ في مسرحك هذا موضوعات ومواقف وأفكار مضافة لسيرتك الذاتية فما هو موقع كل منها؟
• هذا العرض جزء من مجموعة أعمال أستوحيها من خلال كتبي. هو اقتراح مسرحي أحاول أن أعيش منه أولاً. ومن ثمّ هذه مهنتي.
○ أن تكون على المسرح تؤدي نصاً مغرقاً في الكوميديا السوداء وكذلك شاعراً فهل أنت بصدد تجريب مسرحي؟
• نعم. أخوض تجريباً مسرحياً بحسب المكونات التي أمتلكها، وبحسب النكهة التي أريدها. لا أنظر مطلقاً إلى مطابخ الآخرين. امتلك هذا المطبخ الصغير الذي أسعى للإبتكار من خلاله، وصولاً لبعض الاقتراحات المساعدة للمتابعة في المسرح والشعر. فالمسرح في الأساس أصله شعر. نعم أحاول التجريب وبقوة.
○ في رأيك هل يحتاج الناس إلى مسرح بعيد عن التعقيد والمعاني المبطنة؟
• الناس كلمة فضفاضة، وكذلك جمهور. أتعاطى مع الجمهور بالمفرد أو «فلت». الناس أنواع. ناس تحب هذا النوع ولا تحب ذاك. يبقى عليَ أن احترم أي جمهور. أطل عليه دون أن ألقنه. ولا أخضعه للـ»زغزغات» بهدف الضحك المجاني.
○ ما هو رأي أو موقف اساتذتك من المسرح الذي تقدمه؟
• معظمهم انسحب من حياة المسرح. وهذا مؤسف كونهم أساتذة على درجة كبيرة من الأهمية. روجيه عسّاف بعيد عن الأضواء. يعقوب الشدراوي رحل. بالنسبة للبقية أعتبرهم أكاديميين، وهم ليسوا أساتذة لي بمعنى النهل منهم. وللحق أدين ببعض الأمور لروجيه عسّاف.
○ هل دعــوتـهم إلى مسرحك؟
• لست شاطراً في العلاقات العامة. في أحيان أقدم عملاً ولا أدعو الصحافة. لا أعرف التصرف حيال ذلك، خجلاً وليس لسبب آخر.
○ هل لا يزال للمسرح نخبويته في لبنان؟
• ربما يكون عملي «بيروت .. طريق الجديدة» نخبويا. فهو بدأ سنته الثالثة في العروض. هو عمل نخبوي نعم. ولهذا المسرح ناسه. بعض من المسرح يعرض لمرة واحدة «مش فارقة معهم» حيث يحصلون على التمويل وانتهى الأمر. أنا أهتم بشبّاك التذاكر. أهتم أن يأتي الجمهور ويقطع بطاقة. وأهتم شخصياً باحترام الثمن الذي دفعه. وهذا ما يحصل فعلاً. «بيروت.. الطريق الجديدة» مستمرة، وهي لا تدّعي لا الشعبوية ولا النخبوية، تدّعي المسرح فقط. وبعد شهر ستكون لي مسرحيتي الثالثة. والعروض ستبرمج على التوالي. وهذا ما يشكل ظاهرة جديدة.
○ وجود مسرح مترو المدينة كم يساعدك للسير في هذا السياق المسرحي وبرمجة العروض؟
• طبعاً أشكرهم على الاستضافة الدائمة. وأنا بالنسبة لهم شخص معنوي، وزبون من جهة أخرى. فعلاً هو مكان اختباري.
○ في المسرح هل أعانك الشعر أم التقنيات التي تعلمتها في معهد الفنون؟
• طبعاً استفدت من تقنيات المسرح، لكني أهملت تدريب الصوت والجسد كما ظهر لك من خلال «كرشي». نعم أعيد تأهيل نفسي ولا أخجل من البوح بالنواقص التي لدي أو من العيوب. اعترف بوجودها، أحاول حلّها، وإن لم اتمكن فلست مضطراً للإنتحار.
○ وهل ستعمل لحل مشكلة «الكرش» الفضفاض؟
• طبعاً ولهذا قلت على المسرح «تخيلوني رشيقا وعم أرقص».
○ وكان شكلك كاريكاتيريا جداً في المشهد؟
• كان أمراً جميلاً ولا داعي للتعقيد النفسي. السخرية من النفس تُحرر. ليس لدي مقدس بمعنى السخرية من الذات أو من الآخرين بشرط أن تكون سخرية غير مؤذية.
○ تفاعلت أكثر من مرة مع الجمهور ألا تخشى مطبات قد تنجر إليها؟
• أعتبر العمل المسرحي نوعاً من السهر في البيت، لكن على نطاق أوسع. لست على المسرح كي «أستذ» أو ألقن، أو أعطي دروساً تربوية ومواعظ. وعلى الآخرين التلقي فقط لا غير. إن كان لا بد من التفاعل، أتفاعل، ولا أنجر للحوار المباشر. ثمة مسافة بيني وبين الجمهور أحترمها.
○ هل المسرح في مرحلة جديدة في لبنان؟
• ثمة عودة للمسرح. وجمهور المسرح كبير. أقدم المسرح في عز الصيف. وحتى في شهر رمضان، المسرح «ماشي» وفي البلد العديد من المسارح. لا قوالب جاهزة للمسرح.
○ ما هو طموحك في المسرح؟
• أن أعيش منه.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية