القراءة الفاعلة تفتح أفقا للتعرّف، وتضع الفاعل القرائي أمام لعبة اضطرارية للكشف والتعرية واللذة. وكل قراءة تفتقد لهذا المُعطى الماكر ستكون نوعا من التلقين، أو المباهاة والغرور بحيازة الكتاب والمكوث في إيهام الحكايات وأفكار السياق والنعاس..
توصيف القراءة بهذا المعنى سيضعها في نسق مضاد واستفزازي، يحرّض على ضرورة التخلص من عادات قرائية مدرسية راكزة في اللاوعي، والنفور إلى ما هو مفارق، حيث تكون القراءة غواية البحث عما هو مضمر في النص/ الحكاية، وفي المعنى/ الدلالة، وبما يعطي للقارئ العمدة، كما يصفه ريفاتير سلطة أخرى، تلك التي تخلّصه من كسل المكوث، ومن هيمنة الحكواتي المركزي أو الراوي العليم، أو المؤرخ المدسوس بقميص الفقيه وقناع القديس أو صحاب الصحاح.
القراءة في جوهرها بحث عن معنى، وعن لذة، وأن أي تصور يسحب من القارئ هذا الامتياز الساحر سيندرج في تزييف قصدي أو قهري لفعل القراءة، وسيُفقد القراءة ذاتها لذة الكشف، وجرأة التجاوز على الفرضيات والبداهات التي كثيرا ما تأتي- تحت مهيمنات عقلنا العربي- عالقة مع النص، بوصفه نصا للثورة والعقيدة والحزب، أو بوصفه نصا أبويا أو متعاليا، أي أنه محشو بشيفرات دعوة سرية تقوم على إفقاد القارئ القدرة على سردنة المعنى والتاريخ والنص من خلال التأويل.
أحسب أن مقاربة فعل القراءة خارج هذا السياق سيكون أكثر الدعوات تأثيرا لتغذية وعي الحرية، ولعبة الكشف عن النسقيات الفاعلة لتلك الحرية، بوصفها إرادة ومسؤولية واختيارا وموقفا، أو بوصفها إشهارا، لاسيما أننا لم نتعود كثيرا على ممارسة (الحريات النشيطة) أي حرية التصرف بالوعي وبالخطاب.. فكل ما كان يأتينا من الحرية هو مفهومها المسحوب من النظرية والأيديولوجيا، أو من الفلسفة، وحديثنا عن استعمالات الحرية يظل بلا وظيفة اجتماعية أو سياسية حقيقية، ولعل أكثر ضحايانا في تاريخ المعارضات الوطنية والثورية هم من الذين استعملوا الحرية بإفراط غير مسموح به من الحكومات ومن الجماعات أيضا..
علاقة القراءة بالحرية علاقة توجيه أصلا، بحكم تاريخ الوصايا العقائدية والتربوية في تاريخنا، وفي أنماطنا العائلية والمدرسية والحزبية، وصولا إلى النمط الطائفي الذي صار اليوم من أكثر الموجهات تحريضا على قراءة أدبيات الأمة والملة والحاكميات، وإقصاء شرعيا للمختلف، وكأن هذا المختلف هو (الكافر) المطرود من النص، والملعون في الحكم، لذا لا يجوز مشاطرته القراءة والمعيش، والبحث عن سيميائيات مجاوره لتطهيره، وإعادة دمجه في مجرى المعنى والجسد والفكرة..
خطورة القراءة…خطورة النص..
تزييف القراءة تكون أكثر خطورة حين تقارب النصوص، وحين تقارب قراءة السير، ليس لأنها ستضعنا أمام تحليل مشوش ومشوه ومريب فحسب، بل لأنها ستفقدنا الإمساك بجوهر المعرفة، وفي إكساب كشوفات القراءة طاقات متوهجة تُغني الوعي، وتُزيح الوحشي عن سطح الفكرة، وتحسّن الذائقة، وتشفّ المزاج، وتحرض على الحوار والفهم..
إتساع وظيفة السياسي والميلشياوي والجماعاتي في ثقافتنا العربية في مرحلة ما بعد الربيع العربي أسهم في زيادة جرعات الخطورة، لأنه افترض وجود مكتبة أخرى لإنتاج المعاني، مثلما افترض تحديد أطر موجهة لاستعمالات القراءة، وإخضاعها لثنائيات تتناوشها شروط قاهرة للمقدس والمدنس، والكفر والإيمان، والطهر والنجاسة..
هذا التحديد يشبه الطرد والتحريم، لأنه يعني إعادة هيكلة نكوصية للمؤسسة الثقافية، ولمؤسسة الكتاب بشكل خاص، وكذلك التحريض على إعادة إنتاج الرقيب الشرعي والفقهي، وفي وضع القارئ تحت سلطات ومرجعيات هذا الرقيب، وبعيدا عن لذائذ الحرية والحداثة، وعن فردانيات ما بعد الحداثة. مقابل الحثّ على لزوم عودة الفرد إلى الجماعة، وعودة الدولة إلى الأمة، وإعادة العقل إلى المرجعيات النقلية حتى لا يدخل في حسابات المنكر، والبُدع والضلالات..
الاستعمال المضاد..
بين كل هذا الممنوع الثوري والفقهي والطائفي، ما الذي يمكن أن تصنعه الأنتلجنسيا العربية لمواجهة هذا التغريب القرائي؟ وهل سنجد أنفسنا جميعا في لعبة الحروب المفتوحة، بما فيها حروب الطوائف والجماعات؟ وهل ستكون هذه المظاهر العصابية إعلانا عن موت الدولة المدنية، وضمور العقلانية؟
وكيف سنفكر معا- وسط هذه الغلواء- في الحديث عن مرجعيات إجرائية لإصلاح الخطاب الديني؟ هذه الأسئلة هي المدخل لإباحة خطاب العقل والمواجهة، والحديث بما هو دفاعي عن قيم التنوير والتحديث، تلك التي تملك تاريخا معروفا، حتى داخل الخطاب الديني، بدءا من حسن العطار والطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي وجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي ومحمود شلتوت وغيرهم..
إن ما يحدث في الواقع العربي من أزمات عميقة يكشف- للأسف- عن هشاشة الوظيفة الثقافية، وعن غياب أي تراكم حقيقي للمكتبة العربية، وعن تشوه خطير في العلاقة ما بين الثقافي والسياسي، وما بين الثقافي والديني، وحتى ما بين الثقافي والاجتماعي، لأن هذه العلاقات المحكومة فاقدة للبرنامج والمشروع والفاعلية، وأن ما تمظهر ما بعد أحداث الربيع العربي كشف لنا عن الهوس بالوظيفة الصوتية للمثقف العربي، مقابل عطالته الحقيقية في الوظيفة الميدانية، فالشارع الثوري كان صاخبا بالأصوات الحالمة في الكثير من المدن العربية، لكنه بعد انجلاء الغبرة تحول إلى شارع للثورة المضادة، وللجماعات التي تتسع حروبها وشعاراتها عبر تماهٍ مريب مع التاريخ والماضي، أي أن المثقف العربي تعوزه آليات التنظيم، وآليات قراءة الشارع والمزاج الجماهيري المسحوق، مثلما تعوز كل النخب الثقافية والديمقراطية القدرة على صناعة الفعل، وعلى صناعة رأي عام ضاغط وفاعل يمكن التأثير في خريطة الشارع السياسي العربي…
العودة للقراءة قد تكون هي العودة إلى الأرض البكر، بعد أن فقدت الأرض الايديولوجية والعقائدية كل خصبها القومي، وما عادت الشعارات القديمة تُغني عن سماد فاسد، وعن رؤى عاطلة، وعن ليبراليات معطوبة، وعن يسارٍ ضيّع الجهات، وعن أحلام تعلبت في الصناديق العائلية. وأحسب أن مواجهة هذا التجهيل الغريب والفاجع، وهذا الضياع والتشظي يتطلب وعيا (شقيا) بجد، ووعيا أخلاقيا وتطهيريا، مثلما يتطلب رهانا عقلانيا على المستقبل، وعلى مواجهة فاعلة لهذا الرعب الذي أفقدنا طعم الكلام عن أسمائنا وعن أمكنتنا الضيقة، وعن حريتنا التي تحتاج إلى الكثير من الأسئلة، والكثير من الأسلحة أيضا، والكثير من الاستعمالات الفاعلة…
٭ ناقد عراقي
علي حسن الفواز