تشهد المنطقة العربية منذ عدة سنوات حراكا غير مريح، ينطوي على عملية إعادة تشكيل للمنطقة برمتها ولدولها، وإعادة رسم للخريطة السياسية في الشرق الأوسط، ويندرج استفتاء إقليم كردستان في شمال العراق ضمن هذا الاطار، وإن كان هذا الاستفتاء ليس الدليل الوحيد على أن خريطة المنطقة يُعاد رسمها من جديد.
يحلو لبعض المؤمنين بنظرية المؤامرة الاعتقاد بأن ما يجري في المنطقة ليس سوى مشروع أمريكي غربي استعماري جديد يقوم على تقسيم المقسم وتقطيع المقطع، ويحلو لهم أيضاً الترويج إلى هذا الاعتقاد، مستندين إلى وثائق، ربما تكون صحيحة، من بينها مخطط لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، وضعه الأستاذ الجامعي برنار لويس المختص بالمنطقة والخبير بتاريخها، وهو أستاذ في جامعة «برنستون» الأمريكية متخصص بدراسات الاسلام والعرب ومنطقة الشرق الأوسط، وهو أمريكي من أصول بريطانية، وتعود أصوله الى عائلة يهودية تسكن لندن، كما أنه يجيد العربية والعبرية، إلى جانب الإنكليزية ولغات أخرى.
المؤمنون بنظرية المؤامرة يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل ومعهما قوى غربية، يتبنون مشروع برنارد لويس لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، ويقومون بتنفيذ هذا المشروع بسرية تامة وصمت، وينطلقون من هذه النظرية الى تفسير لماذا صمتت أمريكا على الحرب في سوريا، ولماذا تقف كمتفرج على حرب اليمن، ولماذا تركت ليبيا تغرق في صراعاتها الداخلية، بعد أن سقط القذافي، وصولاً إلى أزمة الخليج الراهنة، التي تهدد التكتل العربي الوحيد الناجح (مجلس التعاون الخليجي)، بعد أن فشلت كافة محاولات العمل العربي المشترك طوال السنوات الستين الماضية، بما فيها الجامعة العربية، التي لم يعد لها أي قيمة سياسية.
المؤمنون بمؤامرة برنارد لويس يعتقدون أن الولايات المتحدة ومعها القوى الغربية، تقوم بإعادة تشكيل المنطقة ورسم خريطتها من جديد بأيدي أبنائها، ولذلك فإن كل هذه الصراعات يتم توجيهها أمريكيا عن بُعد، لنسف الدول القائمة، ومن ثم إعادة بناء دويلات جديدة وكيانات حديثة بأنظمة مطابقة للمواصفات والمقاييس التي ينص عليها مشروع لويس.
وأغلب الظن أن الاعتقاد بوجود مؤامرة تستهدف الخريطة العربية ليس صحيحاً، إذ أن السياسات الأمريكية والدولية، لا يرسمها أستاذ جامعي حالم يُدلي برأيه واجتهاده كما يفعل كثيرون غيره، كما أن واشنطن لم تعد بحاجة لحياكة مؤامرات سرية لتنفيذ أجنداتها وسياساتها وتحقيق مصالحها في العالم، فهي الآمر الناهي في عالم يحكمه قطب واحد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1990. سواء كان هناك مؤامرة أمريكية اسرائيلية غربية تستهدف خريطة العالم العربي، أم لا، فان الحقيقة المؤكدة أن ثمة حراكا سياسيا وعسكريا حادا في العالم العربي قد ينتهي خلال سنوات قليلة بانهيار دول وقيام أخرى، كما أن الإصرار الكردي على إجراء استفتاء الاستقلال في الخامس والعشرين من الشهر الحالي، قد يتسبب بنشوب حرب جديدة في منطقة متحاربة أصلاً ومشتعلة أصلاً، كما قد يؤدي الى تغيير التحالفات والمناكفات؛ إذ أن أنقرة وطهران اللتين تتحاربان في سوريا قد تتحالفان في العراق ضد استقلال إقليم كردستان.
خريطة المنطقة العربية يُعاد رسمها من جديد بكل تأكيد، وكل الأحداث في منطقة الشرق الأوسط تدل على ذلك؛ بدءاً من سوريا فالعراق الى اليمن وليبيا وأماكن أخرى من العالم العربي، لكن هذا التغيير ليس ناتجاً عن مؤامرة أمريكية ولا اسرائيلية، كما أنه ليس تنفيذاً لمخطط وضعه برنارد لويس أو غيره من أساتذة التاريخ والسياسة والاجتماع، وإنما هذا التغيير الذي تشهده المنطقة إنما هو نتاج لأنظمة قمعية قادت دولاً فاشلة طوال العقود الماضية، وتجري الآن عملية تصحيح طبيعي تماما كعمليات التصحيح التي تشهدها البورصات وأسواق الأسهم عندما تشهد انهيارات في الأسعار ناتجة عن أعمال مضاربية شاذة.
المنطقة العربية تدفع اليوم ثمن سبعين عاماً من القمع والاستبداد والفساد وسوء الادارة وغياب المؤسسات وانعدام المشاركة السياسية والممارسة البيروقراطية الطبيعية، وكل هذا أدى الى انهيار جملة أنظمة في المنطقة العربية، ومن ثم يُعاد التشكيل بشكل شبه عشوائي وفوضوي لهذه المنطقة. نشعر بالأسى بكل تأكيد لأن الدول المقسمة أصلاً يتم تفتيتها من جديد بفعل هذه الصراعات، ونشعر بالأسى لأن بعض الدول الصغيرة لم تعد قادرة على التماسك، رغم صغر مساحتها ومقدرتها، والأهم من ذلك أننا نشعر بالأسى أكثر وأكثر لأن حُلم الوحدة العربية يتبدد شيئاً فشيئاً وحُلم الدولة العربية الواحدة بات أبعد من أي وقت مضى مع عمليات تجزئة المجزأ التي تشهدها منطقتنا العربية.
كاتب فلسطيني
محمد عايش