استفزاز من النرويج

حجم الخط
0

الكثير من الرؤوس الشقر انحشرت في قاعة القاضي المركزي رون الكسندر. ومع أن هذا كان نقاشا أوليا في القضية غلا أن الضيوف الأجانب عرفوا بالضبط إلى أين يأتوا، متى وأي منفعة تستخلص من حضورهم. كانت هذه دعوى عادية من جمعية تعمل لتهويد شرقي القدس طالبت بإخراج عائلة عربية غزة إلى بيت ليس لها.
نظر القاضي بداية في أوراقه وبعدها رفع رأسه إلى الجمهور. وكشفت تعابير وجهه عن مفاجأته. فدعا إلى تأجيل المداولات إلى موعد لاحق ولم يجده في سجله إلا بعد سنة وحدده في يناير/كانون الثاني 2016 بل وقرر أن تجرى المداولات في مكتبه أي بلا جمهور. صحيح أن القاضي لم يقل صراحة بأن حضور المواطنين الأجانب هو ما يزعجه، ولكن كان واضحا للجميع أن هذا كان هو الحال.
الشقر، «هم من النرويج، دوما هم من النرويج»، يروي شاهد للحدث. كان يمكنهم أن يرفعوا علامة النصر. فقد كسبت العائلة الغازية سنة من الهدوء. في أجهزة السلطة لدولة إسرائيل لاحظوا منذ زمن بعيد بأنه تجري في المحاكم حرب قانونية، كما يسمى بالانجليزي «Lawfare». «نحن نواجه 400 التماس إلى العليا في المناطق. هناك منظمات تشغل محامين كي يرفعوا الالتماسات. لا يحتاجوا إلى الفوز في المحاكمة، بل إلى كسب الوقت فقط، تشغيل الجهاز وخلق عنق زجاجة. وأنا احتاج إلى أن أجند جيشا كاملا من المحامين للانشغال في هذا فقط»، هكذا شخص الأمور وزير الدفاع ليبرمان في عدد من المناسبات.
آخر تقرير للنيابة العامة للدولة لإجمال العام 2017 أفاد بأنه من بين عموم الالتماسات التي رفعت إلى العليا في هذه السنة، وعددها 2.432 نحو النصف (48 في المئة) هي لفلسطينيين. ويقول التقرير: «25 في المئة من الالتماسات هي قضايا مختلفة تتعلق بمناطق يهودا والسامرة و 23 في المئة هي التماسات في قضايا الاعتقالات الإدارية في يهودا والسامرة». المحاكم، وزارة العدل، الإدارة المدنية، وزارة الدفاع وباقي الجهات ذات الصلة تجشم تحت طوفان من الدعاوى والالتماسات من منظمات مؤيدة للفلسطينيين. وهذه تحاول، وتنجح بشكل عام، في أن تمنع أو تعرقل كل خطوة حكومية تتعلق بالفلسطينيين من هدم منازل المخربين وحتى الحصول على تصاريح دخول إلى إسرائيل.
حرب الاستنزاف تجعل الإجراءات نفسها تعلق وتخنق المحاكم. ولكن مثلما في مجال الحرب الالكترونية تشخص المنظومة الإسرائيلية الهجوم بدون أن تفهم من هو المهاجم وكيف يعمل. أما الجواب، الذي ينشر هنا لأول مرة، فهو كما يبدو المجلس النرويجي للاجئين أو باسم معروف أكثر ـ NRC.

«كأنك تحكي إلى الحائط»

الـ NRC هي إحدى منظمات الإغاثة الدولية الأكبر والأكثر شهرة في العالم. يقع مقرها الرئيس في أوسلو ولكنها نشيطة، حسب شهادتها، في 31 دولة. إسرائيل والسلطة الفلسطينية تحتلان نصيبا صغيرا نسبيا، من ميزانية سنوية بنحو نصف مليار دولار. ولكن تحقيق «إسرائيل اليوم» الذي يقوم على أساس تقرير جديد لمعهد «NGO Monitor»، يظهر بتعابير إسرائيلية، بأن حجم نشاط المجلس في إسرائيل هائل وأنه في حالات عديدة هو الذي يقف خلف الهجمة القانونية واسعة النطاق.
بداية بضع كلمات خلفية، فـ NRC معروف جيدا لكل مندوب إسرائيلي خدم في النرويج. «أن تحكي معهم هو كما تحكي إلى الحائط. يمكنك أن تقول ما تريد. أما هم فلا يسمعون على الإطلاق»، يقول دبلوماسي إسرائيلي يخدم في النرويج منذ بضع سنوات. رسميا يحذر المجلس بالطبع من التحيز السياسي ويزعم بانه يحدد كل نشاطاته تحت تعريف «المساعدات الإنسانية». ولكن ليس معقدا للمرء أن يلاحظ بأن إسرائيل هي كأس الشاي له.
يهاجم المجلس إسرائيل بشكل دائم على «الحصار» و «السجن المفتوح» في غزة ويقود حملات فظة لرفعه. وفي الشبكات الاجتماعية يطلق كبار رجالات المجلس العنان لالسنتهم وهذه موجهة إلى طرف واحد. فقد كتب المستشار الإعلامي الإقليمي للمجلس، كارل شمبري على التويتر في أيار/مايوم الماضي يقول إن «ما تنفذه إسرائيل في غزة هو مذبحة وما تفعله في الضفة الغربية هو تطهير عرقي. النكبة هنا كل يوم».
العاملون الفلسطينيون في المجلس، وهناك كثيرون منهم، هم مؤيدو إرهاب و «BDS» مكشوفون. ومؤخرا كشفت «NGO Monitor» بأن موظفا قُبل للعمل في المجلس، وعرض نفسه كمصور صحافي، كان على الإطلاق ضابطا من حماس. وإذا كان ثمة حاجة إلى المزيد من المعطيات التي تفيد إلى أين تهب الريح، فبين الكثير من المنظمات التي يشغلها المجلس النرويجي في البلاد توجد جمعية تسمى «مركز القدس لحقوق الإنسان»، أحد المؤسسين لها ليس سوى الجاسوس عزمي بشارة. ومول الـ NRC90 في المئة من نشاط هذه الجمعية. قل لي من أصدقاؤك أقل لك من أنت.

قصة سياسية

كيف إذن يحاول مجلس اللاجئين النرويجي مهاجمة الجهاز القضائي الإسرائيلي؟ الجواب هو بهدوء. يبقي الـ NRC عمله في الظل وهو يفعل ذلك بنية مقصودة. وتكتب وكالة المساعدات الخارجية للحكومة البريطانية DFID في وثيقة تستعرض العلاقات الواسعة للمجلس النرويجي فتقول: «التعليمات هي أن يكون الـ NRC قادرا على تنفيذ عمله القانوني. وهذا سيكون متعلقا بشكل جزئي بالمحيط السياسي، فضلا عن تحكم الـ «NRC». يتخذ الـ NRC خطوات حذرة، بما في ذلك من خلال سياسة الظهور القليل كي يضمن ألا تكون مهددة مكانته القانونية التي تسمح له بتنفيذ عمله».
فلماذا تهدد مكانت الـ NRC لماذا يتعين عليه أن يتخذ خطوات حذرة وأن يحافظ على ظهور قليل؟ كيف ترتبط بهذا الشأن حكومة بريطانيا وما هي تلك المكانة القانونية التي تسمح له بتنفيذ عمله؟
نبدأ في القضية الأخيرة. يحتفظ الـ «NRC» في إسرائيل وفي السلطة الفلسطينية بأكثر من 100 موظف، قلة منهم من النرويج ودول أجنبية. معظمهم سكان فلسطينيين. وبمقاييس المنظمات غير الحكومية، فالحديث هنا يدور عن قوة عظمى. ولغرض المقارنة، فإن منظمة «يوجد قانون» القديمة والمعروفة لديها 14 موظفا بأجر و 42 متطوعا. والسلام الآن لها 9 موظفين فقط. أما الـ «NRC» فلديها بين 109 و 112. هذا يحصل بينما يعرف الـ «NRC» في البلاد كـ «منظمة رفاه». تأشيرة عشرات من رجاله هي «تأشيرة إنسانية»، تمنحها بشكل عام وزارة الرفاه. ومع هذه التأشيرة يتحرك عشرات من رجالات المجلس النرويجي في أرجاء إسرائيل والسلطة الفلسطينية بدون عراقيل ويفعلون ما يفعلونه. فما الصلة بين تأشيرة الرفاه وبين القتال القضائي الذي يخوضه المجلس النرويجي ضد دولة إسرائيل. يبدو أن هذه هي «مكانة قانونية» حساسة يسعى البريطانيون حسب الوثيقة إلى إبقائها في السر.
مع هذا الظهور القليل، يبدو أن الـ «NRC» يخوض من خلف الكواليس الهجمة القضائية؛ ويوجد على اتصال وثيق مع السلطة الفلسطينية، مع الدول المانحة له وتوجه خطواته مع سلسلة من المنظمات غير الحكومية والمحامين الخاصين. تلك المنظمات وأولئك المحامون، وليس المجلس نفسه هم الذين يرسلون إلى المحاكم أو إلى الجبهة الجماهيرية. يدور الحديث عن نحو عشر منظمات، بينها السلام الآن، يوجد قانون، هموكيد، جمعية سانت ايف وغيرها.
إن العلاقة بين الـ «NRC» والمنظمات العاملة باسمه تتم من خلال عدد من «البرامج الإنسانية للمساعدة القانونية، التي يفعلها. أكبر هذه البرامج القانونية يسمى «ICLA» ومعناه «معلومات، استشارات ومساعدة قانونية». برنامج آخر هو «مجمع حماية الضفة الغربية». نظريا، تستهدف البرامج تقديم المساعدة القانونية للسكان الفلسطينيين عديمي الحيلة. أما عمليا، فيبدو أن الوثائق والأعداد تروي قصة أخرى، قصة سياسية.
في أطار برنامج «ICLA»، ينسق المجلس النرويجي بشكل دقيق نشاطه مع السلطة الفلسطينية، التي هي بالطبع كيان سياسي ذا مصلحة سياسية تناكف إسرائيل على نحو دائم. في خطة العمل للعام 2018 يوصف أحد أهداف الـ «ICLA» كـ «جمع ملفات ذات مصلحة عامة… تتحدى سياسة التمييز غير العادلة لإسرائيل؛ انشغال وضغط في الأمم المتحدة، في الاتحاد الأوروبي وفي دول طرف ثالث».
واقتباس آخر عن العلاقة الوثيقة بين المجلس النرويجي، برنامج «ICLA»والسلطة الفلسطينية. «معا، الـ «ICLA» والسلطة الفلسطينية هما موردات الخدمات القانونية الأكبر في المناطق ج. «ICLA» وشركائه يتلقون التوجهات من السلطة الفلسطينية… الـ NRC يوفر التنسيق والقدرة على بناء الخدمة بهدف تحسين البنى التحتية للتوجه، من أجل التنسيق والتبادل للمعطيات والملفات ذات الصلة».
في أهداف الخطة للعام 2017 أيضا يظهر بند عن «الدعم (القانوني) للسلطة الفلسطينية، سواء على المستوى المحلي أم على المستوى الوطني». صياغات مشابهة تظهر في خطط عمل سابقة. وبالمناسبة، يتبين من الوثائق أن من اختير لإدارة العلاقة بين السلطة الفلسطينية والحكومات والمجلس ليس سوى النشيط اليساري الشهير درور أتكس. فالأوروبيون يثنون على خبراته.
وهذا بالضبط هو الموضوع، إذ ليس فقط مع الفلسطينيين ينسق المجلس النرويجي خطواته بل وأيضا مع الاتحاد الأوروبي، حكومتي بريطانيا والنرويج، اللتين تتبرعان للمجلس، ومع حكومات أخرى في أوروبا. فقد أعلن الاتحاد وهذه الدول مرات لا تحصى في السنوات الأخيرة بأنهم يركزون نشاطهم السياسي في المنطقة ج وفي شرقي القدس. في الخطة الاستراتيجية الأخيرة للاتحاد الأوروبي والسلطة الفلسطينية، من أيار /مايو الماضي، يشدد على الحاجة إلى تركيز الجهد على المناطق ج وعلى القدس في ما لا يقل عن 38 مرة.
وها هو، بشكل مصادف تماما، يبدو أن الـNRC أيضا يحدد نشاطه في هذه المناطق بالضبط. فالمجلس يضع خدماته القانونية تحت تصرف السلطة الفلسطينية والسكان الذين يعيشون في المناطق ج ضد إسرائيل. وبالمقابل فإن من يعيشون في المناطق أ أو ب والمتضررين من المظالم السلطوية من السلطة الفلسطينية، لا يحظون بمرافقة قانونية من المجلس.
يبدو أن سكان غزة أيضا، الذين يدير حياتهم نظام حماس، لا ينالون مرافقة قانونية من المجلس النرويجي، رغم أن للمجلس مكتبا في القطاع. فتجوز الإشارة إلى أن الإسرائيليين المتضررين من الإرهاب الفلسطيني لا ينالون المساعدة النرويجية، وبالطبع فإن ظاهرة رواتب الإرهاب الفلسطينية لم تكن تشكل تحديا أبدا للنرويجيين. فقط البائسون الذين يعانون من طغيان إسرائيل يشملون في الخدمات الاسكندنافية.

إسرائيل اليوم 3/8/2018

استفزاز من النرويج
يقف مجلس اللاجئين خلف معظم الدعم القانوني الذي يقدم للسكان في شرقي القدس
ارئيل كهانا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية