استماتة الغرب في ذاته ولذاته!

حجم الخط
3

لم نفاجأ أبدا ً من الحشد الغربي على « الدولة الإسلامية « في العراق والشام ( داعش ) الإرهابية ، ولم نُدهش من التصريحات التي تأتي من جنرالات الحرب الغربيين فيما يخص باستطالة المدة الزمنية التي تستغرقها الهجمة الدولية .. لكن ما يبعث على التعجب اشتراك بعض  الدول العربية في هذه الحملة ! والمنطقة العربية لم تستفق بعد من  الكارثة التي أحدثتها ( إسرائيل ) في قطاع غزة .
   فالشعوب قامت وانتفضت ونفضت غبار السنين عن كاهلها وهي محقة في بعض المطالب ومخطئة في الإيغال بمطالب مستوردة من الخارج  وهي أخذت أشكالا ً في الساحات العامة والشوارع تنداح كل يوم وتتصدح الأصوات في كل من الشعارات المستعارة والشعارات التي تحاكي طبيعة ومفهمة المجتمع التي هي فيه .
   وعلى هذا الحراك يمكن البناء أكثر، وعلى هذا الخروج الشعبي ، يمكن أن نتصور بعدا أكثر من ذي قبل ، فكل النماذج والأنماط القديمة الشكلانية منها والكامنة ، فهي في اختبار ، لضرورات أصبحت ملحة ومستعجلة مجترحة أحيانا ً وطبيعية منساقة باتساق نسقي أحيانا أخرى ، والمشكلة تبقى في الشعوب التي خرجت ، والتي تريد لها أن تكون في مقدمة التغيير الذي يلامس مختلف مناحي الحياة. وهي بالتالي لا تستطيع النظر إلى الوراء .
   وإذا ما تصورنا قوالب بحجم الحراك ، فهي تسير في طريق نسقي للمراد تنفيذه في المرحلة المقبلة القابلة دائما لنسف كل ما اتفق عليه في الماضي ، ومن هذه الطبيعة التي لا يمكن فصلها عن طبيعة المجتمع وتقاليده ، فإن قول الفصل في النقطة هو الإنسان باعتباره الأداة الفاعلة والوحيدة في هذا التغيير ، فالغرب لا يريد بكل المقاييس هذا “الحراك ” بل على العكس يفضل في هذه المرحلة الحرجة تأخير التطور والتطلع إلى الأفضل ، فهو في تعقيدات الاستمرار بالرفاهية والحياة الميسرة ، فبدت تظهر للسطح بعض المشكلات والأزمات التي تهدد القارة العجوز بالأمس رأينا الكثيرين من الأوروبيين في مختلف البلدان متظاهرين ضد بعض أشكال التقييد ، ومنها على التحديد التقشف والخطط التي تسير وراءه ، هذا لم يأت من فراغ ، بل هناك ما يعطي مؤشر قوي ومبرر بنفس الوقت للغرب الذي يرى في «الحراك العربي» المرعى الأكبر لهم لكي يلتهموا ما تبقى ، ويحافظوا على الميزات التي ابتدعت وانتقلت بفعل فاعل من المشرق العربي وشمال أفريقيا إليهم .
   في مطلع القرن الخامس عشر ، وإلى نهاية القرن الثامن عشر ، ساد في الغرب ما يسمى ” الميركانتيلية ” وهي عبارة عن مذهب تجاري أسس للحفاظ على هيبة القارة الشائخة آنذاك فجعلوا «الذهب والفضة» أساس القوة الاقتصادية فوضعوا لها القوانين والاتفاقات والمعاهدات لكي تفي بالغرض وفرضوا على الواردات مقيدات شبه مستحيلة ، ورفعوا من وتيرة الصادرات والحفاظ بذلك على الميزان التجاري ومع ذلك لم يمنع بعض الدول الغربية مثل بريطانيا وفرنسا وايطاليا بالاختصار من هذا الوضع ، بل ذهبوا إلى الغزو ومصادرة حقوق الآخرين حتى ينعم المواطن بالخير والسعادة !
   اليوم وبعد مرور أكثر من ثلاثة قرون . الزمن يعيد نفسه ، فهاهم الآن يتقاسمون ( الكعكة العربية ) ، فهم مستعجلون ، حول القسمة الأكبر ، فأمريكا تريد الظفر بالحصة الأكبر بعد التغيير الدراماتيكي السريع في مواقفها وتنصلها من الضمانات التي قطعتها بعدم العودة للمنطقة . وأوروبا تريد قسما يساوي القسم الأمريكي باعتبارها ندا ً لأمريكا ، وفرنسا العضو الفاعل في حلف النيتو ، والفعال في أفريقيا ، لأن الرئيس الفرنسي يظهر  وكأنه « قائد» لأوروبا لضرورات السياسة الاستعمارية الجديدة والكولونيالية البراغماتية على الطريقة الشايلوكية التي تقول: «لا شيء مقابل لا شيء» .  
هذه هي العقلية الأوروبية ، وهذه هي السادية المتغطرسة ، المستندة على الهيمنة والإلغائية للآخر أما الآخر متأخر كثيرا ً ، فهو تائه بالبحث عن أسباب التأخر وعدم الرضا الذي يبعث على الجنوح والتطرف الفكري ، والولوج إلى عالم الميتافيزيقا المشوهة ..  وخيبات الأمل والسقطات عند الآخر تبين له بأن الغرب المنتفع والمتطلع للعودة إلى زمان التقسيم السايكس بيكو هو كل أسباب هذا التأخر والقنوط ، ومن هذه اللحظة والوقفة عند هذه الأسباب والحقائق ، يمكن البناء والتطلع وإثبات الذات العربية مقابل الذات الغربية التي تعمل حتى لا تقع تحت تأثير مقولة الانثربولوجي سيرج لاتوش : «موت الغرب لذاته ، هي نهاية الغرب في ذاته « .
 محمدعياش ـ كاتب وباحث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية