استمرار التعاون الأمني وتحجيم الدور الإقليمي مع زيادة الدعم لمنظمات المجتمع المدني لمواجهة «عسكرة الدولة والاقتصاد»

لندن – «القدس العربي»: كشفت تقارير بحثية أن الولايات المتحدة بصدد إعادة صياغة استراتيجيتها تجاه مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد أن عانت العلاقات القديمة بين البلدين إنتكاسات غير مسبوقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وبالرغم من قيام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بزيارة للقاهرة الشهر الماضي التقى خلالها السيسي، تزامنت مع قيام واشنطن بتعيين سفير جديد في القاهرة ما أعتبر إعترافا كاملا بالنظام الجديد، إلا ان الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يوجه الدعوة إلى السيسي لزيارة واشنطن عندما هاتفه لتهنئته بفوزه بالرئاسة. كما غاب وزير الخارجية المصري الجديد سامح فهمي عن إجتماع عقده كيري مع وزراء خارجية السعودية والأردن والإمارات في باريس الأسبوع الماضي لبحث أزمة العراق، ما يشير إلى أن تعقيدات ما زالت تحكم علاقات واشنطن مع بلد طالما كان أحد أبرز حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة.
ومن بين هذه التعقيدات ما واجهه أوباما من إنتقادات منذ قرر بشكل إستثنائي استمرار المساعدات جزئيا لمصر بعد عزل الرئيس محمد مرسي، وهو ما أعتبره كثيرون في الكونغرس وغيره إنتهاكا للقيم الأمريكية التي تقضي بالإنحياز إلى الرئيس المنتخب بغض النظر عن إنخفاض شعبيته، أو حتى إذا «فشل في ان يكون رئيسا لكل المصريين» كما أعلن الرئيس الأمريكي في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ايلول/سبتمبر الماضي.
وأدى فشل أوباما في اعتماد سياسة متماسكة تجاه التحولات السريعة في مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى تآكل غير مسبوق في مصداقية الولايات المتحدة إقليميا، ما شجع بعض أقرب حلفائها وخاصة دول الخليج على البحث عن بدائل جديدة للحفاظ على أمنها القومي، بعد أن أعتمدت بشكل كامل على «شبكة الأمان» الأمريكية لنحو ربع قرن. وفشلت زيارة قام بها أوباما إلى السعودية في منعها من السعي إلى فتح قنوات مباشرة مع طهران، أو البحث في إقامة نظام أمني من خلال منظومة خليجية جديدة بمشاركة مصر. وتقوم الاستراتيجة الأمريكية الجديدة على تحقيق توازن في العلاقات مع نظام السيسي الذي تعتبر أنه يبعث الملامح السلطوية لنظام مبارك، ويسعى إلى عسكرة الدولة بعد إقصاء معارضيه من بعض الإسلاميين والعلمانيين على السواء من جهة، وبين المجتمع المدني من جهة أخرى، سعيا إلى تحقيق مساحة من التوافق السياسي الذي يخدم مصالحها على المدى البعيد، وذلك عبر سياسات وإجراءات محددة من بينها:
أولا- قصر الدعم الأمريكي للنظام على تمكينه من مكافحة الإرهاب، والحفاظ على معاهدة السلام مع اسرائيل، ما قد يعني إعادة بحث سبل إنفاق المساعدات العسكرية لأن تصب في هذا الاتجاه، والا تستخدم في دعم حصة المؤسسة العسكرية من الاقتصاد القومي. وتحرص السياسة الجديدة على إبقاء مسافة من التحفظ مع النظام الجديد ادراكا منها أنه لا يحظى بدعم قسم مهم من المصريين الذين امتنعوا عن إنتخابه سواء بالمقاطعة أو ابطال الصوت، بل ان شعبيته لا تزيد كثيرا عن شعبية مرسي في بداية حكمه، وان كثيرا من هؤلاء قد يطورون موقفهم إلى مقاومة شعبية إذا فشل في تحقيق حد أدنى من التقدم الأمني والاقتصادي.
ثانيا- الضغط على حلفاء واشنطن من دول الخليج لتوجيه المساعدات الاقتصادية المخصصة لمصر إلى برامج أو مشروعات خدمية وإنمائية تساعد الشعب مباشرة، بدلا من توجيهها إلى البرامج الحكومية التي تعزز التوجه إلى فرض رؤية مركزية للمستقبل، وتفادي المشروعات الاقتصادية التي تكرس هيمنة المؤسسة العسكرية، مثل مشروع شركة «ارابتيك» الإماراتية لإقامة مليون وحدة سكنية في مصر خلال خمس سنوات، ضمن إتفاق وقع عليه السيسي كوزير للدفاع قبيل استقالته لخوض الانتخابات الرئاسية، في تهميش لدور الحكومة.
ثالثا- العمل مع الاتحاد الأوروبي لربط أي مساعدات اقتصادية لمصر بمدى التقدم في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، وقد وجدت هذه السياسة طريقها إلى التطبيق بالفعل عندما أعلن الإتحاد الأوروبي تعليق بحث تطبيق برنامج شامل لدعم الاقتصاد المصري ردا على أحكام قضائية الشهر الماضي باعدام عدد من أنصارالإخوان وسجن صحافيين.
رابعا – زيادة الدعم الأمريكي المباشر إلى منظمات المجتمع المدني التي تتعرض إلى حملات إعلامية واجراءات أمنية، مع إطلاق برامج جديدة للمنح الدراسية تسمح بايفاد عدد كبير من الباحثين الشباب المصريين للحصول على درجات علمية في الولايات المتحدة، وخاصة في المجالات الحقوقية والسياسية سعيا إلى تقوية المجتمع المدني ومساعدته على إستعادة وجوده ونشاطه الذي لعب دورا حاسما في إندلاع ثورة كانون الثاني/ يناير عام 2011 والتي عبرت عن كسبها شعبية للتحول الديمقراطي.
خامسا – تشجيع النظام المصري الجديد على تقوية التعاون الأمني مع اسرائيل، لكن مع الدفع باتجاه تحجيم دور مصر الإقليمي عبر العمل المباشر مع حلفاء واشنطن وخاصة في دول الخليج، وهو ما بدا واضحا في عدم دعوة وزير الخارجية المصري إلى اجتماع باريس لبحث الأزمة العراقية بالرغم من أن مصر كانت عضوا لسنوات في اجتماعات تجمع «دول جوار العراق». ويبدو ان الإدارة الأمريكية التي تدرك ما تعرضت له صورتها من ضرر إقليمي، تشعر بقلق خاص من إشارات السيسي المتكررة إلى إستعادة الزعامة المصرية للمنطقة كما كان الحال في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان آخرها في خطابه أمام الكلية الحربية عندما قال «ان المنطقة بأكملها أمانة في أعناقنا» وهو نموذج تشجعه الماكينة الإعلامية المصرية، ويلقى هوى في بعض الأوساط الشعبية داخل مصر وبعض البلاد العربية.
اما بالنسبة للنظام الجديد في مصر، وعلى الرغم من أن العلاقة مع الولايات المتحدة تبقى أساسية خاصة في شقيها العسكري والأمني، إلا أن المؤسسة الأمنية التي تتولى حصريا إدارة هذا الملف الحيوي، أصبحت تتعامل بشكل متصاعد بكثير من «اللامبالاة» في مواجهة التهديدات الأمريكية التي لا يمل جون كيري من تكرارها بشأن المساعدات أثناء زياراته للقاهرة، حتى انه في اجتماعه الأخير مع شخصيات حقوقية وسياسية اختارتها الحكومة، ويفترض ان يكونوا «رموز المجتمع المدني» في مصر، سمع ان تلك التهديدات «تزيد الطين بلة، وتعمق الشكوك في صدقية الولايات المتحدة، وان السبيل الوحيد أمام واشنطن لاستعادة مكانتها هو باصلاح علاقتها مع الحكومة المصرية».
ويستند هذا الموقف المصري «غير التقليدي في علاقات تقليدية» إلى «شبكة أمان» من الضمانات السعودية والإماراتية بالأساس بتعويض أي انخفاض في قيمة المساعدات الأمريكية التي لا تزيد مليار ونصف مليار دولار (بشقيها العسكري والاقتصادي)، وهو ما يمثل أقل من واحد في المئة من إجمالي الناتج القومي المصري. كما يستند إلى تقديرات المؤسسة الأمنية بشأن الأهمية الاستراتيجية لنجاح مصر في مكافحة الارهاب بالنسبة للحفاظ على مصالح واشنطن الاستراتيجية والأمن الاقليمي، وفي مقدمته بالطبع أمن اسرائيل التي طالبت علنا بدعم الحكومة المصرية في هذا الصدد.
وهكذا يمكن إستنتاج أن الاستراتيجية الأمريكية ربما تحمل بين طياتها أسباب فشلها، وتحتاج إلى مراجعة كاملة قد لا تكون ممكنة في عهد إدارة أوباما التي قد لا تملك الوقت أو القدرة على ذلك، ما ينذر باستمرار تراجع النفوذ الإقليمي الأمريكي الذي كانت القاهرة ركيزته الأساسية منذ منتصف السبعينيات، لينفتح الباب في المستقبل المنظور أمام مرحلة من الفوضى وفراغ القوى قد تنتهي إلى نظام أو «لا نظام إقليمي» جدي يصعب التنبؤ بملامحه..

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية