القاهرة ـ «القدس العربي»: قبل اختطافه بيوم واحد، كان الدكتور حازم حسني الناطق بلسان الفريق سامي عنان يجلس معه في مكتبه.. نظر إليه الأخير بابتسامة خبيثة وقال له، إنه يعلم ماذا يقلقني مما يدور في رأسي، ثم أردف قائلاً: سترى أمامك مقاتلاً لا يلين.. يبدو أنه كان يرى الآتي.. أكاد أرى هذا المقاتل الذي وعدني به حتى بعد أن اختفى قسرياً.
في ما يتماهى مع الحالة المصريه قول عبد الله عكاش عن سوريا: أمشي على ورق الخريطة خائفا… فعلى الخريطة كلنا أغراب. أما الدكتور محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية السابق، فوصف الانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر بأنها أصبحت «مسخ» قائلا: «من الأكرم أن لا نتمسح في طقوس الديمقراطية ونحولها إلى مسخ، طالما لا نفهم معناها ولا نؤمن بها كنظام حكم». وتابع: «استئجار دوبلير لمحاولة إقناع الجمهور بأنهم يشاركون في مشهد ديمقراطي سيؤدي فقط إلى المزيد من السخرية من الأداء والإخراج، سواء داخل صالة العرض أو خارجها». وقال: «الصدق أفضل للجميع». بينما سألت مي عزام يا ريت كل إعلامي عنده بقية ضمير يفسر لنا لماذا كان هناك 23 مرشحا في 2012، تم قبول 13 منهم استوفوا شروط الترشح، وفي 2018 عندنا مرشح واحد؟ جمال سلطان قال «وهكذا تنتقل مصر من مرحلة الدولة الفاشلة… إلى مرحلة الدولة المنتهية الصلاحية». فيما صرخ محمد سعد عبد اللطيف الكاتب في «الشروق»: «الزملاء «الشماشرجية».. لو نزل ملاك من السماء، وقرر الترشح في الانتخابات الرئاسية لينافس الرئيس المفوض، لن تترددوا في «هبشه» واتهامه بأنه «خمورجي وإخوان وبتاع نسوان».. وتستخفوا دمكم الماسخ وتفتحوا عليه باكابورت القلش الرخيص حتى يقرر الانسحاب والصعود مرة أخرى إلى السماء، كلامكم وتعليقاتكم مفضوحة.. جاتكم القرف».
وقد جاءت الصحف المصرية الصادرة أمس الجمعة 26 يناير/كانون الثاني لتكشف حالة القلق التي تعيشها الغالبية الصامتة والمشغولة بمعركة الخبز حتى إشعار آخر، فيما يؤكد لها الرئيس الذي يسعى للحصول على ولاية ثانية أن مزيدا من المعاناة من المقرر أن تخوضه تلك الغالبية خلال المرحلة المقبلة. واهتمت الصحف البعيدة عن قبضة السلطة في الاهتمام بقضية رئيس الأركان سامي عنان المختفي في جهة لاعلم لأسرته بها، وقد حمّل نجل المرشح الرئاسي الرئيس السيسي مسؤولية أي أذى يتعرض له والده، مطالباً بضرورة الإفراج عنه والسماح له بالمضي قدماً في الترشح لمنصب الرئاسة. فيما واصلت الصحف القومية حملات تشويهها للفريق عنان والإخوان وسائر قوى المعارضة وإلى التفاصيل:
المجهول يبتلع الحلم
«المعلوم في محاولة ترشح الفريقين أحمد شفيق ثم سامي عنان، كما يؤكد عبد العظيم حماد في «الشروق»، هو أن الدستور والقانون يسمحان، وأن القوى المدنية ليست راضية بإقصائها من المشاركة السياسية، والتأسيس لاحتكار سلطوى جديد، ولكن التيار الرشيد فيها يسلّم بحتمية دور مهم، وممتد لبعض الوقت للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، على أساس صيغة متفق عليها من المشاركة الجادة والمنضبطة. كذلك كان من المعلوم أن هذا التيار يسلم بحقيقة تاريخية مفادها، أن الدولة المصرية لم يحكمها قط أحد من خارج جهازها العتيد، وإلا لفظته، كما حدث للتجربة البائسة لجماعة الإخوان المسلمين. انطبقت حسابات أو شروط «المعلوم» هذه على كل من شفيق وعنان، لكن المجهول كان أكثر وأقوى كما قلنا، ونستطيع أن نلخص هذا المجهول في عناوين عريضة هي: قوة التصميم لدى السلطة على إحباط أي مسعى للمنافسة، وقوة التفاف الدولة العميقة حول هذه السلطة، وقوة التأييد الإقليمي والدولي المؤثر للرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى جانب عدم اقتناع بقية القوى المدنية بحسابات أو رهانات ذلك التيار، الذي وصفناه بأنه رشيد، يستوي في ذلك مؤيدو السيسي، وبعض معارضيه من الحالمين والواقعيين، وكثير من أصحاب الأيديولوجيات سابقة التجهيز، وهؤلاء جميعا إما ضد رموز نظام حسني مبارك، وإما ضد التحالف مرة أخرى مع الدولة العميقة، وإما غير قادرين على استيعاب حتمية الإصلاح التدريجي. ثم أن ما بدا من ترحيب أنصار جماعة الإخوان المسلمين بمنافسة أي من شفيق أو عنان للسيسي جدد المخاوف لدى قطاعات واسعة من الرأي العام والقوى السياسية والدولة العميقة، من عودة الجماعة من الأبواب الخلفية، وهي مخاوف لم يكن حجمها الكبير ونطاقها الواسع في الحسبان، حتى مع الاعتراف بوجود مبالغات دعائية. من المفترض إذن، وما دام المجهول كان وسيظل أكثر من المعلوم في مثل هذه التجارب، أن يكون الرهان على عنان بعد شفيق هو آخر الرهانات على تغيير معادلة الحكم والسياسة من الأعلى».
السيارة ترجع إلى الخلف
«لا حديث يعلو على الانتخابات المرتقبة، وبدوره شبّه جمال سلطان في «المصريون» ما يجري بمثل قائد السيارة عندما يتعامل مع موقف مفاجئ أمامه في الطريق، بعصبية وتهور ممزوجين بالاستهتار وغرور السيطرة، فيلوي مقود السيارة بشدة ليهرب من الموقف، فيفاجأ بالسيارة تتجه إلى صدام أخطر على الجانب المقابل، فيعود ليلوي المقود بعصبية أشد للاتجاه الآخر فيجد أن السيارة توشك على صدام أسوأ، وهكذا ينتهي الفعل العصبي ورد الفعل عليه إلى أن تفلت السيارة من سيطرته. قريب من هذا ما نحن فيه الآن في أجواء الانتخابات الرئاسية، حيث تم التعامل بعصبية شديدة مع التحدي المفاجئ بإعلان شخصيات «ثقيلة» نية ترشحها، بما يمكن أن تضفي على العملية الانتخابية نوعا من الشرعية والقوة والثقة، فتم إبعاد تلك الشخصيات بشكل متوال، بصورة أو أخرى، حتى فوجئ أصحاب القرار بأنهم هربوا من حفرة فوقعوا في أسوأ منها، لأنه لم يعد هناك مرشح الآن أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو الوحيد الذي تقدم بأوراقه إلى الهيئة الوطنية للانتخابات، ولم يبق سوى ثلاثة أيام على غلق الباب، وإذا استمر هذا الوضع فلا توجد انتخابات سياسية، وستجد «الدولة» المصرية نفسها أمام ورطة حقيقية، وأمام سؤال أكثر خطورة عن الشرعية السياسية لها في تلك الظروف. الإجراءات الشكلية تسمح بمنح الفوز للمرشح الوحيد إذا حضر 5٪ من الناخبين، ولكن السياسة ليست مجرد إجراءات والشرعية ليست مجرد ديكورات».
مددوها من فضلكم
«هل يمكن للجنة الوطنية للانتخابات أن تمدد فترة تقديم أوراق الترشح أسبوعاً؟ الطلب يفصح عنه عماد الدين أديب في «الوطن»، مؤكداً على أن قواعد اللجنة هي مواد مقدسة، لأنها في النهاية تعمل من أجل إجراء انتخابات تنافسية حرة ونزيهة. وقد سبق أن قامت هذه اللجنة بتغيير بعض القواعد، آخرها تمديد مدة الاقتراع في انتخابات الرئاسة عام 2014 يوماً إضافياً. إذن، المبدأ موجود، والسوابق تشهد على ذلك، إذن تعالوا نسأل لماذا نطالب بالتمديد؟ بعد المخالفة القانونية التي جاءت في بيان القيادة العامة للقوات المسلحة حول ترشح الفريق مستدعى سامي عنان، وبعد إعلان المرشح المحتمل خالد علي انسحابه من معركة الرئاسة، تبدو المعركة الرئاسية أقرب إلى استفتاء منها انتخابات، خاصة أنه لم يتقدم بالأوراق سوى الرئيس. وشعبية الرئيس عبدالفتاح السيسي وإنجازاته كفيلة بأن تضمن له الفوز في أي انتخابات تجرى غداً، أمام أي مرشح تنطبق عليه شروط الترشح. لذلك، لا خوف على المرشح عبدالفتاح السيسي، ولكن الخوف على التجربة السياسية التي يقف أعداء لها في الداخل والخارج يسعون إلى نزع الشرعية عنها، ويشككون في مدى توافقها مع التجارب السياسية الديمقراطية في زمن ظهر فيه بقوة ضعف النخبة السياسية المصرية، في إفراز برامج ومرشحين لها. لم نكن نريد مسرحية انتخابات ـ لا سمح الله ـ ولا انتخابات شكلية، بل كنا نحلم بأن تكون انتخابات حقيقية تنافسية بين أفكار وبرامج ورؤى مختلفة كلها تصب في مصلحة الوطن والمواطن. إن مصر وشعبها ورئيسها الحالي يستحقون معركة انتخابية حقيقية وتنافسية، وإن التمديد قد يشجع قوى كانت مترددة في طرح نفسها، وقد يأتي بمرشح حقيقي في الساعات الأخيرة».
السيسي وترامب لا يختلفان
«لم يخرج أي تعليق رسمي من الإدارة الأمريكية حول الأحداث المتسارعة في القاهرة بخصوص الانتخابات الرئاسية سوى كلمات تقليدية غير مهمة، على حد رأي محمد المنشاوي في «الشروق»، جاءت على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية هيذر ناورت «نتابع الوضع في مصر عن كثب ونحن على اطلاع على القبض على سامي عنان ونتابع التقارير بشأن ذلك». ثم تابعت قائلة «نؤيد عملية انتخابية ذات مصداقية في وقتها في مصر، ونعتقد أن الانتخابات تتضمن منح الفرصة للمواطنين للمشاركة بحرية في الانتخابات». كلام تقليدي بيروقراطي خلاصته أنه شأن مصري خالص. ويمكن تفهم ذلك الموقف التقليدي من تصريحات خرجت قبل أيام أثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس للقاهرة، التي جاء فيها «أن التعاون بين الولايات المتحدة ومصر لم يكن أبدا أفضل حالا على ما هو عليه اليوم». نعم قد تبدو الولايات المتحدة من بعيد بالنسبة للكثيرين كقوة فاعلة مهمة في التأثير على شكل ومستقبل الحكم في مصر، إلا أن الواقع اليوم، كما كان الواقع خلال آخر عمليتين انتخابيتين رئاسيتين، تلك التي أتت بمحمد مرسي والأخرى التي أتت بعبدالفتاح السيسي، تُظهر أن واشنطن لا تملك أي كروت حقيقية للتأثير في هذه الانتخابات، أو في هوية المرشحين فيها. وتجمع علاقات ممتازة بين الرئيس السيسي وإدارة دونالد ترامب. من هنا لم تكترث واشنطن كثيرا برد الفعل المصري المهادن لقرار نقل السفارة الأمريكية للقدس، بل استقبل السيسى ورحب بنائب ترامب الذي يعد من أكثر حلفاء إسرائيل في التاريخ الأمريكي نظرا لتطرفه الديني».
وماذا بعد؟
بعد الخروج الدرامي لشفيق وعنان وخالد علي من السباق، نستطيع أن نقول للرئيس السيسي: مبروك عليك الرئاسة يا ريس! ولن تؤثر في النتيجة، تلك الثرثرة عن المادة 36 من الدستور، وضرورة أن يفوز بـ5٪ من الأصوات، حال ترشح السيسي «وحده» بدون منافسين.. فهي نسبة تعتبر «تسالي» و»أزأزة لب»، كما يرى محمود سلطان في «المصريون» إذا قُورنت بالأفلام الهوليوودية التي نراها الآن! الرئيس «خلاص» بات رئيسًا. أما الانتخابات فهي «حفل عائلي» لإشهار الزواج، الذي عُقد في الغرف السرية، وفوهات البنادق على رؤوس «عشاق» بهية الحقيقيين. أتذكر الآن الرئيس، وهو يقول في مؤتمر «حكاية وطن»: مصر غالية عليّ قوي.. وهو يعيدها ويكررها بطريقة مؤثرة وتثير الشجن! وقد أخذني العجب كل مأخذ: كيف يجتمع «الوطن الغالي».. مع «الإساءة» لذات الوطن أمام العالم، بتلك المسرحيات الهزلية، والمشاهد الكاريكاتيرية التي ترجع إلى عصور ما قبل القرون الوسطى، وأسطول السيارات ينقل توكيلات المؤيدين له بمئات من الصناديق، ما إن مفاتحها لتنوء بالعصبة أُولي القوة؟
أفلام «الأكشن» التي بدأت بشفيق، وانتهت برجل المؤسسة العسكرية القوي عنان، وغلق المجال العام بالضبة والمفتاح، وإطفاء كل الأنوار ما عدا عمود إنارة وحيدًا.. سيجعل من مقولة «مصر الغالية قوي على الرئيس» محل تساؤلات مشروعة. وإذا كانت مصر كما قال «غالية قوي عليه» فإن السيسي ـ والحال كذلك وكما نرى رأي العين ـ سيكون هو «الأغلى» على السيسي! وعندما لا نرى أبعد من موضع أقدامنا، فإن كثيرًا من الأسئلة القابضة على ناصية المستقبل القريب والبعيد، تكون قد تاهت في زحام نشوة «النصر السهل» في انتخابات صورية: هل تستطيع شرعية مخلقة داخل حضانات الأجهزة، الحفاظ في الداخل على وحدة بلد منقسم ومشطور فعليًا أفقيًا؟ وهل تستطيع التماسك أمام ابتزازات إقليمية ودولية متوقعة وتنتظر فقط إعلان النتائج رسميًا؟ هل تأمن مفاجآت الغضب الجماعي والموحد وتأثيره على عمر البقاء الدستوري في السلطة؟ أنا الآن لا تعنيني نتيجة الانتخابات فهي محسومة، وأيًا كانت العقبات الدستورية، فإن الترزية جاهزون وتحت الطلب.. ما يفزعني هي أن منطق الأشياء والسُنن الكونية والاجتماعية تشير إلى أن مصر على موعد مع حدث سياسي كبير، وأن وقته ربما لا يكون بعيدًا، أما هوية هذا الحدث ونوعه وخطورته، فإنه ليس بوسع أحد أن يقدم لنا صورة مقربة لمآلاته.. أما ما يفزع فهو أن فاتورته ستكون مفتوحة على حسابات ربما تكون قد نفد رصيدها».
كل الاحتمالات واردة
هشام قاسم المفكر والحقوقي البارز أكد أن الوضع يشهد أزمة بشأن الانتخابات، مشيراً إلى أن الحملة الدعائية للسيسي بدأت منذ عدة شهور، وبالمخالفة لقانون الانتخابات، بعضها بواسطة أهالي من نوعية علشان تبنيها، وصولا للمؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام تحت اسم حكاية وطن، بدون الإفصاح عن من تحمل تكلفته، وغطته كافة وسائل الإعلام تقريبا، والتي تمتنع عن إذاعة أي نشاط أو بيانات لباقي المرشحين. وأكد العضو المنتدب في «المصري اليوم» أن فرصة إجراء انتخابات تلتزم أجهزة الدولة فيها بإجراءات الحياد تتضاءل كلما اقترب الموعد، وعلى دائرة صنع القرار التي ضاقت حتى أصبحت مقتصرة على عبدالفتاح السيسي وعباس كامل، أن تدرك أنه في الانتخابات الرئاسية الماضية التي جاءت بالسيسي رئيسا، اصطف خمسة وعشرون مليونا وخمسمئة وثمانية وسبعون ألفا ومئتان وثلاثة وعشرون مواطنا في طوابير الانتخابات، بحسب لجنة الانتخابات الرئاسية، لأنهم قرروا المشاركة في رسم مستقبل هذا الوطن، واتخذوا صندوق الانتخاب سبيلا، هؤلاء ليسوا إخوانا أو عملاء أمريكا أو أهل الشر، أو بتوع فذلكة سياسية، لكنهم مواطنون عادوا بعد الإدلاء بأصواتهم إلى أعمالهم وأسرهم ليمارسوا حياة عادية، وهم الوجه الأصيل والحقيقة الوحيدة عن ثورة 25 يناير/كانون الثاني، التي لم يذهب قبلها عشر هذا الرقم للصندوق، والعبث بالانتخابات، سوف يمثل طعنة غادرة لهم، وازدراء لإرادتهم في المشاركة، وسيدخل البلد في نفق مظلم، ومرة أخرى سندفع جميعا ثمن استبداد قلة من الفشلة واستهانتهم بمسار التاريخ».
يناير المفترى عليها
«من أي زاوية يمكن ـ الآن ـ تقييم ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، تتابع سحر جعارة في «المصري اليوم»، من زاوية يهيمن عليها رجال مبارك ويتصدرون المشهد؟ أم من زاوية أنها خطيئة سياسية يجب التكفير عنها بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه؟ هل يعيد التاريخ نفسه ويعيد إنتاج قوى الفساد والاستبداد، وتكريس بقاء «النخبة الفاسدة» وشلل «الإعلام المضلل» وكتائب «النضال الإلكتروني» على تويتر وفيسبوك؟ أم أن الشعب قرر أن يصحح أخطاءه، في مناخ مختلف تماما يؤمن بأن من لا يملك قوت يومه لا يملك حريته، وأن الإرهاب قد صادر المزايدات السياسية، وجعل «الشعب» هو أقوى حزب سياسي يتحكم في الشارع وفي صندوق الانتخابات.. ويحول معركة الحرية إلى معركة تنمية؟ كنت وما زلت ضد مشروع «التوريث»، لم أتصور ـ آنذاك ـ أن الوريث الشرعي لمبارك كان يتربص بمصر من تحت الأرض، وخرجت جماعة الإخوان لترث الحكم.. لم نكن نعرف ساعتها من يقود الثورة، ولا حددت قيادات التحرير البدائل للنظام الذي أطاحت به.. لقد تحول التحرير إلى بئر ممتلئة بالتمويل من أوروبا وأمريكا وقطر.. ودنست الدولارات من كنا نراهم بعيون رومانسية: عنوان النقاء الثوري! معظم من شارك في 25 يناير لم يسأل: وماذا بعد مبارك؟ ولم يعرف حتى الآن من الذي قتل «الشهداء»؟ من زوّر الانتخابات الرئاسية لصالح المعزول مرسي.. ومَن الذي سلّم البلد للإخوان؟ كنا ولا نزال عاجزين عن حل ألغاز 25 يناير/كانون الثاني هل كانت ثورة أم مؤامرة انزلقنا إليها بدون حذر؟ أم كانت انقلاباً ناعماً ضد مشروع التوريث؟ هل كانت فعلا خطة اللواء عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية السابق، هي تسليم «الإخوان» للشعب؟ أم أن الانفلات الأمني واقتحام السجون وتسلل التنظيمات الإرهابية لمصر أطاح بكل الخطط؟».
الشرطة أولى بالاحتفال
الرافضون لثورة يناير يشددون على أن الأجدر في ذلك اليوم الذي اندلعت فيه الأحداث قبل سبعة أعوام أن يكون للاحتفال بعيد الشرطة وهو ما يصر عليه درندراوي الهواري في «اليوم السابع»: «يوم 25 يناير/كانون الثاني هو عيد للشرطة، سجل فيها رجال الداخلية، ملحمة بطولية، ضد جيش الاحتلال، دفاعا عن الأرض والعرض والمقدسات، ولا يمكن أن نؤرخ لحراك 25 يناير، باعتباره ثورة، تزاحم الملحمة البطولية لرجال الشرطة. أعلم أننا نعيش زمن خلط أنساب المفاهيم، وانتهاك صارخ وخشن لشرف الحكمة، فأصبح يتساوى من سطروا وقادوا ملحمة بطولية للدفاع عن الوطن، بجماعات إرهابية وفوضوية وخونة وعبدة اليورو والدولار، الذين دمروا الوطن، واستباحوا عرضه وشرفه، وأعطوا الفرصة لكل أعداء البلاد للنهش في جسدها، وتدمير وتخريب مؤسساتها ومنشآتها العامة. من هنا، فإن يوم 25 يناير هو عيد منفرد للشرطة، وإذا أردتم تحت ضغوط الخوف، أن تجعلوا عيدا لثورة يناير، فليكن يوم الجمعة 28 يناير، وليس 25 يناير، على الأقل يتذكر الناس حجم الخراب والدمار وحالة الرعب الذي سكن قلوب ملايين المصريين، وحرق وقتل وسلب ونهب، منظم للممتلكات العامة، والخاصة، في ذاك اليوم، ولا يمكن أن نشوه يوم 25 يناير من كل عام، باعتباره «جاكيت دبل فيس» أو بالعربي بوجهين».
تشويه متعمد
لا يريد فاروق جويدة أن يدخل في سجال في «الأهرام» مع أحد حول ثورة 25 يناير/كانون الثاني، لأن ما لحق بها من محاولات التشويه والتهميش والإدانة يكفي لإسقاطها تماما من الذاكرة المصرية: «ليس لديّ استعداد أن أمحو من ذاكرتي تلك الأيام العظيمة التي أعادت الروح لهذا الشعب، بعد أن ظن الكثيرون أنه دخل في غيبوبة استسلام طال مداها.. ولن أنسى صور شهداء هذه الثورة وتلك الورود التي تفتحت ذات يوم في حدائق مصر.. لم يكن لنا رصيد كبير من الذكريات الطيبة طوال عصور سبقت، ولكنني أعتقد أن ذكريات يناير سوف تبقى من الصفحات المضيئة في ذاكرة المصريين.. اختلفوا حولها كثيرا، هناك من رأى أنها مؤامرة عالمية، وهناك من قال نحن أمام شباب بريء وقع فريسة خدعة كبرى، وهناك من جمع صورا لشهدائها ووضعها في ألبوم ذكرياته، حتى إن شوهتها أشباح النسيان والجحود. لم أستطع أن أتراجع لحظة عن كل ما كتبت حول ثورة يناير نثرا وشعرا، وأنا أحيي شبابها وهم يزرعون في ميدان التحرير أشجار زمان مقبل أكثر إنسانية وحرية وكرامة وعدالة. لا أدري لماذا اختلطت يومها في نظري صورة ميدان التحرير مع صورة شبابنا في جامعة القاهرة عام 1968 حين انتفض جيل عبد الناصر رافضا الهزيمة، ولحظة انكسار شوهت كل شيء أمام هذا الشباب الواعد لم يقل أحد يومها أن هؤلاء الشباب كانوا عملاء أو خونة، بل إن العشرات منهم تصدروا الصفوف بعد ذلك، وشهدت مصر يومها حوارا واسعا حول خطايا الهزيمة وانتصارات المستقبل. تمنيت يوما لو أننا تعاملنا مع ثورة يناير/كانون الثاني وشبابها كما تعاملنا مع مظاهرات 68 بالعدل والحكمة والإنصاف. هناك أشياء كثيرة غامضة حول ثورة 25 يناير، وأنا على يقين أن غروب الشمس لا يعنى أبدا رحيل الضوء».
الفساد يحتاج عزيمة
نتحول للحرب على الفساد حيث ترى مي عزام في «المصري اليوم»: «أن الفساد ليس حكرا على أفراد. هناك مجتمعات مشجعة على الفساد، بتسامحها مع الفاسدين، بل أحيانا تشارك في صناعتهم. أي مسؤول، لو استمر لفترة طويلة في مكانه سيشعر بالاستقرار والطمأنينة، ثم بثقة تتحول لغرور وتضخم الذات، تغذيها البطانة الفاسدة المنافقة التي تلتف حوله، وسينتهي الحال إلى أن يصدق أنه صاحب الفضل في نجاح المكان، وأن وجوده أساس الاستقرار والتنمية والتطور، وبدونه سينتهي الحال إلى الفوضى والخراب، وهنا يصبح ما يحصل عليه من امتيازات حقوقا مشروعة، وما يمنحه لغيره هبات لا حقوقا. يبدأ الشغف بالسلطة صغيرا خجولا وسرعان ما ينمو ويتوحش، ويصبح هو الذي يدير المسؤول وليس العكس، ويسقط المسؤول مهما كبر مقامه وموقعه في غواية الاستبداد والتسلط، التي تفتح الطرق أمام شتى أنواع الفساد. الفساد في مصر يسد آفاق المستقبل ويخنق الحاضر. ولقد تحدث السيسي عن ذلك وأعلن أكثر من مرة أن الدولة لن تتستر على فاسد، وفي هذه الفترة علينا كناخبين أن نستفيد من الحراك السياسي المصاحب للانتخابات الرئاسية، وأن نفاضل بين برامج المرشحين، خاصة في ما يطرحونه لمحاربة الفساد في مصر، وأن نتمسك بضرورة معرفة موقف المرشحين من حرية التعبير، التي هي من الأدوات الرئيسية لفضح الفساد ومحاربته والقضاء عليه».
الهزيمة كانت متوقعة
«لقد ضربت أمتنا موجات عاتية يصفها السعيد الخميسي في «الشعب»، بـ»تسونامي» الهزيمة النفسية والانكسار السياسي والاقتصادي وذلك لعوامل داخلية وخارجية على حد سواء. ولقد أيقنت دول الاستعمار أن فكرة حشد القوات والمعدات لغزو دولة واحتلال أرضها صار أمرا شاقا وعسيرا وفاشلا. فقرروا ودبروا ونفذوا فكرة الفوضى الخلاقة وتمزيق الممزق وتقسيم المقسم. وحتى ينفذوا خطتهم المحكمة فكان لزاما أن يزرعوا شوك الديكتاتورية في أرض العرب، فلا يرون شمس الحرية كي يعيشوا في كهف مظلم لا يفرقون بين ليل ونهار. فكان همهم الأول والأخير إسقاط أي نظام ديمقراطي في أمتنا العربية والإسلامية وتشجيع السوقة والعامة والرعاع والدهماء في تلك الشعوب لتشويه صورة أي وطن ينهض ويثور ضد ثقافة تلك الخطة الجهنمية، لعزل أمتنا عن نهضتها وتأديبها وسجنها في زنزانة انفرادية ليل نهار، فلا ترى شمسا ولا قمرا. يقول الشيخ الغزالي رحمه الله، متحدثا وواصفا تلك الحالة الهابطة «إن الاستعمار الثقافي حريص على إنشاء أجيال فارغة، لا تنطلق من مبدأ ولا تنتهي لغاية، يكفي أن تحركها الغرائز التي تحرك الحيوان، مع قليل أو كثير من المعارف النظرية التي لا تعلو بها همّة ولا يتنضّر بها جبين. وأغلب شعوب العالم الثالث من هذا الصنف الهابط». وبهذا الوصف الدقيق فقد حدد الفقيه العلامة الشيخ الغزالي مكمن الداء في أمتنا العربية والإسلامية»، ثم يلخص الإمام الغزالي ملامح وخصائص الاستعمار الداخلي في الانحراف عن فطرة الإنسان التي فطره الله عليها، والمتمثلة في الكرامة والحريات الثلاث: الفردية والاجتماعية والسياسية. وانحراف المصلحة لتكون في خدمة فئة خاصة دون بقيّة الناس، وإعادة تكوين الأجيال الجديدة وفق تربية تقبل بالأوضاع الذليلة».
نحتاج لهذا
«ما الذي تحتاجه مصر؟ سؤال شغل بال ياسر مشالي في «الوطن» وخرج بهذه النتيجة: «نحن نحتاج فعلاً إلى تغيير جذري ينقلنا من صراع الثنائيات البغيض إلى «واحة التعدّدية والإبداع وتقديس العمل والالتزام بالأخلاق النبيلة، وليس الاكتفاء بالطقوس الدينية أو العبادات وحدها». نحتاج إلى ثورة تخلصنا من أمراض «التعالي والغرور والأنوية».. وتعيدنا إلى قيم التواضع وروح العمل الجماعي.. نبرأ بعدها من ثقافة النميمة والقدح في الآخرين.. ونزرع ثقافة «اذكروا محاسن رفقائكم في الحياة.. في العمل.. في البيت.. في المدرسة.. في الجامعة، وحتى في الأوتوبيس والميكروباص والجامع والكنيسة». ما حدث لنا يتجاوز «ثورة مجهضة أو ثورتين».. ما حدث للمصريين «الشعب والدولة» كارثي بكل المقاييس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عُدنا إلى ما يشبه عصور الانحطاط التاريخية، لقد أصبح العنف هو اللغة السهلة التي يجيدها معظم المصريين، العنف والتسلط يزحف على عقولنا وقلوبنا من كل فج عميق، لقد وصل الأمر إلى حدوث مشاحنات شخصية حادة بين المصلين داخل بيوت الله! الثورة الثالثة التي تتطلب قيادة جماعية واعية تفجّرها وتترجم أهدافها إلى سياسات وتشريعات صالحة للتطبيق العملي، إذا ما تفجّرت في أوساط المجتمع المصري، فلن يحتاج إلى ثورات أخرى، لأنها ستكون أم الثورات وآخرها».
بر الوالدين يغني عن القدس
«ربما كان قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بحسب رؤية محسن صالح في «الشعب» مؤشراً إلى بدء التطبيق العملي للصفقة عبر فرض الأمر الواقع، كما أن ردود الفعل العربية والإسلامية والدولية لم تخرج عن حدود المتوقع لدى الأمريكيين والإسرائيليين. وكان واضحاً أن الدول العربية الفاعلة والمعنية سعت لاتخاذ المواقف الرسمية المتوقعة، مع امتصاص ردود الفعل الشعبية، وتبريد الأجواء الإعلامية، وعدم التركيز على الحدث إلا في الحد الأدنى، مع عدم اتخاذ أي إجراءات عملية في وجه القرار الأمريكي. وكانت لافتةً للنظر ـ في هذا الصدد ـ التسريباتُ التي نُقلت على لسان ضابط في المخابرات المصرية، وتضمنت تعليمات لرموز إعلامية بارزة بالتهدئة وامتصاص الحدث، وقطع الطريق على قوى المقاومة في تثوير الشارع. كما كان لافتاً أن تكون خطبة الجمعة لإمام الحرم المكي عن برّ الوالدين، بدون أن تتحدث ـ من قريب أو بعيد ـ عن أحد أخطر القرارات التي تمس الأمة الإسلامية. ولم تقم أي من الدول التي تقيم علاقات مع «إسرائيل» بسحب سفيرها أو تخفيض مستوى التمثيل، أو أي إجراء عقابي للطرف الإسرائيلي. لا يظهر أن قادة المشروع الصهيوني والأمريكيين سيجدون وقتاً أفضل من الوقت الحالي لمحاولة فرض رؤيتهم للتسوية السلمية، فهناك ضعف وانقسام فلسطيني، وتشرذم وترهل عربي وإسلامي، وأنظمة فاسدة مستبدة. والبيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين تنهكها الصراعات والنزاعات، وتجري فيها محاولات رفع جدران الدم الطائفية والعرقية، وتوجيه بوصلة الصراع بعيداً عن العدو الصهيوني. غير أن كاتب هذه السطور يرى أن هذه «الصفقة» لن تمر بإذن الله. فحتى هذه اللحظة؛ لا يوجد فلسطيني يقبل بصفقة كهذه؛ والحد الأعلى الإسرائيلي لا يصل إلى الحد الأدنى الذي يمكن أن يوافق عليه أي فلسطيني».
كفران العشير
«صفة ذميمة يلقي عليها الضوء عبد الرحمن سعد في «الأهرام»، تنتشر بين كثيرات من النساء، استوجبن بها عذاب النار، لأنها كبيرة من الكبائر، حرّمها الإسلام، وحذَّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهي: «كفران العشير والإحسان»، بمعنى: جحود إحسان الزوج، وإنكار جميله، وفضله. روى البخاري عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «َأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ. لَوْ أَحْسَنْتَ إلى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». و»العشير» هو الزوج؛ إذ يعاشرها وتعاشره. والمُراد بكفرانه: إنكار إحسانه، وجحد نعمته أو سترها بترك شكرها، رغم عظم حقه، وكون «شكر المُنعِم فريضة». ويُسمى جاحد النعمة كافرًا، وأصل الكفر: التغطية للشيء، والستر له. بوّب البخاري بابا في صحيحه بعنوان: «كفران العشير، وكفر دون كفر»، وأجمع العلماء على أن المعاصي تُسمى كفرًا، ولا يُراد بذلك: الخروج من الإسلام. وعود إلى الحديث، قال الإمام النووي: «فيه أن كفران العشير والإحسان، من الكبائر؛ فإن التوعد بالنار من علامة كون المعصية كبيرة». وقال ابن دقيق العيد: «تعليله، صلى الله عليه وسلم، بالشكاة، وكفران العشير: «دليل على تحريم كفران النعمة؛ لأنه جعله سببًا لدخول النار».
حسام عبد البصير