استمرار تراجع مؤشر الحرية الصحافية في الأردن : وسائل الإعلام الأردني… تحديات قانونية وتجاوزات بالجملة

حجم الخط
1

عمان ـ «القدس العربي»: شهدت حرية الصحافة في الأردن تراجعا ملحوظا في مؤشر حرية الصحافة في العالم وصل لسبع درجات وفقا لتقرير لمنظمة «مراسلون بلا حدود» للعام 2014. حيث حصل الأردن على المرتبة 141 بعد أن كان في المرتبة 134 عام 2013 من 180 دولة تقيسها سنوياً منظمة «مراسلون بلا حدود» التي تتخذ من باريس مقرا لها.
فيما كشف التقرير السنوي لحالة الحريات الإعلامية في الأردن لعام 2014 والذي ينفذه مركز «حماية وحرية الصحافيين» بقاء حالة الحريات الإعلامية على حالها دون أي تقدم ملموس عن العام السابق.
وأظهرت نتائج استطلاع حالة الحريات أن نسبة من يصف حالة الحريات الإعلامية في الأردن بأنها متدنية وصلت إلى 26.5٪، مقارنة بمن وصفها ممتازة 2.4٪.
ورد المحللون اسباب ذلك إلى قانون المطبوعات والنشر المعدل وحجب المواقع الإخبارية الأردنية وحجب المعلومة عن الصحافي بالإضافة إلى قانون حمايته غير الساري.
وبالإضافة إلى تحدي تراجع الحريات الصحافية، تشهد الساحة الإعلامية العديد من التجاوزات المتعلقة بالمحتوى الإعلامي في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وخاصة في المواقع الالكترونية، التي انتشرت بشكل كبير ويدير معظمها أشخاص من خارج الجسم الصحافي.

الأخلاقيات المهنية

ومن أهم المعايير التي تحكم الالتزام بالأخلاقيات المهنية الصحافية مستوى التعليم والتدريب الذي يتلقاه الصحافي قبل انضمامه للعمل في احدى وسائل الإعلام، وحصوله على المعلومات من الجهات المعنية، بالإضافة إلى حصوله على كافة حقوقه العمالية من أجر مناسب وضمان اجتماعي وتأمينات وغيرها.
وتمثلت أهم تجاوزات المواقع الالكترونية بنشر العناوين المضللة بغية الحصول على اكبر عدد من القراءات، ونشر معلومات أو صور عن قضايا منعت الجهات القضائية النشر حولها، وتغييب وجهة نظر الطرف الأخر في القضايا والأحداث مما يخالف معيار الدقة والتوازن في عرض المحتوى الإعلامي. ويترتب عليها مخالفة المادة السابعة من قانون المطبوعات والنشر والتي تنص على إلتزام الصحافي بالتوازن والموضوعية والنزاهة في عرض المادة الصحافية.
ولا تلتزم بعض وسائل الإعلام بالحيادية، من خلال عرض الموضوع والإضاءة على كافة جوانبه ونقل وجهات النظر جميعها، إنما تتجاوز ذلك وتلعب دور القضاء وتطلق الأحكام. مخالفة المادة الخامسة من قانون المطبوعات والنشر والتي تنص « على المطبوعة تحري الحقيقة والالتزام بالدقة والحيدة والموضوعية في عرض المادة الصحافية والامتناع عن نشر ما يتعارض مع مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية وحقوق الإنسان وقيم الأمة العربية والإسلامية».

مصادر مجهولة

ويلاحظ أيضا اعتماد العديد من الوسائل الإعلامية على المصادر المجهولة، تحت مسميات «مصادر خاصة، مصدر حكومي، نخب سياسية، مصدر مقرب، وغيرها»، وذلك من أجل اغتيال الشخصيات وإطلاق الإشاعات واحيانا من باب الاستسهال وعدم الرغبة في البحث عن مصادر. ويعتبر ذلك مخالفا للمادة 9 من ميثاق الشرف الصحافي التي تنص على «يمارس الصحافي أقصى درجات الموضوعية في « عزو» المواد التي تنشرها الصحف إلى مصادرها وأن يذكروا مصدر كل مادة صحافية أو نص يتم نشره . وعليهم أن يراعوا عدم «العزو» إلى مصادر مجهولة ، إلا إذا حقق هدفا وصالحا عاما ، أو استحال الحصول على المعلومات بغير هذه الوسيلة».
كما يعتمد بعضها الآخر في أخباره على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك، تويتر» من دون التأكد من مصداقيتها وبالتالي نشر المعلومات المشوهة والمضللة بدلا من تقديم المعلومات الصحيحة وبذلك يخالف ميثاق الشرف الصحافي الأردني في مادته التاسعة المتضمنة «عدم نشر معلومات غير مؤكدة أو مضللة أو مشوهة أو تستهدف أغراضا دعائية بما في ذلك الصور والمقالات والتعليقات. كما يجب التمييز بوضوح بين الحقيقة والتعليق أو بين الرأي والخبر».
وبهدف جذب القراء والحصول على أكبر عدد من المتابعين، لا تتردد بعض الوسائل الإعلامية وخاصة المواقع الالكترونية في الاعتداء على الحياة الخاصة للآخرين وخصوصا السياسيين في مناسباتهم الخاصة وخارج نطاق حياتهم العملية، مخالفين المادة السابعة من قانون المطبوعات والنشر والتي تنص على «آداب مهنة الصحافة وأخلاقياتها ملزمة للصحافي، وتشمل احترام الحريات العامة للآخرين وحفظ حقوقهم وعدم المس بحرمة حياتهم الخاصة».
حول استمرارية المخالفات والتجاوزات التي ترتكبها وسائل الإعلام ودور القضاء في ردعها وهل تعتبر هذه الممارسات استغلالها لحرية الإعلام بهدف تحقيق المصالح الخاصة لكل منها، يقول أستاذ التشريعات الإعلامية، الدكتور صخر الخصاونة «تمتاز المواقع الالكترونية التي تقدم نشر الأخبار والتعليق عليها بانها خاضعة لأحكام قانون المطبوعات والنشر، وان كان خضوعها يشكل قيودا على حريات الرأي التعبير وخاصة الحرية الإعلامية، الا أن إخضاعها من قبل المشرع جاء لضبط وتنظيم المواقع وحفاظا على الحريات الشخصية للمواطنين وعدم استخدامها بما يشكل ضررا على متلقي الخدمة».
ويرى الخصاونة أنه بموجب قانون المطبوعات والنشر الالتزامات القانونية والأخلاقية التي تقع على كاهل المطبوعات الصحافية هي ذاتها الملزمة بها المواقع الالكترونية من حيث الدقة والموضوعية والحفاظ على الحياة الخاصة وعدم نشر ما يسيئ إلى الوحدة الوطنية وإثارة النعرات وغيرها، وتسأل بموجب مخالفتها وفقا لأحكام قانون المطبوعات والنشر».

خروقات قانونية

وحول أسباب استمرارية الخروقات القانونية والأخلاقية، يبين الخصاونة «مردها سرعة نقل الأخبار وعدم التحقق من صحتها، ونشهد كثيرا خروقات تتعلق بتغطية أخبار الجرائم وتتمثل معظم المخالفات بنقل أخبار التحقيقات، الإشارة إلى أسماء الضحايا أو أسماء المتهمين ونشر صور من مسرح الجريمة وغيرها».
«السؤال الذي يطرح دائما هل هناك رقابة قانونية على تلك المواقع الالكترونية؟» ويجيب الخصاونة «ما دام المشرع قد جرم تلك الأفعال فالرقابة موجودة لكن لابد من تحريك دعاوى الحق العام وخاصة عندما تتلق القضايا بالاعتداءات على الحياة الخاصة أو التشهير أو الذم والقدح غير المباح، وبالطبع كل من يلجأ إلى القضاء عليه إثبات التضرر ومقدار الضرر الذي لحق به. ويمكن لهيئة الإعلام أو الجهات الحكومية ان تطلب من المدعي العام التحقيق في بعض القضايا التي تكون الدولة أو أحد أجهزتها المتضررة من النشر».
ويشير الخصاونة إلى قضية الرقابة على الوسائل الإعلامية، موضحا «هي رقابة لاحقة وليست رقابة سابقة وهذا النوع من الرقابة القضائية يتفق مع المعايير الدولية في حرية الرأي والتعبير، ما زلنا نأمل بوجود مجلس شكاوى خاصة بالقضايا الصحافية والإعلامية بشكل عام، اذ ان إقرار مجلس للشكاوى سيخفف العبء على كاهل القضاء من جهة ومن جهة أخرى سيشجع المواطنين من اللجوء إلى المجلس في سبيل جبر الضرر وحتى لو كان معنويا».
ومن جانبه يقول رئيس تحرير زمانكم، الصحافي أحمد أبو خليل «فرضت المواقع الالكترونية صيغاً جديدة للمادة الصحافية، شاشة الكمبيوتر أو الهاتف كمنبر لها طبيعة مختلفة وتفرض أداء مختلفاً. هناك تنافس شديد يجعل معيار الدقة غائباً في كثير من الأحيان. فيما يتصل بأخلاقيات المهنة، هناك تنوع، إذا كان الكلام حول المواقع الإخبارية تحديداً، تتوزع المواقع على مسطرة، كل منها يختار مكاناً له عليها. لكن بشكل عام الوضع غير جيد، هناك استسهال شديد، وهناك مصالح، وقابلية للتوظيف لدى بعض المواقع، وهذا ينطبق في المحتوى السياسي «قضايا المنطقة» أو ما يتعلق بالقضايا الداخلية المحلية.
بينما يرى الرئيس التنفيذي لمركز «حماية وحرية الصحافيين» نضال منصور ان الأخطاء المهنية والتجاوزات على مدونات السلوك تحدث في كل وسائل الإعلام بكل أنواعها وبالتالي من الخطأ تحميل الإعلام الالكتروني وحده مسؤولية التجاوزات.
مضيفا «الإعلام الالكتروني ساهم في رفع سقف الحريات في الأردن وساعد في تنوع المحتوى وساهم بأن يكون أكثر استقلالية عن تدخلات السلطة، لكنه لا يعفى من السقطات المهنية وضعف الاحتراف والتجاوز على مدونات السلوك».
ومن الأسباب وراء السقطات الحاصلة في وسائل الإعلام عامة والمواقع الالكترونية خاصة، يقول منصور «ضعف الاحتراف المهني والتدريب للعاملين في الصحافة، فالكثير منهم دخلوا هذا المجال دون تأهيل، بالإضافة إلى ضعف ضوابط التنظيم الذاتي ومحدوديته، وضعف دور الإطار النقابي في تعزيز مدونات السلوك والأخلاقيات الصحافية، بينما يعتبر ميثاق الشرف الصحافي الذي أقرته نقابة الصحافيين الأردنيين ليس اكثر من حبر على ورق، لا يعرف به الأكثرية».
التثقيف والتوعية

ويشير منصور إلى مشكلة مهمة تتعلق بالميثاق كونه يشابه القيود التي ترد في القوانين ويستخدم كأداة ردع، لا كمدونة لتعزيز استقلالية الإعلام ومهنيته. كما ان الصحافيين المبتدئين لا يملكون وعيا قانونيا كافيا للتمييز بين النقد والذم والقدح والتشهير.
ويضيف منصور «رغم الجهود التي يبذلها مركز حماية وحرية الصحافيين في التثقيف والتوعية القانونية، إلا انه ما يزال هنالك طريقا طويلا أمامنا، فلا بد من إيجاد مجلس شكاوى مستقل ينصف المجتمع من تظلمات وتجاوزات الإعلام. وهذا المجلس موجود في الكثير من دول العالم ويسهم في تطوير أخلاقيات المهنة وإنصاف المجتمع.
وعند الحديث عن تجاوزات وسائل الإعلام لأخلاقيات المهنة ومخالفتها بنود ميثاق الشرف الصحافي وقانون المطبوعات والنشر، لا بد من الحديث عن مرصد «أكيد» الذي أطلقه معهد الإعلام الأردني والذي يسعى إلى التحقق من المعلومات وجودتها وقواعد المهنية الصحافية.
يوضح الإعلامي والصحافي ممدوح أبو الغنم، أحد العاملين في المرصد « يسعى مرصد مصداقية الإعلام الأردني وموقعه الإلكتروني «أكيد» من خلاله سياسته التحريرية إلى تحقيق هدفين هما: ضمان حق المواطن في الحصول على المعلومة الدقيقة والصحيحة، والإسهام ما أمكن في تحسين أداء الإعلام الأردني والارتقاء به من خلال عرض الاختلالات التي تطاوله، والإشارة إلى أفضل الممارسات المهنية لتصحيح هذه الاختلالات».
ولتحقيق ذلك، يلتزم المرصد ـ بحسب أبو الغنم ـ بأرفع المعايير التحريرية وأفضل الممارسات الأخلاقية في كل أعماله ووظائفه، ويسعى إلى تحقيق الحياد الإيجابي والتوازن والإنصاف والموضوعية والشفافية في مختلف المواد التي ينتجها.
لا يرى أبو الغنم ان المواقع الالكترونية تستغل الحريات، فحرية الصحافة مصونة، لكن بعض المواد الإعلامية المنشورة في بعض المواقع الالكترونية لا تطبق المعايير الصحافية الأساسية في المادة الإخبارية التي يتم نشرها من هنا يأتي دور «أكيد» في التحقق من صحة المعلومات وتدقيقها من مصادرها الرئيسية، والتثبت من صحة الأدلة والوثائق والأرقام والنسب ودقتها وحداثتها.
أو التثبت من صحة الصور والتسجيلات الصوتية والمرئية ودقتها، والتأكد من نسبتها إلى مصادرها الأصيلة، وكذلك التحقق من خلو التغطيات الصحافية من جميع أنماط الانحياز البنيوية وغير البنيوية، بما في ذلك الاستخدامات اللغوية.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية