تونس -«القدس العربي»: رغم الإحتياطات الأمنية المكثفة، ورغم تفكيك عدد من الشبكات الإرهابية، وتصفية بعض القيادات التكفيرية من قبل الأجهزة الأمنية، إلا أن الخطر الإرهابي مازال قائما في تونس ويخشى معه وقوع المزيد من العمليات التي تستهدف استقرار الخضراء وأمنها. فعملية متحف باردو ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، بحسب تأكيدات الخبراء، باعتبار وقوع تونس في محيط مغاربي ملتهب نخره الإرهاب وأصابه إصابات جد مؤلمة.
ولعل الأرقام التي تصدر تارة عن مراكز دراسات متخصصة أو عن وزارة الداخلية التونسية، والمتعلقة بأعداد التونسيين المنضوين تحت رايات الجماعات التكفيرية، هي التي تؤكد صعوبة التخلص من هذا الكابوس الإرهابي الجاثم على صدور التونسيين وجيرانهم المغاربيين. كما أن انتشار الفكر التكفيري في صفوف الشريحة الشبابية على وجه الخصوص يؤكد أن استئصال الإرهاب لا يكون فقط بالمعالجة الأمنية التي أثبتت لوحدها فشلها في بلدان العالم التي عرفت مبكرا هذه الظاهرة وسبقت تونس في هذا المجال.
حماية الشخصيات الوطنية
وللوقاية من خطر العمليات الإرهابية توفر الداخلية التونسية الحماية الأمنية لقرابة المئة وخمسين شخصية سياسية مهددة بالتصفية الجسدية على غرار ما حصل للشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. كما تطال تهديدات الإغتيال الأدباء والمفكرين، على غرار الدكتور محمد الطالبي، وكذا رؤساء الهيئات المهنية على غرار عميد المحامين التونسيين الأستاذ محمد الفاضل محفوظ الذي كان أحد الرعاة الأربعة للحوار الوطني من المنظمات التونسية التي ساهمت في إيصال البلاد إلى بر الأمان سياسيا.
ويشترك الحرس الرئاسي التابع لمؤسسة رئاسة الجمهورية مع وزارة الداخلية في توفير الحماية لهذه الشخصيات الوطنية وهو المتمرس بهذه المهام التي تدخل في إطار اختصاصه. وتثقل هذه المهام كاهل الدولة التونسية بنفقات إضافية وأعباء مالية تبدو في غنى عنها، حيث اعتبر البعض أن من يروم الحماية ويمتهن العمل السياسي عليه أن يتحمل عواقب اختياراته ويكون قادرا على توفير الحماية لنفسه من نفقته الخاصة.
خلايا نائمة
ويبدو أن الأجهزة الأمنية المتخصصة في مكافحة الإرهاب سواء في الشرطة أو الجيش أو الحرس الوطني أو الإستخبارات لا تدخر جهدا في تعقب وملاحقة ما يعرف بـ «الخلايا النائمة» وذلك في إطار ما يسمى بـ»الأمن الوقائي». فهناك حالة استنفار قصوى وإجراءات أمنية مشددة تشهدها البلاد، شملت إقامة الحواجز والأجهزة الكاشفة للأسلحة في مناطق التجمعات وفي الفضاءات التجارية الكبرى وفي النزل السياحية وغيرها.
كما أن هناك عودة لممارسات طغت خلال فترة حكم النظام الأسبق على غرار التنصت على أجهزة الهواتف والولوج إلى البريد الإلكتروني للمشتبه فيهم وتتبع المواقع الإلكترونية والمدونات وصفحات التواصل الإجتماعي. وهو سلوك استهجنه البعض من الحقوقيين والمدافعين عن الحريات، فيما اعتبره البعض الآخر ضروريا لحماية البلاد والتوقي من خطر العمليات الإرهابية من خلال إحباطها قبل وقوعها.
العائدون
ويبقى الخطر الأكبر الذي يؤرق مضاجع التونسيين هو عودة الشباب المغرر به الذي يقاتل في سوريا والعراق تحت راية التنظيمات التكفيرية وفي مقدمتها الدولة. فهذا الشباب التونسي قد تمرس على القتال وعلى سفك الدماء وقطع الرؤوس، ولا يتصور عاقل بأنه سيقبل بالإندماج في محيطه الجديد بمجرد عودته بل سيسعى إلى فرض رؤاه بقوة السلاح على غرار ما حصل في الجزائر خلال العشرية السوداء لعقد تسعينيات القرن الماضي مع عودة «المجاهدين من الأفغان العرب».
وتتحدث جهات عن قرابة الـ 500 مقاتل تكفيري تونسي في كل من العراق وسوريا فيما يعتبر آخرون أن أعدادهم تتجاوز ذلك العدد بكثير لتصل إلى ثلاثة آلاف عنصر موزعين بين مختلف التنظيمات المتناحرة فيما بينها ومع أنظمة البلدين. ويضاف إلى هؤلاء قرابة المئة وعشرين عنصرا آخرين يرابطون في شعاب الجبال، في مرتفعات الشعانبي وجبال ورغة وغيرها من المناطق بولايتي القصرين والكاف المتاخمتين للحدود الجزائرية.
نجاحات أمنية
ولتونس أيضا شباب يتدرب على القتال في ليبيا في معسكرات منتشرة في بلد عمر المختار شرقا وغربا، وتقدر بعض الجهات أعدادهم بـ800 عنصر بعضهم متورط في عمليات إرهابية شهدتها بالخصوص مدينتا طرابلس وبنغازي. وقد عاد بعض هؤلاء إلى تونس فيما مازال البعض الآخر «ينتفع» من حالة الفوضى التي تشهدها الأراضي الليبية والتي أدت إلى وجود حكومتين وبرلمانين والخشية من تفكك ليبيا إلى دولتين متناحرتين.
وقد قامت الأجهزة الأمنية التونسية بالقبض على بعض العائدين وقدمتهم إلى العدالة لتقول كلمتها بشأنهم فيما بقي البعض الآخر محل مراقبة من قبل الأمن وذلك وفقا لتصريحات مسؤول أمني تونسي رفيع المستوى. ولولا هذه اليقظة التي تصل أحيانا إلى حد المبالغة لما تمكنت الفرق الخاصة للحرس الوطني التونسي من النجاح في تصفية الإرهابي الجزائري الخطير والقيادي في تنظيم الدولة خالد الشايب الملقب بـ»لقمان أبو صخر» بمعية أفراد من تنظيمه بمدينة قفصة الواقعة بالوسط الغربي التونسي على الحدود مع الجزائر وذلك مباشرة بعد عملية متحف باردو الإرهابية التي أسفرت عن وفاة تونسيين إثنين وعشرين سائحا أجنبيا.
روعة قاسم