لندن ـ «القدس العربي»: عندما ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطابه وشرح فيه للشعب الأمريكي مبررات الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام- «داعش» لم يذكر اسم «مجموعة خراسان» التنظيم الذي ظهر فجأة وكان أول أهداف الضربة الأمريكية على سوريا.
وبرر المسؤولون الأمريكيون عدم ذكر اسم التنظيم أو تقديم تفاصيل عنه بأنهم لم يكونوا يريدون نشر معلومات تشي بملاحقتهم له ، لكن صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها ليوم الأربعاء قالت إن نقاشا عاما تم حول أسامة بن لادن وتنظيم «القاعدة» ولم يخف أي معلومات عن الرأي العام. ولا تجيب المبررات الامريكية عن سبب استهداف الولايات المتحدة للتنظيم ولماذا قررت ضربه مع «جبهة النصرة» المرتبطة ب «القاعدة» وتنظيم «داعش».
من أين جاء؟
وللإجابة على هذا نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» بعضا من التفاصيل التي ربما توضح القرار الأمريكي، فهي تقول إن رجلا كويتيا «محسن الفضلي» وصل في العام الماضي إلى شمال سوريا بعد قضائه وقتا في إيران والتقى عددا من قادة «القاعدة».
ويعتقد مسؤولو الإستخبارات الأمريكية أن الفضلي الذي كان في الثلاثينيات من عمره وصل إلى سوريا بناء على تعليمات من زعيم «القاعدة» في الباكستان أيمن الظواهري، كي يشرف على الخلية هناك والتي يمكن انطلاقها من الأراضي السورية لتوجيه ضربات ضد الغرب والولايات المتحدة.
وبقيت هذه المجموعة التي جاء الفضلي لقيادتها «مجموعة خراسان» بعيدة عن الأنظار ولم تضع معلومات عن عملها على الإنترنت مثل غيرها من جماعات «القاعدة». ولكن كيف خرجت هذه الجماعة من الظل للعلن وأصبحت مهمة لدرجة تفوق خطرها على «داعش»؟ تقول الصحيفة إنها جاءت بشكل مفاجىء، وظهر اسمها أول مرة في كلمة الرئيس أوباما عندما تحدث عن الغارات التي شنها سلاح الجو الأمريكي بمساعدة خمس دول عربية على أهداف في سوريا. وقال إنه أمر بالهجمات لإحباط عمل خلية تتآمر ضد الغرب.
ورغم الأخبار التي تؤكد مقتل الفضلي نفسه في الغارات، فقد تضاربت تصريحات المسؤولين الأمريكيين حول قدرة تنظيم»خراسان» وإن كان قد اقترب من تنظيم هجمات ضد الغرب أم لا.
وبحسب مسؤول بارز وصف خطط «خراسان» بأنها كانت عبارة عن «طموحات» ولا توجد أدلة عن وجود خطة قوية وكاملة للعمل بعد.
حرف الإنتباه
وتضيف الصحيفة أن التركيز على «خراسان» حرف الإنتباه ولو لوقت قصير عن تنظيم الدولة الإسلامية، الجماعة التي دفعت انتصاراتها في العراق وسوريا أوباما لشن غارات على العراق منذ 8 آب/أغسطس، كما وكشفت الغارات عن أهمية تنظيم «القاعدة» في الساحة السورية ومركزية القيادة في الباكستان التي قال أوباما في خطابه أمام الأمم المتحدة أنها تلقت ضربة شديدة.
ولاحظ بروس ريدل، المحلل السابق في وكالة الإستخبارات الأمريكية « سي آي إيه» والباحث في معهد بروكينغز «تناقضا» في تصريحات المسؤولين الأمريكيين فإن كانت القاعدة قد شلت «فلماذا نشعر بالقلق عندما نكتشف بعض النشاطات». وفي ضوء قلة المعلومات حول تنظيم «خراسان» فمن الصعوبة بمكان الكشف عن هويته الحقيقية وأهدافه.
ويعتقد المسؤولون الأمنيون أن التنظيم مرتبط مباشرة بالظواهري في الباكستان رغم وجوده في سوريا.
ويعتقدون أيضا أن حجمه يتفاوت من فترة لأخرى وهو مكون من عشرات المقاتلين الذين وصلوا إلى سوريا من الباكستان وأفغانستان منذ عام 2012. وكان المقاتلون يتصلون مع «جبهة النصرة» حالة وصولهم إلى سوريا رغم أن هذا التنظيم يركز على قتال نظام بشار الأسد والإطاحة به، وعليه ينظر لخراسان باعتباره المنظمة التي تهتم بالهجمات الخارجية.
وتنقل الصحيفة عن سيث جونز من مجموعة راند للأبحاث قوله إن ما أرادته «القاعدة» هو نشر مجموعة متقدمة في سوريا التي تحولت لساحة حرب مهمة نظرا لقربها من أوروبا.
ورغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين على حتمية الهجمات وقربها حيث كان الناشطون يخططون لتنفيذ هجمات باستخدام عبوات مخفية إلا أن مسؤولين آخرين تحدثوا عن خطط لم تنضج بعد، ولا توجد أدلة عن تمركز «خراسان» في سوريا وجاهزيته لشن هجمات ضد الغرب.
وهناك تفسير آخر قدم عن الغارات ويتعلق بتوفر معلومات أمنية عن اجتماع للفضلي والناشطين في مكان حيث كان فرصة للتخلص منهم قبل تفرقهم.
ويشكك ريدل بوجود معلومات حقيقية تقود لتحرك سريع مشككا في الداوفع التي قادت للغارات وتوقيتها. ومهما كانت الحقيقة عن «خراسان» ينظر إلى ظهوره كإشارة عن سلطة الظواهري التي قالت «سي آي إيه» إنها تراجعت، وأن الغارات بطائرات بدون طيار التي شنتها إدارة أوباما أدت لقتل معظم القيادات البارزة. مما أدى لتحول مركز ثقل التنظيم من المركز إلى جماعات محلية مثل تنظيم «القاعدة» في اليمن، وحركة «الشباب الإسلامي» الصومالية وتنظيم «القاعدة» في بلاد المغرب الإسلامي.
وبالإضافة للفضلي الذي تصفه الولايات المتحدة بأنه عمل مع بن لادن عندما كان في أفغانستان وقاتل في الشيشان، قتل في الغارة عبدالمحسن عبدالله إبراهيم الشارخ،وهو سعودي وصل إلى سوريا عام 2013. ويوصف الشارخ بأهم «منظري النصرة الإستراتيجيين».
وعاش الشارخ والفضلي في إيران حيث سهلا عمليات نقل المال والأسلحة إلى أفغانستان والباكستان والعراق. وهرب إلى إيران عدد من قادة «القاعدة» بعد سقوط نظام طالبان، منهم سعد بن لادن، نجل مؤسس القاعدة.
وتقول إيران إنها وضعتهم تحت الإقامة الجبرية لكن الإستخبارات الأمريكية تشك بإمكانية تحالف بين إيران الشيعية والقاعدة.
نشاط في الصيف
وفي السياق نفسه ذكر زاك باليلي من موقع «دايلي بيست» أن اهتمام المخابرات الأمريكية بخراسان بدأ هذا الصيف عندما علمت عن خطة للقاعدة وبعدها اختفت، ويقول باليلي إن خطة «خراسان» كانت استخدام متفجرات من الصعب اكتشافها توضع في طائرات أوروبية وأمريكية. وعندما اقترب «خراسان» من تنفيذ عمليته اختفى.
ونقل عن مسؤول أمريكي بارز قوله «وصلت إلينا معلومات عن الخطط التي لم تتحقق في الصيف»، مضيفا «اقفلوا عليها الخطط واختفوا».
ويضيف باليلي أنه منذ عام 2012 والمجتمع الأمني الأمريكي يتابع حركة عدد من قادة القاعدة ومخططيها في سوريا حيث خططوا لعمليات لم تكن موجهة ضد نظام بشار الأسد مثل خطط الفصائل الأخرى ولكن لاستهداف الغرب.
اختراع
واعتقد المسؤولون الإستخباراتيون إن هذه الرموز مرتبطة بـ «جبهة النصرة «السورية، لكنهم لاحقا أخذوا يطلقون عليها «مجموعة خراسان» وسبب التسمية أن معظم قادتها مرتبطون بمجلس «شورى خراسان»، وهو مجلس قيادة تابع ل «القاعدة»، كما أن «خراسان» تشير في أدبيات الجهاديين لفارس والباكستان وأفغانستان. وينقل باليلي عن خبير ب «القاعدة» وهو دافيد غارتنستين- روس «ما أخشاه هو أن «خراسان» هو جزء من جماعة كبيرة و هي الفرع الخارجي فيها. وكان جيمس كلابر، مدير الأمن القومي هو أول من استخدم الإسم في مؤتمر صحافي ونشرت وكالة أنباء «أسوسيتدبرس» أول تقرير عنها في 13 أيلول/سبتمبر.
ويرى داليلي أن الهجوم على «خراسان» يمثل معضلة لأوباما خاصة أن «جبهة النصرة» المرتبطة بالقاعدة تعتبر من أعداء «داعش» ومن أقوى الجماعات الجهادية التي تقاتل بشار الأسد، فاستهدافها قد يؤدي لإضعافها وتقوية النظام، وأسوأ من هذا قد يدفع «النصرة» و»داعش» للتحالف مرة أخرى.
وتثير صحيفة «واشنطن بوست» موضوع التنظيم واسمه خاصة أن الجهاديين لم يستخدموا الإسم وهو ما أثار دهشة الخبراء حسبما يقول آرون زيلين من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى. ويرى بريان فيشمان، خبير مكافحة الإرهاب في «نيو أمريكان فاونديشين» أن هذه عناصر لشبكة لوجيستية تابعة لـ «القاعدة»، حيث كانوا يقومون بنقل الرسائل بين قادة التنظيم في إيران وباكستان.
وبشكل عام لم يكن هناك أي إعلان عن تنظيم بهذا الإسم أو أي منظمة منفصلة بهذا الإسم في سوريا. ويشير مسؤول أمريكي بارز نقلت عنه «واشنطن بوست» للغموض حول التنظيم وإن كان أعضاؤه قد وصلوا إلى سوريا لإنشاء تنظيم بناء على أوامر عليا والقيام بعمليات خارجية. ولا يرى المسؤول مجموعة «خراسان» كتنظيم متميز عن «القاعدة» ولكن كمجموعة من القيادات الأجنبية التي «عشعشت» داخل «جبهة النصرة» وغيرها من جماعات المعارضة المتشددة.
ويعلق علي بكران وهو قيادي في الجيش السوري الحر المدعوم من أمريكا أنه سمع اسم «خراسان» لأول مرة قبل 5 أشهر، في إشارة للمقاتلين الأجانب الذين جاؤوا من أفغانستان للإنضمام ل «جبهة النصرة» «سمعنا عن وحدة جديدة داخل جبهة النصرة، خلايا نائمة تحضر لاغتيال قادة الجيش السوري الحر».
ورغم هذا فقد احدث ضرب «جبهة النصرة» ردة فعل في صفوف المقاتلين حيث علق بكران «لماذا ضربوا النصرة، النصرة من الناس وهم الشعب».
عقيدة متميزة
ويعتقد باحثون أن تنظيم «خراسان» و»القاعدة» بشكل عام يموضع نفسه الآن كرواية نقيضة عن رواية «داعش» المتطرفة، وكما يقول غارتنستين- روس لصحيفة «نيويورك تايمز» فالخلاف بين «داعش» و»القاعدة» يعطي الأخيرة فرصة لتقديم نفسها باعتبارها حركة جهاد عقلانية».
ورغم شجب التيارات السلفية الجهادية للتنظيم وفتاوى مفتى السعودية العام إلا أن أيديولوجية «داعش» تنهل من منبع السلفية نفسه حسب صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير آخر أعده ديفيد كيرباترتك.
ويرى أن «الخليفة إبراهيم» أو «أبو بكر البغدادي» بدا وكأنه جاء من المجهول عندما أعلن عن نفسه حاكما على كل المسلمين.
وهو ما أدى لشجب العلماء المعتدلين والمتشددين، رغم أن فكره المتطرف يعود كما يقول الكاتب إلى حركة محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، وتمثل العقيدة الطهورية التي بشر بها إبن عبد الوهاب أرضية للفكر الذي يدعو إليه البغدادي كما يرى كيرباتريك.
وينقل عن بيرنارد هيكيل، استاذ الدراسات الإسلامية في جامعة برينستون قوله إن عقيدة البغدادي تعتبر شكلا «غير مدجن» من الوهابية.
وترى دول الخليج وفي مقدمتها السعودية في حركة البغدادي تهديدا مباشرا عليها ولهذا شاركت كلها في الغارات التي شنتها امريكا يوم الثلاثاء على مواقع التنظيم في سوريا.
ويشير الكاتب إلى أن الشجب السعودي الرسمي والديني لم يمنع قادة «داعش» من نشر أدبيات وكتب محمد بن عبدالوهاب واستخدام المقررات السعودية في المدارس التي يسيطر عليها في كل من سوريا والعراق.
ويعتبر فكر «داعش» رغم أصوله السلفية على تناقض مع تفكير «القاعدة» الذي وإن تأثر بفكر السلفية إلا انه خرج من داخل فكر يرى في الدول والحكام المسلمين كفارا ولا يمكن مواجهتهم إلا بالعنف.
ويرى هيكيل أن العنف بالنسبة ل «القاعدة» هو وسيلة لتحقيق غرض ولكن بالنسبة ل «داعش» فالعنف يمثل غرضا في حد ذاته. ويظهر التفريق بين الأيديولوجيتين في مجال الفتاوى حيث انتقد كل منظري السلفية الجهادية «داعش» واعتبروه تنظيما منحرفا عن الإسلام، ويعتبرون خلافة البغدادي باطلة وقادة التنظيم مجرمين متعطشين للدماء.
ومن منظور «داعش» فكل الجماعات التي تنتقدهم غير مؤمنة ومهادنة للغرب حتى حركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي قبلت هدنة مع إسرائيل مما يجعل قادتها غير مسلمين في رأي التنظيم.
وبحسب أحد منظري التنظيم التركي بن علي «فواجب المسلم هو تطبيق أوامر الله حالا وبدون لين أو تدرج». وتظهر أشرطة الفيديو الدعائية للتنظيم أنه يقوم بتطبيق حدود الله حالا.
إضافات
وتشير الصحيفة الى أن مؤسس «داعش» أدخل عنصرين للفكر الوهابي أخذهما من حركات الإسلام السياسي في القرن العشرين.
ونعني بهما المقاومة وإحياء الخلافة. فخلافا لدعوة الفكر السلفي أتباعه عدم الخروج على ولي الأمر تبنى البغدادي فكر العمل الجهادي ضد الهيمنة الغربية في العالم العربي.
كما استعار البغدادي فكرة الخلافة الإسلامية التي حمل فكرة إحيائها عدد من الحركات الإسلامية على رأسها الإخوان المسلمين وحزب التحرير، خلافا للوهابية التي نشأت في ظل الدولة العثمانية. ومن هنا فتبني البغدادي لفكرة إحياء الخلافة جاء كجزء من مشروعه الأوسع لمواجهة الغرب.
وتظل فكرة الخلافة مفهوما تاريخيا لدى بعض الحركات ومنظومة قد تحدث في وقت ما كما يقول ويليام ماككنتاس الباحث في معهد بروكينغز. وبهذه المثابة يرفض «داعش» ومنظروه أي ميل نحو الليبرالية وتبني الحكم العلماني باعتباره كفرا ومخالفا لوجهة نظرهم.
وكما يقول عماد شاهين، الباحث في جامعة جورج تاون «إما ان تكون معنا أو ضدنا وعندها سنصفيك»، ف «داعش» ليس «القاعدة» ولكنه أكثر تطرفا منها.
إبراهيم درويش