«اسمه أحمد وظله النار» للسوري محمد المطرود: الذي فقد مضمر عظاته طي الكلام

حجم الخط
0

رنا من منظار ذاكرته، مسدداً «أسفل ومنتصف الحياة» كتابة الأول، أراد أن يدحض «ما يقوله الولد الهاذي» كتابة الثاني، وفي نفثة حبر يتيمة قطف «ثمار العاصفة» كتابة الثالث، وائداً كل ما تأخر وتقدم من وجع طي «سيرة بئر» ضحل، كتابة الرابع، ليشي بأن الوليد الجديد أشد شبهاً بالغريب الذي: ينظرُ في شؤونِ مكانهِ من شرفةِ المَعنى والرسائلِ والغياب».
«اسمه أحمد وظله النار» يحق له ما لا يحق لغيره، عرى ظنونه كلها أمام الملأ، قال متخففاً من وزره: لي ذاكرة الرعاة وإحساسهُم، لأتبعَ عطرَ المرأةِ والأرضِ والترابِ بعدَ أولِ المَطر، وألمسَ المكانَ والصديقَ والعدو».
هو بالأعم ليس ابن لحظته، الملتبسة، الغامقة، الغامضة، الجريئة، الموشكة على القول، ليفتك بفداحة الصورة، حين الصورة تكون القول، العنوان الغرائبي والمتن المفضوح معاً.
محمد المطرود السندباد التائه الظل، فقد حقيبته عند أول حاجز لحراس الحدود، حين غدا ومن معه فاتحين بلاد الفرنجة، كان وقت ذاك هشاً وقابلاً للطي في حقيبة.
الحقيبة هنا هويته ودلالاتهُ الأمكنة التي زارها..
في شبهة الطريق ظل يردد وصايا أمه التي حفظها عن سابق قصد، إيه محمد: عِشْ فرحةَ الطائرِ بجناحيِه الخفاقينِ كعلم، لا تقص بطيشِكَ جناحَهُ الغَض ليلهوَ بِهِ طفلَكَ المدللَ، ثمةَ أمٌ للطائرِ تدلله وتطعمهُ ماءَ قلبِها، وتُظِللهُ وتحميهِ من عينِ الحجرةِ العمياءَ ومن حسدِ الإنسانِ.
«اسمه أحمد وظله النار» للناقد والأديب محمد المطرود، الصادر عن دار النهضة العربية للطباعة والنشر 2014.. مجموعة نصوص نثرية تعصف طي مضمراتها قصص اليتم المقطع، وهو أن يصير المرء عبئاً على الجهات، حين يصير الوطن حلماً، والحالم رقماً بائساً موسوماً بكلمة لاجئ: لا فائدةَ من لغة لا تتحدث بها، يدكَ التي تلوح بها والإشاراتُ التي ترفع عنك قليلاً أغنى من عناء ستبذلهُ ليفهمكَ عالمٌ آخر، أكثر ما يفعله لك، يسميك لاجئا.
المطرود في ذاته، كفاقد الشيء، لا ينفك عن المناكفة كي لا يسلم أكواد خساراته، قال لي متيقناً بأن: الأرضُ ليست دائريةً، أحمقُ من قال بدائريتها، الأرضُ مربعةٌ ولها أربعُ جهاتٍ وجهتان بعيدتان. وأضاف: الطيبونَ والذينَ أقل آثاماً يذهبونَ إلى السماء، الطيبونَ الذين لا يقتلونَ الإنسانَ والحيوانَ والنباتَ ويعيشونَ من فرطِ الموت ويأخذونَ حصتَهم من الحياة، أما السيئونَ ـ أمثالنا- الأرضيونَ تكافئهم الأرضُ المربعةُ بالجحيم.
ولأنه ابن اللغة المتفتقة، ظل أميناً حتى آخر سطر، ترك باب المعنى مفتوحاً على مصراعيه في ذريعة للمحافظة على حبكته المفتعلة المزدانة بمتوالية من الأسئلة الجمالية، ولربما هي المرة الأولى التي رأيته يوارب غواية الموت فاراً من رصاصة أرادته خليلاً على حساب الحياة: الظفر بالحياة والرصاصةُ تتبعكَ معجزة.
ذات حلم أراد أن ينادد الرصاص بالرصاص: أنا الجزءُ النُحاسيُ المائلُ للأصفرِ، مَفصولاً عَن الرصاصْ، أنا الأبيضُ المائلُ للرصاصي عَابراً مَسافةَ الحديدِ، مُلتحِماً بالجسَدْ، أنا الرصَاصةُ التي لا تُخطئُ هدَفَها الآدمي.
وفي شطحة شاعر عليم بصيد فرائده قال: يكتبُ الهاربُ العاشقُ على جَذع شجرةٍ: وطنُ الشاعرِ جنتُهُ، مستعيراً: لا أهيمُ في كل وادٍ، يَتبعني الغاوونَ في سهلٍ سوري، كأننا جئنا لننازلَ بعضنا، لا لنتعانقَ ونسردَ قصةَ الوهمِ من أولِها إلى أولِها.
يطوي ضفتي منجزه المتخم المعاني ورسائل الخيبات، كلقماني فقد مجذاف عظاته: أخيراً آنَ يزورُ الزلزالُ المدنَ والأرواحَ والطرقاتِ لا تسكُنْ مَكاناً عَالياً، لا تمشِ مُحاذاة الجدارِ الآيلِ للفزَعِ، لا تَقرَب الأنهار/ المياهُ النساءُ مغرية/ شفافةٌ/ ضحلةٌ وتغرقُكَ. آنَ يزورُكَ الزلزالُ/ زلزالُكَ الشخصي اسْتَندْ إلى ظلكَ، المعقولُ، إن الظلالَ خدعةُ، تَتبَعُ صَاحبَها، الظلُ مِثلُ الكلبِ إنْ أطعمتَهُ أطاعَكَ، فامنحْ ظلكَ بعضَ جَسدِكَ ليَسْندَكَ.

طلال مرتضى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية