اشتغل على الفصحى والعامية ولحن مسرحيتين شعريتين للأطفال: مهدي حسين أبو سردانة… ملحن أناشيد الثورة الفلسطينية

حجم الخط
0

شكلت أغاني الثورة الفلسطينية رصيدا فنيا مقاوماً، يضاف إلى ذلك المنجز الثقافي الذي كان نتاجا تفاعليا مع فعل الثورة في الميادين كلها السياسية والعسكرية والاجتماعية، وبهذا تشكل كل تلك المنجزات علامات فارقة في مسيرة الشعب الفلسطيني الطامح والساعي بقوة وعزم من أجل أن ينال حقوقه المشروعة، في التحرر من الاحتلال الجاثم على صدرة لأكثر من (67) عاما.
برز في مجال الفن والغناء الكثير من المغنين والملحنين والشعراء، ولعل مهدي أبو سردانة أكثرهم حضورا في سجل الثورة الفلسطينية وأناشيدها الحماسية القوية، فقد عمل على تلحين كثير من الأناشيد والأغاني والقصائد لكثير من الشعراء الفلسطينيين، الذين ناضلوا بالكلمة الفصيحة أو بالعامية الفلسطينية، ونذكر منهم الشاعر صلاح الحسيني ومحمد حسيب القاضي ومريد البرغوثي وسميح القاسم.
ولد الفنان مهدي أبو سردانة في 15/10/1940 في قرية الفالوجة الواقعة بين مدينتي الخليل وغزة، التي كانت تتبع قضاء مدينة غزة، كان والده شيخ طريقة صوفية، وتأثر بما كان يستمع إليه من أناشيد دينية أو تلاوات للقرآن الكريم، عدا تأثره بأغاني الأفراح الفلسطينية. شهد النكبة ولم يكن يكمل من العمر تسع سنوات، فانتقل لاجئاً إلى الأردن، ثم عاد إلى غزة، والتحق بصفوف المقاومة الفلسطينية مبكرا.
وفي عام 1958 استقر به المقام في مصر، حيث عمل في إذاعة «صوت العرب» القاهرية، وكان بصحبة كل من فؤاد ياسين (مؤسس صوت العاصفة) في ما بعد، والفنان أبو عرب وكامل عليوة. وبدأ مسيرته الفنية مؤديا لألحان كبار الملحنين المصريين من أمثال بليغ حمدي ورياض السنباطي، واشترك في أداء مع آخرين الأوبرا المصرية «مهر العروسة»، ومسرحيات غنائية أخرى.
ثم انتقل بعدها إلى إذاعة (صوت العاصفة) التي كانت تبث من القاهرة ومخصصة لتكون ناطقة باسم الثورة الفلسطينية، وكان فؤاد ياسين أول مدير لها، والتقى هناك بالشعراء صلاح الحسيني ومحمد حسيب القاضي، فقد شكّلوا معا ما يشبه الرابطة لإنتاج الأناشيد الثورية وتلحينها ونشرها عبر أثير صوت العاصفة، التي أصبح اسمها (صوت فلسطين).
تحدثت بعض الأدبيات القليلة التي أرخت لهذا الجانب من جوانب الثورة الفلسطينية عن طبيعة ألحان أبو سردانة، وكيف كان يتعامل مع النصوص الشعرية، وكيف أنه كان يقدم وجهة نظره في بعض الكلمات، على ألا تتجاوز الأغنية الثلاث دقائق كأقصى حدّ، وبذلك تكون قوية حادة الأثر، محققة أهدافها الثورية النبيلة.
لقد كان أبو سردانة يعيش مع النص ويتأمله كلمة كلمة، قبل أن يبدأ في تلحينه، وكان ذا حساسية عالية تجاه بعض الألفاظ، معتبرا أن الكلمة أول درجة من درجات نجاح الأغنية، ثم يأتي اللحن الذي يجسد الكلمة والروح المعنوية العالية، مفجرا ما فيها من طاقة دافعة لرفع معنويات المقاتلين الذين كانوا ينتشون بهذه الألحان، وكان أثرها لا يقلّ عن أثر السلاح أو المعركة السياسية برمتها، لذلك يلاحظ في ألحانه القوة والجماعية، والروح الثورية، (طل سلاحي من جراحي، لوحنا ع القواعد لوحنا، يمين الله عن الثورة ما نتخلى)، على سبيل التمثيل وليس الحصر.
كما برزت في ألحان مهدي أبو سردانة الألحان الفلكلورية الشعبية الفلسطينية، خاصة أغاني الأفراح فأدخلها في ألحانه، كما استفاد من المدرسة اللبنانية والمصرية والبغدادية في إنتاج الألحان، حتى غدا ذا «جملة لحنية جيدة جدا» حسب تعبير الفنانة اللبنانية نجاح سلام.
وكان بين مهدي أبو سردانة والفنان المصري الكبير الموسيقار محمد عبد الوهاب بعض المناقشات في ما يخص الألحان المقدمة، ولاسيما اعتراض سردانة على لحن محمد عبد الوهاب لقصيدة «فلسطين»، فيرى سردانة أن اللحن لا يتطابق والمعنى، موضحا وجهة نظره للواء عبد الوهاب، ليعترف له عبد الوهاب بدقة ملاحظاته، فقد كان أبو سردانة يربط بين الجملة الموسيقية والجملة الشعرية ليعبر عن المعنى، من دون أن يضعف اللحن الكلام وأثره في النفس، وهذا كان مدار نقاش أبو سردانة لعبد الوهاب.
لم يقتصر الإرث الموسيقي لمهدي أبو سردانة على ألحان أناشيد الثورة الفلسطينية، بل كان أيضا كما سبق وذكرت مغنيا، وكاتبا لبعض النصوص، كما أنه لحن مسرحيتين شعريتين للأطفال من تأليف الشاعر صلاح الحسيني أبو الصادق، وهما: «طاق طاق طاقية» و»حارسة النبع».
تم تكريم مهدي حسين أبو سردانة عام 2011، فقد منحه الرئيس محمود عباس وسام الاستحقاق والتميز «تقديرا لدوره الوطني في حقل الإبداع الفني والثقافي».
وأخيرا نتمنى للموسيقار مهدي أبو سردانة طول العمر والصحة ليحقق أحلامه في زيارة قبر والده في الفالوجة المغتصبة، ويلحن نشيد النصر لفلسطين كل فلسطين.

كاتب فلسطيني

فراس حج محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية