■ يعيش الأدب البرتغالي المعاصر أنضج وأعمق مرحلة في التاريخ الأدبي كما ونوعا، فانتقل اهتمام الأدب البرتغالي من طرح ومعالجة القضايا القومية إلى الاهتمام بالهوية الكونية والإنسان بشكل عام. على الرغم من صغر سن الكتّاب، إلا أن أعمالهم ذات سوية عالية، ومن أبرز الأدباء البرتغاليين الشباب: الفونسو كروش وفالتر هوغو ماي وغونزالو تافاريس وغيرهم.
القصة القصيرة المعنونة بـ«السيد فاليري» للكاتب البرتغالي، الحائز جائزة خوسيه ساراماغو، غونزالو تافاريس الصادرة عن دار الخان للنشر، وهي من سلسلة الحي، كُتبت بأسلوب إبداعي شيق، حيث صاحبت هذه الكتابات رسومات توضحية على يد زوجة الكاتب وشريكته في الأعمال الأدبية، الفنانة راتشيل كايانو التي تعبّر رسوماتها عمّا يجول في بال السيد فاليري. قد يرى البعض أن الكتابات بسيطة وذات أسطر محدودة، إلا أن تافاريس بَرَع في طرح أفكاره العميقة بشكل مفهوم ولغة واضحة للقارئ الكبير والصغير، وترجمة مهدي سليمان عن الإنكليزية ترجمة جيدة عكست سلاسة النص الأصلي مع الحفاظ على الجوهر والفكرة.
ما أنا إلا ثلاثة
«… وأنا كنت نقطة الالتقاء تلك، إنّه القدر. لا أعرف ماذا يعني القدر».
السيد فاليري نموذج للإنسان المخيّر المستقل فكريا والمضطرب، وهو معتدُ بنفسه وواثقٌ بها وربما مغرور تارّة، ومضطرب ومتردد تارة أخرى، فلا يخطو أي خطوة إلا إذا كانت منطقية من وجهة نظره الخاصة، فهو لا يهتم بآراء الآخرين ويفعل ما يرضيه ويراه مناسبا. يخشى من التعلق بشيء، ويسعى أن لا يعلق قلبه بأي شيء كان مثل الحيوان الأليف أو حتى زوجة تشاركه حياته، كي لا يشعر بالحزن والأسى عند الفقد أو الرحيل. للشك والوسواس نصيب في حياته، فهو يخاف من نظرة الناس وظنونهم تجاهه، فلا يحب لأحدٍ أن يسيء الظن به، في الحقيقة هو يعاني من هذه المشكلة ويفكر فيها مليا. من الغريب أن يتجنب السيد فاليري بعض الأحداث والأشياء باختياره وكامل إرادته الحرّة، إلا أن القدر يلزمه بهذه الأمور قسرا. الجميل بشخصية السيد فاليري أنّه يوصّل أفكاره التي تجول في ذهنه من خلال رسومات توضيحية بسيطة، حتى لا تلتبس أفكاره على القارئ.
لكل شيء جانبان
«وجوه الآخرين تنبئني دائما بآخر الأخبار العاجلة عن وسامتي أو قبحي».
يتميز السيد فاليري بالذكاء ورجاحة العقل إلا أنه غير واثق بنفسه أبدا ومضطرب ومصاب بالوسواس القهري، فشخصيته غير متزنة لأنه يشعر بالقلق والهواجس المتعلقة بفهم الآخرين له، وبالحاجة الملحّة للقيام ببعض الأمور بطريقة معينة، وهذا واضح جدا في يومياته، فهو دائم الحذر والخوف مما يظنّه الآخرون به، ولا توجد لديه ثقة بنفسه أو بالآخرين وشكّه دائم بنفسه وبهم، ويضطر إلى اللجوء للرسم حتى يوضح ما يجول في ذهنه. كان من الممكن أن يكون السيد فاليري أكثر سعادة وثقة ولكن الاضطراب والشك كانا نقمة عليه بدون أن يشعر هو بذلك. نستطيع القول إن السيد فاليري يعتمد على المذهب العقلاني في فهم أتفه الأمور ومعالجتها، فهو لا يولي المشاعر اهتماما، ويرى ما يملي عليه عقله ومنطقه الخاص، ولا دور للخبرات التجريبية في حياته، بل الاعتماد الكلي على المعطيات الموجودة. يصل السيد فاليري إلى المعرفة من خلال التفكير والاستدلال ثم الاستنتاج بطريقة غير واقعية، أو حتى منطقية، ولكن هذه الطريقة التي يتبعها يراها السيد فاليري حاجة ملحّة، ويطبق هذا المبدأ على أبسط الأشياء في حياته مثل لبس الحذاء أو طلاء لون بيته. على الرغم من استخدامه لهذا المنهج الذي يعتمد على العقل، وحبّه الشديد وولعه في المنطق كما يقول، إلا أن حياته خالية من المنطق ومضحكة في بعض الأحيان ومملة ورتيبة في أحيان أخرى، لأن المنطق هو اتزان والسيد فاليري بعيد كل البعد عن الاتزان. السيد فاليري شخص يخاف من قلبه ومشاعره، لا قوّة له على الحزن والألم والشعور بهما، لذا فهو يتجنب الخوض في هذه المشاعر قدر المستطاع ويفعل كل ما في وسعه حتى لا يشعر بهما، وهذا هو هاجسه. من سخرية القدر أنّه يشعر بالحزن والوحدة في النهاية.
العجيب في شخصية السيد فاليري هو أنّه يصمم كل شيء حسب حاجته فقط، حتى أمنياته، فمثلا يتمنى أن يكون له بيت للإجازات يتكون من أربعة أبواب تشكّل مربعا يناسب حجمه، حتى يسترخي ولا يضيع بين غرف البيت العادي. وكذلك في التجارة، يهتم فقط بكسب قوت يومه ويكتفي به، بدون أن يطمح للثراء أو الربح.
الوجوه الداخلية للأشياء
إذا تغلغلنا في شخصية السيد فاليري، سنرى بأنه شخص يتسم بالغرابة، فتصرفاته وشكّه الدائمان يدلان على ذلك، حيث كان يشكّل خوفه وشكّه واضطرابه في أفعال يومية غير مألوفة، ويعرف سيغموند فرويد الغرابة أو «uncanny» على أنّها شيء غريب ومفزع، ولكن مألوف ، فعلى الرغم من غرابة تصرفات السيد فاليري، إلا أن الناس قد تتقبلها لأنها تعلم بغرابة أفعاله وسلوكه المغاير عنهم. اضطراب الوعي واللاوعي لدى السيد فاليري سبب له مشكلة وجودية وهدد أمنه واستقراره وتعلقّه بالأشياء، فكان هناك خوف من المشاعر والأفكار. بالنسبة للناس، السيد فاليري شخص غامض، فعندما كان يمشي بينهم أو يلقي التحيّة، كانت ردود فعلهم تبيّن أن هناك شيئا غريبا في السيد فاليري وتصرفاته، ولكنّ السيد لم يع ذلك، وكانت ردودهم تسبب له الحزن والظن بأن الناس فهموا سلوكه على نحو خاطئ. في حالة السيد فاليري، كلما زاد شكّه وقلّ يقينه، قلّ شعوره وإحساسه بالأمان وأصبح أكثر غموضا وتداخلت عليه الأمور.
الأدب والمال
«لا أحب أبدا أن أفصل الأدب عن المال»
شخصية السيد فاليري مستقاة من الشاعر والناقد الفرنسي بول فاليري، وهو أحد أبرز رواد المدرسة الرمزية. كانت الرمزية واضحة جدا ومركزّة في قصص السيد فاليري، ولعل أبرزها في القصة المعنونة بـ«الأدب والمال» حيث يحمل السيد فاليري كتابا ذا غلاف بلاستيكي على الدوام. يستخدم الكتاب كمحفظة لحفظ نقوده التي يضعها وفق آلية معينة. اللافت للانتباه، أن السيد فاليري شديد الحرص على كتابه ونقوده ويعتني به عناية فائقة ويمسكه بكلتا يديه وبإحكامٍ شديد. المال هنا رمز للرخاء المادي والحالة المادية للسيد فاليري، خصوصا إن كانت هناك فئات متعددة من الأوراق النقدية والمعدنية التي يحتفظ بها السيد في ثنايا الكتاب. ربط المال بالأدب جاء من باب أهمية المال في حياتنا اليومية وضرورته، وكذلك الأدب بالنسبة للسيد فاليري لا يقل أهمية عن المال، فعدّه ضرورة للعقل وحرص على تواجد الكتاب معه أينما ذهب. يمكن أن تكون رمزية المال هنا سلبية أيضا، فهو حريص بشكل مهووس بترتيب النقود وإمساك كتابه بقوة، فقد يكون السيد فاليري شخصا جشعا وبخيلا يحرص على المال والحفاظ عليه، ولكن الكتاب جاء بمثابة الغطاء أو الرداء الذي يلبسه السيد حتى يبعد هذه الصفة المذمومة عنه ويخفي صفاته المضطربة هذه.
الحزن
«نظرا لأنني لا أشعر بالكــــمال كما أنا في الحقـــــيقة، فإنني أظـــــن بأن كل شيء لا أكـــونه قد يجلب لي الكــــمال، ولهـــذا أريـــده لنفســـــي وأســـرقه من العالم. في الحقيقة، تلصق الشوارع نفسها بحذائي لأنني لست سعيدا. قال ذلك وهو في بحر من الكآبة».
حاول السيد جاهدا أن يتصدى لكل مشاعر الفقد والحزن والألم، إلا أنه في النهاية غرق في بحرٍ من الكآبة والحزن، فهو وحيد وحزين ومتعب. من الطبيعي أن يشعر السيد بكل هذا الحزن العميق الذي اجتاحه، فأيامه متشابهة ونمط حياته محدد من قبل النمط الذي يسير عليه.
لو أنه أعطى نفسه فرصة للتجريب والشعور والإخفاق، لكانت حياته ذات قيمة وأكثر توازنا، لم يكن متوازنا حيث أعطى كل الصلاحيات لهواجسه وشكّه، فلم تكن النهاية من صالحه.
٭ كاتبة كويتية
دلال محمد جرخي