إسطنبول ـ «القدس العربي»: وصلت قضية الاعتداء الجنسي على 10 طلاب في إحدى المدارس الدينية في تركيا إلى ذروتها مع بدء محاكمة المدرس المتهم بالقضية، الأربعاء، في ظل تصاعد الحرب الكلامية والإعلامية بين الحكومة والمعارضة التي تطالب بإغلاق هذه المدارس. الحادثة التي وقعت قبل سنوات وكُشف عنها حديثاً تمثلت في اتهام مدرس يعمل في «وقف الأنصار» الذي تديره شخصيات مقربة من حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم بالاعتداء الجنسي على 10 طلاب ذكور يتلقون التعليم والسكن والرعاية المجتمعية في إحدى فروع الوقف بولاية «كهرمان» جنوب البلاد.
المدرس المتهم في هذه القضية (54 عاماً) بدأت محاكمته، الأربعاء، يواجه تهم تتعلق بالاعتداء الجنسي وإجبار الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عاماً على مشاهدة مواد إباحية، حيث من المتوقع أن يواجه حكماً بالسجن مدى الحياة.
ونظمت احتجاجات واسعة من قبل نشطاء وممثلي منظمات مجتمع مدني طالبوا فيها بإصدار أقصى عقوبة ممكنة على المتهم، واتخذت السلطات المحلية إجراءات أمنية مشددة خشية وقوع مشاكل وأعمال عنف قرب مقر المحكمة.
وبسبب الإجراءات الأمنية المتبعة لم يتم إحضار المتهم إلى قاعة المحكمة، وتم عقد الجلسة من خلال نظام الاتصال المرئي والمسموع مع المتهم من داخل سجنه، ونفى المتهم التهم الموجهة إليه، مدعياً أن الأطفال أساؤوا إلى بعضهم البعض وأنه يتحمل المسؤولية عن ذلك. ووقف «الأنصار» هو مؤسسة مجتمع مدني تركية تأسست منذ عام 1979 وتهتم بتقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية منذ ذلك العام، لكنها تلقت دعماً ضخماً من حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم، ويتهم معارضون الحكومة بأن هذا الدعم يأتي على حساب دعم التعليم الحكومي الرسمي من أجل تعزيز التعليم الديني في البلاد.
وسبق أن قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الوقف: «وقف الأنصار ساهم بشكل كبير في انتشار ودعم وتطوير مدارس الأئمة والخطباء في تركيا»، لافتا إلى أهمية هذه المدارس ومؤكدا على مواصلة المسيرة بعزم لإنشاء أجيال واعية من الشباب التركي، على حد تعبيره.
ويرى أردوغان أن المدارس الدينية «مدارس الأئمة والخطباء» والفعاليات التعليمية التي تقوم بها الجمعية (وقف الأنصار) ساندت المدارس الحكومية، بينما ترى فيها المعارضة محاولة من الحزب الحاكم لبناء أجيال «تدين له بالولاء وتغيير تركيبة وأفكار المجتمع». وتحت وسم «هاشتاق» (#simdiEnsarıKapatmaVakti) والذي يعني بالعربية (الآن وقت إغلاق وقف الأنصار)، الذي كتب عليه قرابة 40 ألاف تغريدة على «تويتر»، طالب المغردون الأتراك بسرعة إغلاق الوقف، في حين طالب آخرون بوضعه تحت الرقابة وتطبيق المنهج التعليمي الرسمي في مدارسه.
وفي المقابل دافع مغردون موالون للحكومة عن الوقف معتبرين أن المعارضة استغلت الحادثة لتشويه صورة الحكومة ومحاربة المدارس الدينية، ونشروا دعوات واسعة لتقديم الدعم المادي والمعنوي للمدارس الدينية من أجل حمايتها وتوسيعها في البلاد. ولا يوجد أرقام محددة لعدد المنتسبين إلى هذه المدارس، لكن أردوغان قال في أحد خطاباته العام الماضي: «لقد رأينا كيف تمّ تخفيض عدد الطلاب الذين كانوا يدرسون في مدارس الأئمة والخطباء من 600 ألف طالب إلى 60 ألف. لكن وخلال السنوات الـ12 الأخيرة وبفضل التحسينات التي أجريناها، ارتفع عدد الطلاب المتواجدين في هذه المدارس إلى ما يقارب المليون طالباً».
وتركز هجوم المعارضة على وزيرة العائلة والمجتمع «سما رمضان أوغلو» ووصل الأمر بزعيم المعارضة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كلتشدار أوغلو إلى إطلاق «شتائم جنسية» بحق الوزيرة الأمر الذي أثار حملة احتجاجات واسعة في البلاد.
وقال زعيم المعارضة: «هؤلاء يتكلمون في الصباح والمساء عن الإسلام، وعن الإيمان، أنتم تحكمون تركيا منذ 14 سنة، بأي مبرّر سلّمتم هؤلاء الأطفال لهذه الثقافة، يقومون بالدفاع عن الأوقاف، قوموا بالحرص على الأطفال بدلا من الأوقاف».
وتقول الحكومة وقيادات حزب العدالة والتنمية إن المعارضة استغلت الحادثة من أجل مهاجمة المدارس الدينية، معتبرين أن الواقعة هي حادثة فردية ولا تسيء للمدارس الدينية التي تلقى قبولاً واسعاً لدى شريحة كبيرة من المتدينين والمحافظين الأتراك.
وكان رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو قد تعهد بإنزال أشد العقوبات بحق المدرس المذنب، مشدداً على ضرورة عدم تعميم الحادثة واستغلالها لأهداف سياسية وحزبية، على حد تعبيره.
ويقول حزب الشعب الجمهوري المعارض إن أردوغان فعل ما بوسعه من أجل تغيير الفكر المجتمعي من خلال التعليم وقدم مساعدات مالية هائلة للمدارس الدينية وقام بتغير أكثر من 70٪ من مدراء المدارس الحكومية بمدراء آخرين ينتمون للحزب الحاكم.
كما تقول المعارضة إن المدارس الدينية تقدم مناهج مختلفة عن المنهاج الحكومي الرسمي ولا تخضع لرقابة وزارة التربية والتعليم، في مقابل التشديد على المدارس العلمانية والأجنبية.
إسماعيل جمال