في اعقاب بلورة اعلان المبادئ للاتفاق بخصوص البرنامج النووي الإيراني، والذي تم تحقيقه بين حكومات الدول الغربية الكبرى الست وبين إيران في بداية شهر نيسان 2015، اعلنت حكومة إسرائيل انها تطالب، ان يتضمن الاتفاق النهائي مع إيران اعترافا من جانب إيران بحق الوجود لدولة إسرائيل. سارع الرئيس اوباما لرفض المطالبة. ووفقا لاقواله فإن الشرط الذي تعرضه إسرائيل ينبع من حسابات خاطئة، وهو يشبه المطالبة بأن لا يتم التوقيع على اتفاق مع إيران، في حال عدم حدوث تغيير جوهري شامل على النظام الإيراني.
من المنطقي الافتراض، انه لو كان اوباما يعتقد ان هناك احتمال لقبول إيران لهذه المطالبة، لكان قد تبناها، وطلب من إيران الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، كجزء من الصفقة النووية. الاعتراف الإيراني بهذا الحق كان ستعني للحكومة انجاز هام لان من شأنه ان يهدئ من المخاوف الإسرائيلية من التسلح النووي الإيراني ويقلص الانتقاد الإسرائيلي للاتفاق، ويدلل على ان تغييرا حقيقيا قد حصل على الموقف الإيراني ـ ليس فقط بالنسبة للموضوع النووي، كما ويعرض ردا جزئيا على الانتقادات الداخلية في الكونغرس الأمريكي ووسائل الاعلام الأمريكية حول سلوك الادارةالأمريكية في المباحثات النووية وضد الاتفاق المتبلور.
الا ان، اوباما من جانبه لا يرى اي احتمال في ان تقبل إيران الطلب الإسرائيلي ويخشى من ان طرح هذا الموضوع على جدول الاعمال للمباحثات النووية من شأنه ان يشوشها ويلحق ضررا كبيرا في الامكانية الكبيرة التي تلوح لبلورة اتفاق نهائي. بذلك تكون الادارة الأمريكية قد وافقت مرة ثانية على الموقف الإيراني، اي ان على المباحثات النووية ان تتركز في الموضوع النووي والعقوبات المفروضة على النظام الإيراني فقط، خوفا من ان توسيع إطار المباحثات سيؤدي إلى فشلها. لهذا السبب تنازلت الادارة الأمريكية عن المطلب الاول الذي تضمن ان تشمل المفاوضات مسألة الصواريخ البالستية الموجودة لدى إيران بعد ان اصرت هذه الاخيرة على عدم الخوض بهذا الموضوع، لان من شأن ذلك ان يمس بأمنها القومي. ولهذا السبب ايضا امتنعت الادارة من التوجه إلى إيران خلال المفاوضات حول موضوع المساعدات العسكرية التي تقدمها للحوثيين في اليمن، لادعائها ان طرح المسألة سوف يضيف المزيد من المصاعب امام المحادثات النووية، والتي تعاني مما يكفي من الصعاب والتعقيدات، ولنفس السبب امتنعت الادارة الأمريكية عن طرح مسألة حقوق الانسان في إيران وكذلك موضوع تدخل إيران العميق بالارهاب في الشرق الاوسط وعلى الساحة الدولية. من الواضح ان إيران رفضت البحث بهذه المواضيع لانها كانت ستطالب بتقديم تنازلات فيها، وان اصرارها على عدم التعاطي معها نبع من تقديرها ان الادارة سوف تتراجع عن مطالبتها بها، كي لا تخلق المزيد من التوتر حول طاولة المفاوضات او تشويشها.
من المنطقي الافتراض، ان المطالبة الأمريكية بأن تعترف إيران بحق إسرائيل في الوجود في إطار المفاوضات حول الموضوع النووي كانت ستواجه برفض إيراني مطلق، وقبل كل شئ من قبل المرشد الاعلى خامينائي بشكل شخصي. النظرة السلبية والكراهية التي يكنها النظام الإيراني تجاه إسرائيل، تم تأسيسها من قبل الزعيم الروحي للثورة الإيرانية، الخميني، حتى قبل وصوله للسلطة، وتم اتخاذها كعنصر اساسي في رؤيه النظام الإسلامي الاصولي المتطرف. ومن وجهة نظر قادة النظام الإيراني، وكما تم عرضها من خلال تفوهات خامينائي والرئيس السابق احمدي نجاد، فإنه ليس لإسرائيل اي حق بالوجود ككيان سياسي، لان اليهودية ليس إطار قومي، بل ديني فقط.
ان رفض حق إسرائيل بالوجود هو مبرر برأي الزعماء الإيرانيين، لان قيامها ووجودها مرتبط بظلم ثلاثي لا يطاق من وجهة نظرهم: القمع الذي تمارسه إسرائيل ضد ملايين المسلمين تحت سيطرتها، سلب الحقوق المشروعة للفلسطينيين بإقامة دولتهم على كامل الاراضي الفلسطينية، السيطرة الإسرائيلية على الاراضي المقدسة للمسلمين وخاصة القدس. ومن هنا يأتي واجب المسلمين بالعمل على تحرير اراضي المسلمين بواسطة الحرب وليس عن طريق تسوية سياسية، المرفوضة كليا. حسب الخميني، الاعتراف بإسرائيل مرفوض ايضا لان الدولة اقيمت من قبل الامبريالية الغربية كجسم غريب في قلب العالم الإسلامي، من اجل فصله وإضعافه ولتسهيل عملية استغلال بلاد المسلمين. ومن وجهة نظره، فإنه لا يوجد مجال للتسوية او التنازلات في الصراع مع إسرائيل، لانه صراع بين قوى العدل والايمان وبين قوى البغي والكفر. لذا فإن القضاء على إسرائيل وتحرير القدس هما جزء لا ينفصل من النصر النهائي للحركة الإسلامية، وهي تنبع من المبادئ الاساسية للثورة الإيرانية وللإسلام. وان الاعتراف بإسرائيل من شأنه ان يزعزع احد الدعائم التي يقوم عليها النظام في إيران.
وحتى لو كانت مسألة رفض وجود إسرائيل، هي عنصر اساسي من وجهة نظر النظام الإيراني، وعلى الاقل الجناح المتطرف فيه، الذي يقوده، فإن تفسير الامر لا يعني بالتأكيد انه لا يمكن عمل شئ بهذا الخصوص. الا انه لا يمكن الافتراض ان القيادة الإيرانية الحالية ستوافق على حق إسرائيل بالوجود، ولكن لا يمكن ان نستبعد نهائيا إمكانية تحقيق تفاهم صامت في المستقبل بين الادارة الأمريكية وبينها، يتم بموجبه توقف القادة الإيرانيين عن الحديث عن إبادة إسرائيل ونكران المحرقة. على اية حال، فإن الرئيس الإيراني نفسه امتنع منذ انتخابه عن نكران المحرقة. من خلال فهمه ان سلفه احد نجاد قد اخطأ بقيامه بذلك. ولكن ربما تكون هذه رؤية للمستقبل وعلى اية حال فإنه من الممكن ان تكون الادارة الامريكية رفضت طرح الفكرة لحين يتم الاتفاق النهائي بخصوص ذلك. وفي نظرة اكثر بعدا، في حال ادت المفاوضات إلى اتفاق نهائي مما سيؤدي إلى اجواء مريحة اكثر بين الادارة الأمريكية وإيران، وربما ايضا حوار اوسع بينهما حول بعض المواضيع المدنية الاضافية ـ كما يأمل اوباما ـ يبدو ان الادارة الأمريكية ستجد الفرصة لطرح موضوع الاعتراف من جانب إيران بحق إسرائيل بالوجود. وبنظرة بعيدة اكثر، فإن التغيير في علاقات إيران مع إسرائيل قد يحدث عندما يحدث تغييرا في طبيعة النظام الإيراني – إمكانية ممكنة الا انها لا تلوح في الافق القريب.
على الرغم من الاستنتاج التحليلي هو، ان الظروف الحالية، قبل توقيع الاتفاق النهائي، ان الادارة الأمريكية لا تعتزم طرح مسألة المطالبة بإعتراف إيران بحق إسرائيل بالوجود، الا ان الامر لا يعني انه لن يكون هناك مكان لطرحها من قبل الحكومة الإسرائيلية. بل بالعكس، فإن التفسير السليم يقول بل يجب ان يؤكد على ان سعي النظام الاصولي المتطرف في إيران ودعوته العلنية للقضاء على إسرائيل ووجود السلاح النووي بين يديه ـ ان تحقيقه سيخلق تهديدا خطيرا لامن إسرائيل. التأكيد على هذا السعي من الممكن ان يخلق تفهما لمطلب إسرائيل والربط بين المسألة النووية والاعتراف من جانب إيران بحق إسرائيل بالوجود. حتى ولو رفض الرئيس اوباما نهائيا هذا المطلب ـ يبدو انه تخوفا من فرض ضغوطات داخلية عليه ـ فإنه يمكن قبولها من قبل عدد لا بأس به من اعضاء الكونغرس، ومن وسائل الاعلام، ومن الجمهور الأمريكي ويجعل من الصعب على الادارة ان ترفض المطلب. من الواضح ان الادارة سترى بذلك محاولة اضافية من جانب حكومة إسرائيل لوضع العصا في دواليب المفاوضات وتصعيب إمكانية التوصل إلى اتفاق، وانه ما زال من الممكن ان يلاقي المطلب الإسرائيلي قبولا من قبل الكثيرين الذين يرونه منطقيا وعادلا.
نظرة عليا15/4/2015
افرايم قام