اغتيال أندريه كارلوف: الحرب من حلب إلى أنقرة

حجم الخط
0

استحوذت التطورات الميدانية في مدينة حلب على اهتمام وسائل الإعلام العالمية، وثبتت الأنظار على ما يدور من المَعارك بين أطراف مُتقاتلة، وإبرام الصفقات لإجلاء مسلحي المُعارضة ومناصريها، برعاية روسية وتركية.
إذ ما يعانيه الحلبيون، وهم واقعون بين تقاطع النيران لمجاميع مسلحة من جنسيات مُختلفة، أثار الرأي العام العالمي، إذ قامت المُظاهرات في عدة عواصم غربية، كما حَملَ رؤساء بعض الدول الأوروبية روسيا مسؤولية ما يتكبدهُ أهالي حلب في ظل أوضاع كارثية، إذ صارت الحياة في هذه المدينة وبين حطامها حياة شاقة، غير أن ذلك الاهتمام تحول مساء 19/12/2016 إلى مدينة أنقرة لإنها أصبحت مسرحاً لاغتيال السفير الروسي في تركيا أندريه كارلوف، أثناء تواجده داخل مبنى أقيم فيه معرض فني، منفذ العملية ضابط بالقوات الخاصة التركية، وهو بعدما أطلقُ النار على السفير قال بأن ما قام به هو ثأر لمدينة حلب، وجاءت هذه العملية بساعات قبل انعقاد الاجتماع بين أطراف ثلاثية (روسيا، إيران وتركيا) بشأن إمكانية انطلاقة مشروع التسوية السلمية في سوريا، وما أن تم إخلاء الجزء الشرقي من مدينة حلب من المسلحين، حتى أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضرورة الانتقال إلى مرحلة المفاوضات بين الحكومة السورية وفصائل المُعارضة.
يُذكر أن الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الأخرى تراجع دورها في الملف السوري، بحيث خلت الساحة تماما للدول الثلاث تركيا وإيران وروسيا. من المعلوم تدهورت العلاقات بين روسيا وتركيا عقب إسقاط مُقاتلة روسية بعدما حلقت في مجال الجو التركي، غير أن موقف بوتين من محاولة الانقلاب على رئيس الجمهورية التركية، ومساعدته للأخير في إحباط العملية الانقلابية رأب الصدع بين الجانبين، وبذلك دخل الملف السوري إلى مُنعطف جديد، خصوصا بعد انشغال الولايات المُتحدة الأمريكية بالانتخابات الرئاسية، وتفاقم قلق الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا، وبذلك غدت الفرصة مواتية بالنسبة لروسيا وحلفائها الانفراد بقيادة دفة الصراع على أرض الواقع. وما خدم روسيا أكثر هو تودد الرئيس الأمريكي المُنتخب لقيصر روسيا الجديد بوتين.
يرى فريق من المراقبين أن الرئيس الروسي أعاد الاعتبار لجيشه بما أنجزه في سوريا، وفك عقدة الهزيمة التي مني بها الجيش الروسي في أفغانستان، إذ نجحت روسيا في قلب موازين القوة لصالحها من خلال تواجدها الكثيف في الساحة السورية منذ سبتمبر 2015، وما أعطى زخماً للدور الروسي هو إقناع الطرف التركي بضرورة تحسين علاقته مع روسيا، بعدما تضاءل احتمال انضمام تركيا إلى منظومة الاتحاد الأوروبي، وما يكشفُ حرص تركيا على توطيد علاقتها مع الجانب الروسي أن الرئيس التركي صرح بأن الهدف من اغتيال أندريه كارلوف هو العودة بالعلاقات الروسية والتركية إلى مربع الأزمة، وما ترشح حول ردود فعل الدولتين يؤكد على عدم انسياق المسؤولين إلى اتخاذ قرارات لا تخدم مصالح تركيا ولا روسيا على المدى البعيد. كما تتفهم روسيا بأن مساندتها للنظام السوري لا يمر بدون وجود تبعات، بالطبع أن سوريا بالنسبة لروسيا تعتبرُ محوراً إستراتيجياً، لذلك فإن السلطات الروسية مستعدة لتحمل عواقب امتداداتها في المنطقة، وحمايتها للنظام السوري، ومنع مرور القرارات من مجلس الأمن ضد السلطة السورية، وهذا يعني أن روسيا بخلاف الدول الأخرى التي تطالب بتغيير القيادة السورية منخرطة فعليا في الجبهة السوريةـ ولم تتبع سياسة الإدارة من الخلف، ومن هنا يمكن أن نفهم عدم انجرارها وراء المواقف الانفعالية عقب مقتل سفيرها في أنقرة.
من المهم أن نشير في هذا السياق بأنَّ شظايا الحرب في سوريا ستطال الجميع، والدليل على ذلك أن اغتيال السفير الروسي كان متزامناً مع عملية الدهس في مدينة برلين، كما شهدت محافظة الكرك الأُردنية توتراً جراء الاشتباكات بين قوات الأمن والمسلحين، وتأتي كل هذه التطورات في مرحلة تتصاعد فيها خطابات مُتطرفة على المستوى العالمي، إذ يرى بعض المحللين أن المناخ يُذكرُ بما مر به العالم من استقطابات وتشظي الدول والإمبراطوريات قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، من هنا أدركت القيادة الروسية ما أصاب المنظمات الدولية من العطب لذلك أراد الروسُ حسم معركة حلب، قبل انتقال السلطة إلى الرئيس الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك يكون الطرفُ قابضاً على الملف السوري ومن يرغبُ أن يكون جزءًا من مشروع صياغة المُعادلة السورية، فلا بُدَّ أن يدخلَ من البوابة الروسية. ويبدو أن انهيار الاتحاد السوفييتي لم يتمخض عن وجود نظام عالمي جديد، بل كل ما نتج عن ذلك هو أن أحد قطبي الصراع استفاد من تفسخ غريمه وفرض ثقافته ونظامه على العالم، على حد قول عبدالرحمن منيف، مع ظهور القوى الجديدة واختيار الولايات المُتحدة سياسة الانكفاء وتراكم الأزمات داخل النادي الأوروبي، ويرى المراقبون في ذلك مؤشرات على ما ينتظرُ العالم من تحولات.
وفي مثل هذه الأجواء يتوقف سوق المراهنات على قوة معينة لأن كل طرف يبحث عن عوامل تمكنه من ترسيخ موطئ قدمه على الخريطة التي تتخذ شكلها من نيران الحروب المضطرمة بالوكالة، ذلك أن منطقة الشرق الأوسط تحولت إلى حلبة لهذه الحروب المُتداخلة، فكل دولة متورطة بطريقة أو أخرى في ملفات الصراع المكلفة اقتصادياً وسياسياً، غير أنَّ من يحددُ شكل الكيانات الدولية في المستقبل، ليس الأطراف الإقليمية حتى المشاركة منها بالتعمق داخل الجبهات، بل سيكون ذلك الأمر بناء على ما تتوصل إليه الدول الكبرى، كثيراً ما تسمع تصورات حول احتمال الاصطدام المباشر بين القوى العظمى، بل ذهب البعضُ إلى أن اغتيال السفير الروسي هو الشرارة الأولى للحرب العالمية، تماماً مثلما حصل في سرايفيو، إذ أدى اغتيال أرشيدوق النمسا فرانز فرديناد إلى إعلان الحرب الكونية، ولكن هذا التحليل ينقصه التبصرُ بإنه طالما هناك خيار الحرب بالوكالة فإن فرضية الاصطدام المباشر أمر مستبعد.
كاتب عراقي

 

اغتيال أندريه كارلوف: الحرب من حلب إلى أنقرة

كه يلان محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية