إسطنبول ـ «القدس العربي»: في كل ساعة تتكشف مزيد من التفاصيل والخفايا المتعلقة بحادثة اغتيال السفير الروسي في العاصمة التركية أنقرة، مساء الاثنين، حيث نشرت وسائل الإعلام التركية الكثير من الخفايا المتعلقة بالفشل الأمني وهوية القاتل المحترف وكيفية دخوله القاعة وتنفيذ الهجوم، بالإضافة إلى سيناريوهات التحقيق والتبعات المتوقعة للحادثة.
منفذ الهجوم هو «مولود مرت ألطن طاش» من مواليد ولاية أيدن غربي البلاد، ويعمل في قوات مكافحة الشغب بأنقرة منذ عامين ونصف، وهو من مواليد عام 1994، حيث قتل بعد اشتباك استمر لمدة 15 دقيقة مع القوات الخاصة التي حاصرت المكان بعد أن رفض الاستسلام.
وقالت وسائل إعلام تركية إن الشرطي استخدم بطاقة الشرطة التي يحملها للدخول إلى المعرض بسلاحه، وبعد أن تسبب السلاح الذي حمله بإطلاق إنذار جهاز رصد المعادن على بوابة القاعة تمكن من تدارك المشكلة بعد أن أبرز بطاقته الشرطية حيث سمح له بالمرور.
وحسب تسجيل الفيديو الذي يظهر تفاصيل الحادثة، صرخ المهاجم بالقول: «الله أكبر»، ومن ثم «نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد»، مضيفاً: «لا تنسوا حلب، لا تنسوا سوريا»، «كل من له يد في هذا الظلم سيدفع الحساب» و»ما لم تكن بلادنا في أمان فإنكم أنتم أيضاً لن تتذوقوه».
وعن تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة المهاجم، أوضحت مصادر تركية أن «مولود مرت ألتنتاش» تمكن من مغادرة عمله ليلة الهجوم، بعد أن قدَّم لمديره تقريراً طبياً حصل من خلاله على إذن للمغادرة، ومن ثم حجز غرفة في فندق يقع في منطقة قريبة جداً من القاعة التي حدثت بها عملية الاغتيال، وفي داخل غرفته وضع المهاجم خطته النهائية للعملية بعد أن حلق ذقنه وارتدى بدلة رسمية أنيقة ووصل مشياً على الأقدام إلى هدفه المنشود.
مصادر تركية أكدت أيضاً أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن المهاجم زار مقر القاعة التي جرت فيها الحادثة قبيل ثلاثة أيام وأظهرت مقاطع صورتها كاميرات المراقبة المهاجم وهو يتفقد المكان.
صحيفة «صباح» المقربة من الحكومة نشرت وثيق تظهر حصول المهاجم على إذن من عمله يوم محاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من تموز/ يوليو الماضي، ملمحة بذلك إلى احتمال أنه كان يتبع لجماعة غولن أو ما تسميه الحكومة بـ»الكيان الموازي»، ولفتت إلى أن السلطات حققت في وقت سابق مع الشرطي منفذ الهجوم، على خلفية انتمائه لجماعة الخدمة التي يقودها غولن.
وفي تصريح لافت، قالت «ماريا زاخروفا» المتحدثة باسم الخارجية الروسية إن «السفير كان الاسم الوسيط في التواصل مع المعارضة السورية، وكان يسعى دائما إلى خلق سبل الحوار معهم»، مضيفة: «كارلوف كان الاسم المفتاح في المباحثات التي لها علاقة بسوريا، وكان على دراية كبيرة بالكيفية التي توصّل بها الإرهابيون إلى ما هم عليه، وكان يعلم جيدا كيف يقوم الإرهاب بنشر أفكاره الإرهابية، وكان يعلم أن بدء مرحلة الحلول السياسية لن يكون بالسهل».
حسب آخر التقارير الصادرة على دائرة الطب الشرعي في تركيا فقد أطلق المهاجم على السفير 11 طلقة استقرت 9 منها بجسده، على عكس ما أشارت إليه أنباء سابقة عن إصابته بـ4 رصاصات، فيما لفتت وسائل إعلام تركية إلى أن السفير قُتل منذ اللحظة الأولى لإصابته لكن الجهات الرسمية فضلت تأخير الإعلام رسمياً لبعض الوقت.
وعقب الهجوم مباشرة، كان السؤال الأبرز هو «أين الحرس الشخصي للسفير»، ورداً على هذا السؤال قال صحافيون أتراك مقربون من السفير إنه لم يكن يرغب على الدوام باصطحاب حراسه معه ولم يكن لهم دور فعلي في حياته العملية. وقالت صحيفة حرييت إن السفير صرح سابقاً إنه «لا حاجة لديه لاستخدام إجراءات إضافية لحمايته»، ولفتت إلى أنه لم يعتد على استخدام السيارات المدرعة أيضاً.
وفي إطار التحقيقات المتواصلة، استدعت السلطات التركية عددا من أقارب منفذ الهجوم، حيث أوقفت مديرية أمن ولاية «أيدن» التي ينحدر منها المنفذ والديه، وشقيقته، واثنين من أقربائه للتحقيق معهم.
وجرت في العاصمة التركية أنقرة مراسم رسمية لوداع جثمان السفير الروسي قبيل إرساله إلى موسكو، شارك فيها عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الأتراك وتخللها مراسم عسكرية، فيما أعلنت وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن «السلطات التركية قررت تخليد ذكرى السفير الروسي أندريه كارلوف، من خلال إطلاق اسمه على الشارع الذي توجد فيه السفارة الروسية في المدينة».
المصور برهان أوزبيليجي ملتقط لحظة اغتيال السفير بات حديث وسائل الإعلام التركية، وقال في أحد تصريحاته: «كان الحدث يبدو روتينياً، حيث يتم افتتاح معرض لصور روسية. ولذا حينما أخرج رجل يرتدي بزة سوداء مسدسه، شعرت بالذهول الشديد وظننت الأمر مشهداً مسرحياً».
ويضيف: «كنت أشعر بالخوف بالطبع، وأعلم الخطر المُحدق بي إذا ما التفت المسلح نحوي؛ ولكني تقدمت قليلاً للأمام وقمت بتصوير الرجل»، وتابع: «قلت لنفسي أنا هنا. وحتى لو تعرضت للإصابة أو الموت، فأنا صحافي ولا بد أن أقوم بعملي». ووصف المهاجم بالقول: «كان يتحكم في أعصابه بصورة غريبة.. حينما عدت إلى المكتب لتحميض صوري، صُدمت حينما رأيت أن المسلح كان يقف خلف السفير أثناء إلقاء كلمته، كما لو كان صديقاً أو حارساً شخصياً».
وبعد أن اتفق أردوغان وبوتين على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة في حادثة اغتيال السفير، وصل الثلاثاء فريق من المحققين الروس يتكون من 18 محققا من عناصر أجهزة الاستخبارات ودبلوماسيين روس لتوضيح ملابسات اغتيال السفير.
وفي تبعات الحادثة، أغلقت السفارة الأمريكية في أنقرة وقنصلياتها في إسطنبول وأضنة، الثلاثاء، أبوابها «خوفاً من تعرضها لحوادث مماثلة»، في حين قررت الخارجية الإيرانية إغلاق قنصلياتها في مدن إسطنبول وطرابزون وأرضروم، وطالبت مواطنيها في تركيا بعدم مراجعة القنصليات.