اغتيال كينيدي… الغموض والمؤامرة والمصادفة

حجم الخط
7

في أواخر السبعينيات أو أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، تابعتُ مع والدي برنامجاً وثائقياً عن اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق «جون كينيدي». وما زلتُ أذكر تأثري البالغ بمشهد الاغتيال وبالأخص لحظة إصابته في رأسه بالطلقة الثانية «القاتلة» وردّة فعل زوجته «جاكلين» التي اندفعت نحو مؤخرة السيارة المكشوفة في حركة تلقائيّة لالتقاط الأجزاء التي تناثرت من جمجمته، حيث بدت عليها ملامح الصدمة من هول ما حدث.
كنت صغيراً حينها، ولم أستوعب الهدف من حركتها تلك، لولا تعليق والدي على الحدث الذي بقي محفوراً في ذاكرتي تاركاً بصمة عميقة. لاحقاً، قمت بتَتبّع سيرة الرئيس الراحل، وكنت ازداد إعجاباً بشخصيته، كلما ازداد وعيي لأمور الحياة والسياسة. راقت لي رسالته في الحياة التي كرّس نفسه لتحقيقها، ومع مرور الزمن وصلت إلى قناعة بأن اغتياله كان مُتوقعاً في أي لحظة، بالنظر إلى رؤيته السابقة لزمانه، والتي تسبّبت باكتسابه العديد من الأعداء عبر مشواره السياسي القصير نسبياً، ولكنه عميق التأثير في المرحلة التي عاشها.
تُصادف اليوم الذكرى الثانية والخمسين لاغتيال كينيدي، أصغر رئيس أمريكي على الإطلاق ( ثلاثة وأربعين عاماً حين تولى الرئاسة )، والرئيس الأمريكي الوحيد من الطائفة الكاثوليكية، الذي يعود له الفضل في إلغاء قوانين التمييز العنصري ونيل الأمريكان السود حقوقهم الدستورية والمدنية، رغم الاحتجاجات الشعبيّة وعدم تقبل المجتمع الأمريكي لذلك. وكان أول رئيس أمريكي يعيّن مواطناً من أصول أفريقيّة في منصب رفيع في البيت الأبيض رغم اعتراض طاقمه الإداري، كما شهدت فترة ولايته قفزة كبيرة في مجال حقوق المرأة، واصطبغت سياسته الداخلية بدعم الفئات الفقيرة من الشعب.
من مساهماته أيضاً، دعم مشاريع وكالة الفضاء «ناسا»، وعلى رأسها مشروع «أبولو» بعد أن طرح هدفاً بعيد المدى للعاملين في الوكالة ( يجب علينا وضع إنسان على القمر وإرجاعه إلى الأرض سالماً).
على الصعيد السياسي، شهدت فترة حكمه توترات كبيرة مع الاتحاد السوفياتي كادت تصل إلى حد المواجهة العسكرية المفتوحة، ولكن كيندي نجح في قيادة دفة الصراع بالحكمة والتنويع بين المرونة والشدّة، مخالفاً توصيات القيادات العسكرية والأمنية في كثير من الأحيان، حيث نجح في تحقيق انتصارات سياسية عديدة واكتساب شعبية جماهيرية كبيرة، إلاّ أن سياسته تلك خلقت له الكثير من الأعداء في دوائر صنع القرار الأمريكي الذين تم تهميش دورهم والتقليل من صلاحياتهم خصوصاً مع وجود أخيه «روبرت كينيدي» في منصب مدير مكتب الإدعاء العام، الذي كان داعماً كبيراً له وسبباً أضافياً في زيادة أعدائه.
أما على الصعيد الشخصي، فقد تمتع «جون كينيدي» بشخصية جذّابة وكاريزما حيوية واتّسم بروح الفكاهة التي ساهمت في خلق أجواء من المرح في خطاباته ومؤتمراته الصحافيّة. من أشد عيوبه التي تركت نقطة سوداء في تاريخه، علاقاته الغراميّة خارج إطار الزوجية ومن أشهرها علاقته مع نجمة هوليوود الشقراء «مارلين مونرو».
تعتبر حادثة اغتيال كينيدي من أكثر الاغتيالات السياسية المثيرة للاهتمام، ليس فقط بسبب تراجيديا الحادثة، ولكن بفضل الغموض الذي اكتنفها، ولم يتم فك طلاسمه لغاية اللحظة، حتى أن تصوير مشهد الاغتيال كان مجرد مصادفة يعود الفضل فيها إلى أحد السكان المحليين من هواة التصوير والذي تصادف أن يكون في المكان والزمان المناسبين. ويشاء القدر أن يحصل على عائد مالي ضخم مقابل بيع التسجيل لإحدى القنوات.
هناك من يتحدث عن مؤامرة داخلية تم الإعداد لها بعناية داخل أروقة الأجهزة الأمنية والمخابراتية الأمريكية، ولا يُستبعد أن يكون لعصابات المافيا يد فيها بعد أن حاربها الأخوان كينيدي بضراوة وساهما في سنّ القوانين التي تحد من نشاط هذه الجماعات، بهدف القضاء على النشاطات الإجراميّة في البلاد، ومما يدعم هذه النظرية أن المتهم الرئيس في اغتيال كينيدي قد تم تصفيته قبل أن يُقدّم للمحاكمة ودون أن يعترف بالجريمة! يُضاف إلى ذلك أن ظروف الاغتيال تشير إلى عملية منظمة ودقيقة وليس مجرد عمل فردي.
بعيداً عن المؤامرة المُفترضة، تأتي المُصادفة التي لعب فيها القدر دوراً إضافياً لتعزيز الغموض الذي يحيط بالحدث، فحالة الطقس قبل يوم من الاغتيال كانت تشير إلى جو غائم وماطر ولكن الشمس سطعت بشكل غريب صباح يوم الحادثة مما حدا بالرئيس كينيدي الطلب من مرافقيه كشف السقف المتحرك للسيارة كي يتمكن من تبادل التحية مع الجماهير والتلويح لهم. يا لها من مصادفة غريبة أدت إلى انكشافه تماماً أمام قاتله!
لم تقف المصادفة «القدريّة» عند هذا الحد، فبعد أن أصيب الرئيس كينيدي برصاصة من الخلف – لم تكن قاتلة – كان من المُفترض أن تؤدي إلى انحنائه إلى الإمام، ولو تم ذلك لتعذّر على القناص الآخر أن يتمكن من إصابته في رأسه من الأمام، ولكن الرئيس كينيدي بقي في وضعية الجلوس نفسها نتيجة ارتدائه مشدّاً للظهر من نوعية قاسية وصلبة كان معتاداً على استخدامه للحد من أعراض الديسك، حيث يعمل هذا المشدّ على تثبيت الجزء الأعلى من الجسم، وهذا ما أعاق حركة الرئيس كينيدي وساهم في إبقاء رأسه مرفوعاً مما تسبب بمقتله!
مأساة جون كيندي هي جزء من مأساة كبيرة عانت منها عائلته بأكملها، فشقيقه الأكبر «جوزيف» قُتل في سقوط طائرته أثناء مشاركته في الحرب العالمية الثانية، أما شقيقه الأصغر وذراعه اليمنى «روبرت»، فقد اغتيل هو أيضاً بعدما ترشّح للانتخابات الرئاسية عام 1968، في حين توفي نجله الأكبر «جون الابن» في حادث تحطم طائرة عام 1999!
الغموض والمؤامرة والمصادفة، عنوان سيرة عائلة كينيدي، والفرد الأبرز فيها، جون كينيدي. ويبقى السؤال هل سيتم في المستقبل القريب نشر معلومات سريّة تساهم في إزالة هذا الغموض؟!

أيمن أبولبن
كاتب ومُدوّن من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية