اقتتال الفلسطينيين بدلا من قتل الإسرائيليين؟

حجم الخط
1

تواجه «إسرائيل» المعضلة الأمنية الأعظم في تاريخ احتلالها فلسطين. إنها استشراء العنف ضدها في عمقها: في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. ازدادت المعضلة تعقيدا بانقسام المؤسسة السياسية الصهيونية الحاكمة على نفسها حيال قضايا وتحديات عدة، ليس أقلها كيفية مواجهة المقاومة الفلسطينية المتصاعدة.
غير أن الخلاف حول معالجة المعضلة لا يعطّل البتة تصميم تلاوين الطيف الإسرائيلي جميعا على مواجهة الوجود الفلسطيني بدرجة قصوى من العنف، تصل الى حدود المقاطعة والعزل والاقتتال، والقتل والتدمير والاقتلاع.
المقاطعة تتمثل في منع الفلسطينيين من قيادة الحافلات العامة، والفصل بين الاوتوبيسات التي تنقل يهودا وتلك التي تنقل فلسطينيين، ناهيك عن مقاطعة المنتوجات الفلسطينية المنشأ. كما تتمثل في حظر جزئي على تشغيل العرب في المؤسسات الإسرائيلية، ما يعطل اليد العاملة العربية في قطاع البناء.
العزل يتمثّل في التدابير العقابية القاسية التي تتخذها الشرطة والجيش الإسرائيليان بوضع الحواجز الإسمنتية على مداخل الأحياء العربية، وقطع الطرق التي تربط بين الأحياء العربية والأحياء الإسرائيلية في القدس، ناهيك عن وضع آلاف الحواجز الثابتة والمتنقلة في مختلف الشوارع والطرق داخل المدن والبلدات، وفي ما بينها على امتداد الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها.
الاقتتال يتمثّل في اعتماد قاعدة «فرّق تسد» الاستعمارية، وذلك باستغلال النزاعات الإثنية والدينية بغية الإيقاع بين الأقليات وتحريضها على بعضها بعضا. فقد عمدت أجهزة الإعلام الصهيونية إلى ترويج أخبار مسمومة عن ان الشجار الذي وقع في قرية أبو سنان المختلطة كان بسبب إهانة شاب درزي لفتاة سنّية، أو أنه كان ردا درزيا على مقتل الضابط الدرزي جدعان أسعد في هجوم الدهس الذي جرى في القدس، أو أنه كان ردا سنيّا على مقتل خير الدين حمدان على يد شرطي درزي من حرس الحدود في قرية كفركنا، ناهيك عن استغلال نواحي التمييز في المعاملة، كإخضاع الدروز والبدو وبعض المنتمين الى مذاهب مسيحية الى الخدمة في الجيش والشرطة. أساليب التمييز والتفريق والتحريض هذه تسبّبت بوقوع بعض حوادث الاقتتال داخل المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، قالت عنها صحيفة «هآرتس»(18/11/2014) انها عزّزت دعوى أجهزة الأمن بأن ما جرى ويجري هو مواجهة بين «عرب يعتدون على عرب».
القتل يتمثّل في تعمّد رجال الشرطة قتل الفلسطينيين المشاركين في اشتباكات أمنية او عمليات مقاومة، وتجنّب القبض عليهم أحياء، الامر الذي يلامس حـدّ الابادة. فوق ذلك، صادق وزير الشرطة اسحق اهروموفيتش على «تسهيلات» لليهود في حمل السلاح، من شأنها أن تسمح لغالبية جمهورهم بهذا «الامتياز»، كما السماح لعناصر الأمن والحراسة بالاحتفاظ بالسلاح لدى انتهاء ساعات الدوام، والعودة به الى المنزل، إضافةً الى ذلك، جرى تشكيل جسم أمني جديد في مدينة القدس تحت مسمى «الحرس المدني»، بدعوى مساعدة الشرطة. هذه التدابير ستؤدي لا محالة الى تصعيد وتيرة قتل الفلسطينيين، مقاومين ومدنيين.
التدمير يتمثّل في قيام الشرطة الإسرائيلية بهدم منازل منفذي العمليات الفدائية، وهو عقاب جماعي يؤذي أفراد عائلاتهم، الذين لا عــــلاقة لهم غالبا بالعمل المشكو منه. هذا التدبير الانتقامي الفاجر أثار تحفظا حتى بين اليهود أنفسهم، ليس لكونه مخالفا لأبسط قواعد العدالة وحقوق الإنسان، بل لكونه يؤدي إلى «إلهاب المشاعر، في وقت يقتضي الامتناع عنه على الاقل في الفترة الحالية» (…) «ولأن إسرائيل لا تهدم منازل مخربين يهود» («يديعوت أحرونوت» 18/11/2014).
الاقتلاع يتمثّل في سحب حق الإقامة في «إسرائيل» من أي شخص تتم إدانته بارتكاب عملية «إرهابية». رئيسة كتلة «البيت اليهودي» في الكنيست اييلت شاكيد قدمت مشروع قانون في هذا الصدد، ولا يبدو انه سيلقى معارضة وازنة. إن خطورة هذا التدبير التعسفي المنافي لحقوق الإنسان تكمن في ان سكان القدس من العرب الفلسطينيين ليسوا، بموجب «القوانين « الاسرائيلية، مواطنين كغيرهم من حَمَلة الهوية الفلسطينية في الضفة الغربية، بل مجرد مقيمين يحملون بطاقات إقامة «تمنحها» السلطات الإسرائيلية وتستطيع سحبها متى تريد، ولا سيما بعد إقرار قانون سحب الإقامة.
هكذا يتضح أن الفلسطينيين يواجهون حملة ترهيب وعزل وتجويع وتقتيل واقتـــلاع وتهجـــير إسرائيلية متكاملة، وإن «اسرائيل» تستغل بلا هــوادة واقع انقسام العرب وتشرذمهم وتناحرهم وضعفهم المتفاقم، من أجل تصفية ما تبقّى من قضية فلسطين، بل تصفية الوجود الفلسطيني نفسه بتصميم ومنهجية متدرّجة وهادفة.
أمام هذا المخطط الإسرائيلي الكارثي، لا يستطيع الفلسطينيون، كما العرب، البقاء أحرارا آمنين بممارسة المزيد من الشيء نفسه، أي بمتابعة المناهج والسياسات والمواقف الراهنة التي أدّت الى ما هم فيه وعليه من فُرقة وتناحر وضعف وتخلّف وركود مميت. يقتضي النهوض لمواجهة التحديات الماثلة والقاتلة باستراتيجية متكاملة، لعل اهم قواعدها خمس:
اولاها، المسارعة الى تحقيق المصالحة الوطنية والوحدة الفلسطينية بلا إبطاء وترجمتها بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على نحوٍ تصبح معه جسم الشعب الفلسطيني وعقله وسواعده الناهضة بموجبات المقاومة والتحرير والبناء والتنمية.
ثانيتها، شن حملة فلسطينية وعربية في المحافل الدولية والشعبية لإثبات واقع احتلال اسرائيل للضفة الغربية، وأن جهود دولة فلسطين ونضالات الشعب الفلسطيني هدفها تحرير البلاد من الاحتلال بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ثالثتها، تسريع انضمام دولة فلسطين الى المعاهدات والمواثيق الدولية التي من شأنها دعم سيادتها ومكانتها وفعاليتها، ولاسيما اتفاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي مراجعتها لملاحقة ومحاكمة قادة «اسرائيل» السياسيين والعسكريين مقترفي جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية، وانتهاك حقوق شعب فلسطين المحتلة أرضه وطرده من دياره، ونقل أفراد وجماعات من شعب آخر للاستيطان في بلاده وانتزاع ممتلكاته.
رابعتها، وضع وتنفيذ استراتيجية متكاملة للمقاومة والتحرير تنهض بها مختلف تنظيمات المقاومة الفلسطينية والعربية لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، عربيا وإقليميا ودوليا، على جميع المستويات وبمختلف أنواع الأسلحة المشروعة.
خامستها، الغاء المعاهدات المعقودة بين بعض الدول العربية و»اسرائيل» وقطع العلاقات السياسية والاقتصادية معها، وإعادة فرض نظام المقاطعة الشاملة عليها. هكذا يتضح ان العرب يواجهون، بلا مبالغة، تحدي الاختيار بين نهجين: القعود والركود ليموتوا بأيدي بعضهم بعضا، تناحرا واقتتالا وبأيدي «اسرائيل» وحلفائها نحرا وقتلا، أو النهوض لمواجهة العدو الصهيوني وحلفائه بتصميمٍ واقتدار وبكل الوسائل المتاحة للبقاء على قيد الحياة بحرية وكرامة وأمان.
فهل يجوز التردد في الاختيار؟

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية