اقتصاد كردستان بين فاتورة الحرب وتدهور أسعار النفط

منذ ان اندلعت المواجهات في حزيران/يونيو 2014 بين تنظيم الدولة من جهة والقوات الحكومية والبيشمركة الكردية من جهة أخرى ومؤشرات الأزمة الاقتصادية في إقليم كردستان في ازدياد مضطرد، حتى وصلت مديات غير مسبوقة حين عجزت حكومة الإقليم عن دفع مستحقات العاملين في القطاع الحكومي، ما أجج موجة من المظاهرات في مدن الإقليم اصدمت مع قوات الأمن وراح ضحيتها في الاسبوع الماضي عددا من المتظاهرين قضوا برصاص قوات الأمن.
«الاقتصاد الريعي» هو أفضل توصيف لاقتصاد إقليم كردستان، كما هو حال العراق ككل، وبالرغم من ان الإقليم قد تمتع بحالة استقلال غير معلنة عن بغداد منذ ما يقرب من الربع قرن فهو لم يشهد تنمية اقتصادية متوازنة تتحقق بناء على خطط تنموية تتبناها الحكومات المحلية، فبعد حرب الخليج عام 1991 وقيام الانتفاضة في العديد من مدن العراق، انسحبت قوات الجيش العراقي من مدن الإقليم الثلاث وتشكلت حكومتان كردية، واحدة في السليمانية يقودها الرئيس جلال طالباني وحزبه الاتحاد الوطني الكردستاني وأخرى في أربيل يقودها الرئيس مسعود بارزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني، وبعد ان اقرت منظمة الأمم المتحدة برنامج النفط مقابل الغذاء لتخفيف آثار الحصار على الشعب العراقي، كان لكردستان حصة من النفط العراقي المباع عبر لجان الأمم المتحدة بالاضافة إلى مدخولات حكومة كردستان من جباية الضرائب الكمركية على الواردات وبشكل خاص على المعبر الاهم (ابراهيم الخليل) في محافظة دهوك ما ادى إلى انفراد أحد الحزبين بالموارد المالية، وهذا بالإضافة إلى أسباب أخرى ما اشعل نار الحرب الأهلية بين الطرفين، ودام الصراع لعدة سنوات، وبعد تدخل أكثر من طرف دولي تمت المصالحة وابتدأ السعي لتوحيد حكومة الإقليم. وبعد الغزو الأمريكي واسقاط نظام صدام حسين ارتبط الاقتصاد الكردي بموضوع السيادة ومحاولة الاستقلال، اذ ان العديد من المناطق الغنية بالنفط تقع (خارج الخط الاخضر) الذي يحدد المناطق التي كانت تسيطر عليها الحكومة الكردية قبل 2003 . ولكن مع الغزو الأمريكي اندفعت قوات البيشمركة وسيطرت على بعض المناطق التي عرَفت في دستور 2005 بـ (المناطق المتنازع عليها) وقد تم الاتفاق على آلية لتطبيع الأوضاع وحل المشكلة بين بغداد وأربيل الا ان كل الخطوات تعثرت لأسباب اقتصادية وبشكل خاص لارتباط هذا النزاع بملف النفط والغاز.

النفط والغاز

لطالما شكلت الثروات الطبيعية في الإقليم المحور الأساسي الذي تبنى عليه أحلام الكرد باقامة دولتهم القومية، وقد حانت الفرصة الذهبية بعد الغزو الأمريكي. ففي عهد حكومة اياد علاوي المؤقتة سنة 2004، قرر مجلس الوزراء ان تكون حصة الإقليم (17٪ ) من الموازنة الاتحادية السنوية بناء على تقدير سكان الإقليم بالنسبة لسكان العراق، يستقطع منها (المصروفات السيادية، كلفة المشاريع التي تنفذها الحكومة المركزية للإقليم، وتسوية العائدات المحلية للإقليم من الضرائب والرسوم بالاضافة إلى حصة البترودولار بواقع دولار واحد عن كل برميل مباع من نفط الإقليم). وبعد الانتخابات التشريعية الاولى في عام 2005 واقرار الدستور العراقي الدائم في السنة نفسها، ظهرت اشكالات بين الحكومات المتعاقبة وحكومة إقليم كردستان على هذه النسبة واسس احتسابها، وجرت محاولات لتخفيضها لتكون بين 10٪ ـ 13٪ لكن ذلك لم يتحقق لعدم وجود احصائيات دقيقة لسكان العراق أو سكان الإقليم.
اذا نظرنا إلى الموازنة العراقية لعام 2013 على سبيل المثال، نجد انها قد بلغت 119 مليار دولار وبذلك تكون حصة الإقليم بعد الاستقطاعات أكثر من 16 مليار دولار، لإقليم عدد سكانه حوالي خمسة ملايين ونصف. من ذلك يتضح ان مداخيل الإقليم كانت عالية جدا، إلا ان سياسة (الدولة الريعية) التي انتهجتها حكومة الإقليم صرفت المبالغ بطريقة غير حكيمة وكما يلي: حوالي (70٪ ) من الإيرادات للنفقات التشغيلية (الرواتب والاجور)، وحوالي (10٪ ) كنفقات استهلاكية اخرى، بحيث لا يتبقى للاستثمار سوى (20٪ ) . ومع استشراء الفساد والمحسوبية على أساس الحزبية والمناطقية بقي الاقتصاد الكردي يعاني العديد من المشاكل خصوصا بعد انهيار أسعار النفط العالمية من 96 دولارا إلى أقل من 50 دولارا أي تراجع بحوالي نصف القيمة، ما جعل حكومة الإقليم غير قادرة على الالتزام بتنفيذ التزاماتها، وحتى الاتفاقية الأخيرة التي أبرمت في كانون الاول/ديسمبر2014 بين حكومة العبادي وحكومة الإقليم على ان يسلم الإقليم إلى المركز( 550 ) ألف برميل نفط يوميا – (300 ) ألف من حقل نفط كركوك و(250 ) ألفا من إنتاج نفط الإقليم مقابل حصوله على حصته البالغة ( 17٪ ) من الموازنة الاتحادية، لم تستطع كردستان الايفاء بها، لذلك أعلنت حكومة الإقليم انها مضطرة لبيع جزء من النفط مباشرة إلى الجهات الخارجية عن طريق الشركات الأجنبية وذلك لتدارك الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ما أعاد اثارة مشكلة مزمنة بين بغداد وأربيل.
مع سير الإقليم بشكل مضطرد نحو تطوير موارده من النفط والغاز بشكل مستقل عن الحكومة الاتحادية في بغداد، كانت العقبة الحقيقية التي تقف بوجه هذا التطوير هو منافذ البيع والتسويق المستقلة. إذ لا يوجد أمام كردستان إلا خياران لا ثالث لهما، اما التصدير عبر منافذ البيع العراقية أو التصدير إلى تركيا، وحتى هذا الخيار لا يتم إلا عبر الخط العراقي الممتد من كركوك إلى ميناء جيهان التركي أو بواسطة الصهاريج وهي عموما كمية قليلة نسبيا لا تعتمد عليها اقتصادات الدول، لذلك حرصت حكومة الإقليم على اجتذاب الشركات الغربية، خصوصاً من الولايات المتحدة وتركيا، على أمل الحصول على الدعم السياسي وحتى الحماية المادية من قبل حكومات تلك البلدان إذا تعرضت مكاسب الكرد للتهديد. وفي زيارته لواشنطن في نيسان/ابريل 2012 سعى رئيس الإقليم مسعود بارزاني، لإقناع إدارة أوباما بالموافقة على «علاقة خاصة» بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان، يكون أحد عناصرها ضمانة أمنية تمنحها الولايات المتحدة للإقليم ومنحها الضوء الأخضر لمد أنبوب نفط ينطلق مباشرة من إقليم كردستان إلى تركيا تنفذه شركات أمريكية.
وعلى امتداد أكثر من عقد كانت المشاكل بين الإقليم والمركز جدية وجوهرية حول احتساب حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، الطاقة الإنتاجية والتسويقية للنفط المنتج من الإقليم، الصلاحيات القانونية للطرفين للتصرف بنفط الإقليم، ومستحقات شركات النفط الأجنبية المستثمرة في الإقليم، فقد سعت حكومة كردستان إلى عقود مشاركة مع الشركات الأجنبية العاملة في أراضيها، وبموجب اتفاقية المشاركة فإن الشركات تحصل مقابل استثماراتها، وعملها والمخاطر التجارية والسياسية التي تتعرض لها، نسبة من الأرباح وليس تعويضاً عن خدماتها، كما تفضل بغداد. بالإضافة إلى ذلك، أن الاتفاقيات تسمح لها بوضع الاحتياطات النفطية التي تكتشفها تحت سيطرتها، ما يساعد على رفع قيمة أسهمها في البورصة. وقد اعتبرت حكومة بغداد ان مثل هذه الممارسات غير مقبولة لانها تنقل السيطرة على الموارد الوطنية إلى الأجانب، لذلك هددت الشركات التي تعقد اتفاقات منفردة مع الإقليم بحرمانها من الاستثمار في العراق ما زاد في توتر الأجواء بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية.

فاتورة الحرب

لقد كان للحرب الدائرة في المنطقة انعكاساتها على الإقليم، فقد مثلت مدن كردستان ملاذا آمنا للعديد من النخب والعقول العراقية الهاربة من الصراع الطائفي الدائر في مدن وسط وجنوب العراق منذ 2003 ما جعلها تشارك في بناء وتطوير الإقليم، ولان حكومة الإقليم تبنت سياسة (السوق المفتوح) بشكل عشوائي دون دراسة أو تخطيط، فقد انصبت الاستثمارات على قطاع السياحة والعقار الذي تضخم بشكل أوصله إلى ما يعرف بـ (الفقاعة الاقتصادية) القائمة على تضخم قيم العقار بصورة غير حقيقية بسبب المضاربات التي استفاد منها عدد قليل من المضاربين والسماسرة الذين تلوثت سمعتهم بشبهات فساد طالت عددا من الساسة والموظفين العمومين في الإقليم، ولم تصرف المبالغ الهائلة التي حصل عليها الإقليم على مدار أكثر من عقد من الانتعاش النفطي في تنمية الصناعة أو الزراعة ،علما ان الإقليم غني بأمكاناته الزراعية من وفرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة وتوفر الأيدي العاملة، لكن هذا القطاع المهم قد ترك دون تطوير أو ادخال المكننة الحديثة أو حتى توفير الحماية من منافسة البضائع المستوردة، حتى تحولت كردستان التي كانت منتجا أساسيا للقمح العراقي إلى مستورد له. ان السوق الكردي اليوم تسيطر عليه ثلاثة أطراف تحديدا بحسب تقارير المنتدى الاقتصادي في كردستان، هي تركيا بنسبة 35٪ من ميزان التبادل التجاري تتبعها الصين بنسبة 30٪ ثم إيران بنسبة 25٪ ، وهذه المناشئ الثلاثة تغرق السوق ببضائع ذات جودة منخفضة يعاني منها المستهلك الذي لا تسعفه جهات رقابة الجودة أو منظمات حماية المستهلك، فحتى الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية في الإقليم قليل الخبرة ولا يمتلك الامكانات التقنية التي يجب ان تتوفر للــســيطرة على البضائع المــتدفـقة عبر نقاط الحدود، بالإضافة إلى شبــهات الفساد التي تطال العاملين في مجال الرقابة والسيطرة النوعية.
ومع اشتعال الحرب الأهلية في سوريا وظهور تنظيم الدولة على خريطة الصراع ابتدأ تدفق الآلاف من أكراد سوريا إلى الإقليم ما أثقل كاهل حكومة الإقليم وأظهر عجزها عن استيعاب هذه الأعداد وما لبثت ان انضمت لهم موجات المهاجرين من المدن التي احتلها تنظيم الدولة في العراق ما زاد الطين بلة. فمنذ حزيران/يونيو 2014 وتنظيم الدولة يهدد الإقليم الذي أصبح على مرمى حجر من عاصمته أربيل. ابتدأت الحرب ضد تنظيم الدولة وما يمثله من خطر يتوجب مواجهته حشد كل الطاقات، ومع تدفق الدعم الدولي للأكراد إلا ان الخطر الأكبر تمثل في تهديد المناطق الغنية بالنفط في سهل نينوى وكركوك التي سيطرت عليها البيشمركة الكردية. لكن للحرب الدائرة الآن فاتورتها الباهظة، حيث ادى احتلال تنظيم الدولة للمناطق الغنية بالنفط إلى إلحاق الخسائر بالمشاريع النفطية التي تقدر بحوالي (20 مليار دولار) بموجب تقرير وزارة النفط العراقية، ناهيك عن الخسائر السنوية التي تقدر بحوالي ( 18 مليار دولار) نتيجة توقف تصدير حوالي 500 ألف برميل/يوميًا منذ عام 2014.
لقد أدت الحرب والتهديدات المصاحبة لها إلى هروب المستثمرين الأجانب والمحليين من إقليم كردستان ما أصاب اقتصاد الإقليم بحالة من من الركود المترافق مع القلق من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتدنّي القوى الشرائية، واتّساع رقعة الفقر والبطالة(حوالي 40 ٪ بين الشباب) وتراجع أجور الموظفين تدريجاً، ما لم يشهده الإقليم في أحلك الأوقات. يضاف إلى كل ذلك الأزمة السياسية التي نجمت عن الفراغ الدستوري نتيجة انتهاء ولاية الرئيس مسعود بارزاني منذ اب/اغسطس الماضي وعجز الشركاء السياسيين في الإقليم عن التوصل إلى حل للأزمة، وبعد طرد أعضاء البرلمان والوزراء التابعين لحركة تغيير التي يرأسها انوشيروان مصطفى من أربيل، وصل الحال السياسي في الإقليم إلى مديات تنذر بخطر التفكك السياسي والعودة إلى انقسام واحتراب شبيه بما حصل في منتصف التسعينيات، كل ذلك زاد من مأساة المواطن الكردي ودفع بالآلاف منهم إلى الهجرة إلى المجهول في قوارب الموت بغية الوصول إلى أمان البر الأوروبي.

صادق الطائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية