شهيرة النكتة التالية: رجل المباحث الشهير شارلوك هولمز خرج للنزهة في أحضان الطبيعة مع مساعده د. وتسون. وفي الليل ناما في خيمة. وفجأة استيقظ شارلوك، أيقظ وتسون وسأله: «ماذا ترى؟ «النجوم»، اجابه مساعده. «جميل»، عقّب شارلوك وسأل: «ما معنى ما تراه وما الاستنتاج؟». فبدأ وتسون يبحر في مزايا الكواكب، وعندها قاطعه شارلوك: «دعك، ألا ترى أنهم سرقوا لنا الخيمة؟». يخيل لي أن أكثر من أن تكون نكتة، يوجد هنا درس استثنائي في فهم الواقع، وفي عدم فهمه المطلق. وفي ما يلي من مقال أجدني معنيا في أن اعرض الواقع كما افهمه، في عدة مواضيع، في أعقاب احداث الحرم الاخيرة.
ينطلق زعم بأن «تراجع» اسرائيل مسّ بمكانتها في الشرق الاوسط وبالردع الاسرائيلي. ويكرر الناس هذا الزعم كالببغوات، بل إن بعضهم يتحدث عن «ضياع الردع». مفهوم أنه كان «تراجع»، وحتى معيب، ولكن برأيي لم يكن لهذا أثر في الردع الاسرائيلي، وبالتأكيد ليس على مكانتها في المنطقة. شيء لم يحصل لعناصر القوة الاقليمية لإسرائيل. بتقديري كل اعدائنا وكارهينا لم يغيروا في شيء تقديرهم لعناصر الردع الاسرائيلي. فشل تكتيكي طفيف، لمرة واحدة، لا يلمس حتى طرف الردع الاسرائيلي.
ولهذا الموضوع نقطة جوهرية: من يقرر إذا كان هناك ردع او لا هو الجهة التي من المفترض ان تكون هي المردوعة. نحن يمكننا ان نقول الف مرة اننا رادعون، وان العدو مردوع او العكس، ولكن هذه الاقوال لن تكون مصداقة. لأسفي يمكننا ان نقول اننا نقدر بأن العدو مردوع، وهذا ايضا محدود الضمان. عشية حرب يوم الغفران تبجحنا بأن العرب مردوعون، بل وجدا. فجاؤوا وأرونا بأن هذا ليس صحيحا. وكذا عشية حرب الأيام الستة في ،1967 قدرنا بأن مصر ناصر مردوعة من الحرب معنا، إلى ان في ليلة 22 أيار 1967 اعلن ناصر بأنه لا يخاف من مواجهتنا عسكريا.
وبالطبع ينشأ السؤال: أي ردع يقصد به القائلون؟ الردع من المظاهرات، من طعن السكاكين، من انتفاضة شاملة للنار مثل الاخيرة؟ لنار صواريخ حزب الله ومهاجمة بلدات الشمال؟
الى جانب زعم المس بالردع وبالمكانة، ينطلق ايضا الرأي بأن الدرس العربي هو ان اسرائيل تتراجع امام القوة والتهديد. وهذا زعم دائم ومتآكل يتكرر وينطلق على نحو دائم: اسرائيل لا تفهم الا لغة القوة (بمعنى أن القوة وحدها التي تمارس ضدها تستخرج منها تنازلات مختلفة). برأيي هذا هراء، ولو للاعتبار البسيط الذي لا يصمد في اختبار الواقع. كانت انتفاضة اولى، كانت انتفاضة ثانية. مورست قوة وحشية من الانتحاريين. ماذا حصل؟ ليس فقط لم تتنازل اسرائيل بل في نظرة تاريخية، صعدت اسرائيل وازدهرت، المجتمع الفلسطيني غرق وتدهور، وجيلان من الشباب الفلسطيني ضاعا هباء. فهل جيل آخر من الشباب الفلسطيني يريد أن يضيع هباء؟ ليس فقط هذا، فتجربة الماضي تظهر أن زعماءنا كانوا مستعدين لأن يقدموا تنازلات بعيدة الأثر للفلسطينيين طوعا، من قناعتهم الداخلية (مبررا أم لا) من دون أن تمارس عليهم القوة: باراك في كامب ديفيد واولمرت.
وكيف لا بلا الزعم المتكرر بأن «من الافضل أن يكون المرء حكيما من أن يكون محقا»؛ هذا كليشيه يكون أحيانا صحيحا في الحياة العملية، ولكن ليس على مستوى الاخلاق والمبادئ، ولا سيما إذا كان يقال كعذر لعدم القيام بأفعال محقّة، أو للامتناع على الاطلاق عن كل فعل.
معاريف ـ 3/8/2017