تنطلق حملات التوعية للكشف المبكر عن سرطان الثدي، في شهر تشرين الأول/أكتوبر من كل عام ويطلق عليها «أكتوبر الوردي». وسرطان الثدي مرض يصيب النساء والرجال أيضا، لكن بنسبة أقل بكثير، وتكمن خطورته في صمته، فأعراضه لا تظهر إلا في المراحل المتقدمة جدا، حيث تتضاءل نسبة الشفاء. لكن رغم الخوف من المرض إلا أن الأمل في الشفاء أصبح أكبر، فقد وصل العلماء والأطباء مؤخرا إلى إنجازات كبيرة في مجالي الكشف المبكر والعلاج لسرطان الثدي لينخفض عدد الوفيات الناجمة عنه. لكن ما أسباب انتشاره في الآونة الأخيرة وما طرق الوقاية منه؟ وكيف يمكن اكتشافه في مراحله المبكرة؟ وهل تطورت العلاجات بحيث يتم استئصال الأورام دون جراحة ودون إزالة الثدي بالكامل؟
«القدس العربي» التقت الدكتور محمد الحجازي استشاري الجراحة العامة والتجميلية وجراحة سرطان الثدي والجهاز الهضمي والغدد الصماء، للتعرف على طبيعة المرض والآمال الجديدة التي يقدمها العلم لمرضى سرطان الثدي.
يقول الدكتور الحجازي: «لا شك ان سرطان الثدي في ازدياد على مستوى العالم. في بريطانيا على سبيل المثال تذكر التقارير انه تكشف حالة سرطان كل 19 ثانية، وعدد الحالات السنوية التي تسجل تقارب خمسين ألفت ومنها 11 ألف تؤدي إلى الوفاة، النسب المرتفعة تذهلنا كأطباء ومختصين».
وعن أهم الأسباب انتشاره قال: «هناك أسباب عديدة منها نمط الحياة وتطور التكنولوجيا وتلوث البيئة وتصرف الفرد ولياقته البدنية».
وبالنسبة لانتشاره في الدول الغربية بمعدلات أكبر من الشرق وافريقيا فأشار إلى ان تقارير منظمة الصحة العالمية تثبت ان سرطان الثدي عند أصحاب البشرة البيضاء أعلى منه في البشرة الملونة في الشرق وافريقيا، والسبب نسبي وليس جينيا. مثلا المرأة الغربية تدخن وتشرب الكحول أكثر من الشرقية، ومنظمة الصحة البريطانية أثبتت أن شرب الكحول يزيد من نسبة الإصابة بحوالي 11 في المئة.
ولكنه يرى ان الوعي الصحي أعلى عند الغربيين من الشرقيين، فاكتشاف المرض بشكل مبكر يتطلب وعيا من الطبيب والمواطن ومن الدولة والمؤسسات الخاصة التي تحرص على إجراء فحوصات دورية، عكس الكثير من الدول الشرقية التي لا يكتشف فيها السرطان، إلا متأخرا وقد يتوفى الشخص بسببه. وعن أهم التطورات في مجال العلاج يقول: «تطور الطب بشكل ملحوظ في مختلف المجالات وخاصة في التشخيص، فأصبحنا نكتشف المرض مبكرا وهذا مهم بالنسبة للعلاج، بالإضافة إلى تطور طرق الجراحة ففي الماضي لم نكن نجري السونار أثناء العملية الجراحية اليوم توفر ذلك».
متى يزال الثدي؟
عن إزالة الثدي وتأثير ذلك على صحة المريضة النفسية ومحاولة ترميمه حتى لا تفقد المرأة أنوثتها يرى الدكتور الحجازي أن السرطان لا يعني إزالة الثدي، إنما في حالات هناك عوامل مهمة تشير إلى لزوم الجراحة منها إذا كان حجم الورم أكثر من 4 سنتيمتر، فننصح المريضة بإزالة الثدي والخيار يعود لها.
ويضيف: «إذا كان السرطان موجودا في عدة نقاط في الثدي فننصح بإزالته أو إذا كان كانت خلايا الثدي متغيرة وكان الورم في مركز الثدي خلف الحلمة».
وحول خوف المرأة من جراحة إزالة الثدي وطرق ترميمه للحفاظ على الشكل الخارجي قال:
«الثدي ليست له علاقة مباشرة من ناحية فيزيولوجية بأنوثة المرأة، فوظيفته الأساسية الرضاعة، لكن من الناحية النفسية إزالة الثدي تسبب تأثيرا حادا على المرأة. نستطيع تركيب ثدي بطريقة الأخذ من الجسم نفسه، من جدار البطن أو عضلات الظهر أو مناطق أخرى. وهناك طريقتان للترميم، أما إزالة الثدي ثم ترميمه أثناء العملية أو انتظار إتمام العلاج، ويعتمد الأمر على وضع المريضة النفسي. شخصيا أفضل الانتظار، لان تركيب الثدي وقت إزالته قد يعيق العلاج لفترة من الزمن خاصة إذا كانت المريضة تتعاطى العلاج الكيميائي أو الإشعاعي».
ويؤكد الدكتور الحجازي على أهمية عدم إهمال أي عارض أو تغيير في الصدر، وعلى أن اكتشاف سرطان الثدي قد يكون عن طريق المسح الصحي «ميموغرام» أو عندما تفحص المرأة نفسها وتجد ورما بالصدفة. وأحيانا يتم الاكتشاف عندما تشعر المرأة بألم في صدرها أو إبطها أو احمرار في الجلد أو نزول سوائل من الحلمة بشكل مفاجئ أو تغير لون الجلد.
التعايش مع المرض
وبشأن الدعم النفسي والأسري والطبي يقول: «لا شك ان السرطان مخيف لكن الخوف يصبح حقيقيا من الكشف المتأخر.
فالسرطان المبكر ممكن التعامل معه والسيطرة عليه، لذلك علينا دائما ان نثقف المواطن والطبيب بوجوب الحفاظ على الصحة ومراقبة أي عرض في الثدي.
وهناك مثال بسيط، حيث تم تسجيل حالة تمثلت في إحمرار في جلد الثدي، طلب الطبيب من المريضة ان تغير الصدرية فقط، لاعتقاده انها ضيقة، بعد ذلك تكتشف المريضة ان سبب الإحمرار هو وجود سرطان ملتهب وهذا أخطر من العادي. على الطبيب هنا عدم إهمال أي إحمرار، فالإلتهاب السرطاني خطير جدا وعند اكتشافه لا يعيش الإنسان أكثر من سنتين إلى ثلاث سنوات».
ويتابع «أنا اطمئن المرأة التي تصاب وخاصة إذا كان المرض في بداياته، فالعلم تطور بشكل كبير ويستطيع السيطرة والعلاج والشفاء، للأسف الشديد تصلنا تقارير بريطانية تشير إلى ان 27 في المئة من المريضات بعد إنتهاء العلاج يصابون باليأس والاكتئاب لذلك يتم تحويلهم لمراجعة أطباء نفسانيين، ومن الضروري أن يتم دعم المريضة نفسيا ومعنويا ليس فقط من قبل الأخصائيين بل ومن قبل أهلها أيضا.
يجب ان تتحلى المريضة بالإرادة وتثق في العلاج وأن كون عندها أمل في أننا نستطيع التحكم والقضاء على المرض على المدى الطويل. خبرتي البسيطة في تعاملي مع المرضى الذين يمتلكون ثقة عالية بنفسهم وبالله عز وجل وبالأمل، دائما نصيبهم أفضل من الذين ينهارون، لأن الإنهيار يؤثر على الهورمونات والأنزيمات في الجسم ويضعف المناعة التي لها دور مهم جدا في محاربة الخلايا السرطانية».
هل يعود السرطان بعد علاجه؟
«يجب على المريضة ان لا تهمل نفسها وتجري الفحوص بشكل مستمر فالحرص هو خط الأمان، والفحوص الدورية السنوية مهمة، وكذلك تحليل الدم فمن خلال المؤشرات يمكن معرفة الحالة والتعامل معها.
العلم تقدم إلى درجة أننا نستطيع إجراء بعض الفحوص وخاصة لمن لديهن الذين لديهم إصابات في العائلة وكذلك الدراسات الجينية التي من خلالها نقدر إمكانية الإصابة من عدمها. وهناك اختبارات للأنسجة بعد العملية لفحص هورموناتها وطبيعتها ونوعها لمعرفة بعض المؤشرات من أجل تحديد نوع العلاج المناسب للمريضة». وينهي حديثه بالقول أنه من غير المعقول بعد كل هذه التطورات ان يؤدي سرطان الثدي إلى الوفاة، وإذا حصل يكون هناك تقصير إما من جانب المريض أو الطبيب أو بسبب الاكتشاف المتأخر للمرض.
وجدان الربيعي