الآخر الديني في الإسلام: تشييد وصياغة مبدأ الاحترام

■ لم تتمكن دولنا العربية حتى عصرنا الراهن من وضع مشروع مشترك يسعى إلى احتضان كل الأديان والمعتقدات، مشروع يضمن حضور أتباع الديانات والمعتقدات الأخرى بين ظهرانيها، من دون أن يلحقهم أدنى احتقار أو سخرية.
إن استمرار وجود الأديان في الدول العربية حتى عصرنا الحاضر ينم عن سريان مبدأ التعارف الذي أقره الإسلام منذ وقت مضى، مبدأ يضمن الحرية والكرامة للأفراد والجماعات غير المسلمة. فالموقف القرآني رغم إقراره بأن الآخر الديني منحرف وزائغ وفاسد، إلا أنه سمح بوجوده ضمن الفضاء الاجتماعي للمسلمين، ما أدى إلى استمرار الأديان والمعتقدات الأخرى، وعدم اندثارها. فبدون ذلك التبادل الثقافي مع الإسلام كما يقول الدكتور عز الدين عناية في كتابه: «الأديان الإبراهيمية قضايا الراهن»، ما كان لليهودية أن تنتج كثيرا من العلماء والأطباء والموظفين، ولا المسؤولين الإداريين، بل مع تراجع الإسلام في القرن الثاني عشر شهدت القوة الخلاقة لليهودية انكماشا أيضا.
غالبا ما يتم الحكم على الآخر الديني من خلال المعايير الإسلامية البحتة، التي تجد أسسها في أصول الدين وأصول الفقه، والتي يعتقد أنها معايير عقلية كونية موضوعية، بل يتم تقديمها على أساس أنها معايير يقينية وملزمة للآخرين، الشيء الذي أدى إلى تحويلها إلى ضوابط إلزامية تحد من حرية الآخر الديني وغير الديني، وتضبط أنشطته وفق هوى جمعي شائع. ومن ثمة فإن التعارف في المجتمع الإسلامي كان حاضرا مبدئيا غير أن تأويله وتنزيله خضع إلى مقتضيات الثقافة السائدة.
يحضر منهج المفاضلة بشكل لافت لدى فقهائنا المنغلقين لاهوتيا، إذ لا تعبر تحليلاتهم وقراءاتهم عن أدنى حياد علمي، بل تنطلق من دوافع إيمانية ومركزية دينية يتضح فيها ما للمعتقد الشخصي من أثر على موضوعيتها، ويتجلى ذلك خاصة مع ابن تيمية الذي ذهب إلى أن الدلائل على صدق محمد أعظم من الدلائل على صدق موسى وعيسى، ومعجزاته أعظم من معجزات غيره، والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتب التي بعث بها غيره، والشريعة التي جاء بها أكمل من شريعة موسى وعيسى.
من الواضح ان الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تشرع القتل وتعلن عن كراهيتها للآخر الديني وغير الديني بشكل صريح، وتصفه بالانحراف والفساد لا تتوفر على غرائز أخلاقية، بل ليس لديها أدنى قابلية للشعور أو ميل طبيعي بالتعاطف مع الآخرين. ذلك الميل الطبيعي الذي نجده حاضرا عند الحيوانات التي تمتنع عن قتل النوع ذاته.
إن هذه الجماعات التي أفرغت الدين الإسلامي من روحه ومعانيه الجوهرية، تجعل إمكانية الاعتراض عن وجود فعل أخلاقي يرتقي بالإنسان إلى أنطولوجيا للبشر مشروعا. ذاك الفعل الأخلاقي الذي يجعل الإنسان يحب الآخر البشري مثل حبه للأشياء الحلوة. ويكره قتله مثلما يكره المواد التي تبعت على التقزز.
كل الحضارات العالية التي تمكنت من تحقيق الوعي بأنطولوجيتها البشرية لم يتأتى لها ذلك سوى لأنها قررت تشييد وصياغة مبدأ الاحترام بلغة حقوقية. وجعلت من هذا المبدأ مركزا لأنظمتها الحقوقية. إذ غدت اللغة الحقوقية في عصرنا هي الوحيدة التي تكفل التعبير عن المعايير الأخلاقية الشاملة.
لقد أصبح الإنسان المعاصر ينبذ القتل والألم أكثر من سابقه، وهذا ما أكده تشارلز تايلر في كتابه: «منابع الذات، تشكل الهوية الحديثة» عندما قال:»لنفكر في الوصف المرعب، وصف تعذيب إنسان حاول قتل الملك في منتصف القرن الثامن عشر في فرنسا الذي افتتح به فوكو كتابه «المراقبة والعقاب»، ليس القصد الأول أن حوادث مروعة شبيهة لا تحدث في عصرنا في الغرب. وإنما المقصود هو أنها الآن، تعتبر ظواهر شاذة مروعة ومثيرة للاشمئزاز ، لا بد من إخفائها، حتى عمليات الإعدام لم تعد تنفذ أمام العلن وإنما داخل السجن. وكنا نشعر برعب عندما كنا نعلم أن الأهل تعودوا أن يسمحوا لأولادهم أن يشاهدوا مثل هذه الحوادث عندما تعرض كمشاهد عامة في الأزمنة السابقة».
يبدو أن هذه الجماعات الصهيونية المتوحشة التي تدعي انتسابها للإسلام تجهل أهمية الحياة الإنسانية اليومية، ولا تبدي أي احترام للحياة والكرامة الإنسانيتين، وذلك لا يمكنه أن يحدث إلا في مجتمعات لا تحترم المعايير الحقوقية والأخلاقية التي تتجمع حول الشعور بأن الحياة الإنسانية يجب احترامها. مجتمعات تفتقد المعنى الحديث لمبدأ الاحترام، الذي يعطي مركزا واضحا للحرية وضبط النفس ويعطي أولوية عالية لتجنب الآلام. ويعتبر النشاط المنتج والحياة الأسرية مركزيتين لحياتنا الجيدة.
إن ما يجعل الإنسان يستحق الاحترام هو مدى شعوره بمعاناة إنسانية، وقدرته على التمييز بين ما هو كريه يبعث على الاشمئزاز من عدم العدالة أو الهون الذي نحس به إزاء حقيقة الإنسان». إن الكائنات الإنسانية لها قدرة من نوع معين على الحياة العالية يؤلف جزءا من الخلفية لاعتقادنا بأنها كائنات يلائمها الاحترام، وأن حياتها وسلامتها مقدستان، أو أنها تتمتع بالحصانة، فيمتنع التعدي عليها. وكنتيجة لذلك، يمكننا ان نرى مفهوما لما تكون عليه هذه الحصانة الناشئة مع نشوء أطر جديدة. وهكذا، فإن حقيقة وضعنا مثل هذه الأهمية على القدرة التعبيرية معناه أن أفكارنا المعاصرة عما يعنيه احترام سلامة الناس تحتوي على حماية حريتهم التعبيرية في التعبير وفي تطوير آرائهم الخاصة، وتعريف مفاهيم حياتهم الخاصة، ورسم خطط حياتهم الخاصة».
إن الدعوة إلى مبدأ الاحترام الوضعي أصبحت ملحة وشائعة في مجتمعاتنا التي تقبع تحت نير النزاعات العرقية والثقافية والطائفية والسياسية، صحيح أن الفكر الغربي لا ينأى عن ربط مبدأ التسامح الوضعي بنشأة فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر وبتشييد الحداثة المادية والفكرية، إذ يصبح من اليسير الإقرار بأن فكرة الحداثة قد انبثقت للمرة الأولى في أوروبا الغربية عن طريق ضرب فكرة التسامح كمثل لذلك. فالمعركة التي خاضها فولتير من خلال رسالة في التسامح، وكتابات جماعة الموسوعيين، كما يقول محمد أركون، «قد غيرت بالفعل من تلك النظرة الخاصة إلى الأديان، بما فيها الدين المسيحي نفسه، بل وصل الأمر بفلاسفة القرن الثامن عشر إلى حد استخدام الإسلام كمثال على التعصب، وعدم التسامح (أنظر كتاب فولتير: «التعصب أو محمد النبي»). وفي هذا الوقت الذي نشهد فيه صراعات إيديولوجية عنيفة بين الإسلام والغرب، نلاحظ أن جملة التصورات السلبية المشكلة عن الإسلام في القرن الثامن عشر قد نشطت من جديد الآن وأصبحت ملائمة جدا للمتخيل النضالي الغربي».
رغم صعوبة تحقيق ما ندعو إليه على أرض الواقع، إذ يستحيل تشييد مبدأ الاحترام الوضعي في مجتمعات تعاني من أوضاعها الشاذة منذ القرن الثالث عشر، حيث بدأت عمليات فرز واسعة للجماعات العرقـــية الثقافية، وفقا للمعايير الطائفية واللغوية والثقافية، إلا أننا في مسيس الحاجة لصياغة مبدأ الاحترام صياغة وضعية قانونية حتى لا نظل قابعين خارج دائرة الحداثة أبد الآبدين.

٭ أستاذ باحث المغرب

الآخر الديني في الإسلام: تشييد وصياغة مبدأ الاحترام

المهدي مستقيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية