«الأبيض ما بغطّي الاغتصاب» حملة لبنانية لعدم الإفلات من العقاب والدُور الآمنة تحتضن لاجئات سوريات هاربات من الاعتداء الجنسي

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: حين تغيب الإحصاءات في مسألة ما، تصبح المعالجة منقوصة. غير أن ثمة مسائل يمكن فهم غياب الإحصاءات الدقيقة حيالها، ولا سيما تلك التي تترك آثارها المجتمعية، مثل الاغتصاب الذي تتعرّض له المرأة في المجتمعات المحافظة، حيث تدفع الضريبة مرتين، الأولى عند تعرّضها لاعتداء جسدي ونفسي ومعنوي، والثانية عند اضطرارها، في غالب الأحيان، لأن تتزوج بالمغتصب من أجل «السترة» إنْ لم يكن الموت قد عاجلها كردة فعل للأهل والعائلة محوا للعار.
هي قضية مزمنة ومعقدة ومتعددة الأبعاد والتشعبات، وستأخذ وقتاً طويلاً، ربما أجيالا من أجل معالجة ناجعة للأمراض والظواهر الاجتماعية وتداعياتها. وهذا قد يكون أمراً طبيعياً لارتباط هذه القضايا بمدى قدرة المجتمعات على تجاوز الموروثات وتطوير المفاهيم التي تنطلق منها في حكمها على الأحداث التي قد تواجهها.
في لبنان، ثمة تحرّك لافت من قبل منظمات المجتمع المدني تصدياً لقضايا العنف ضد المرأة بكل أشكاله، واللائحة قد تطول، لكن المهم أن هذا التحرّك ليس معزولاً عن توجّه عام لدى دولة تدرك مؤسساتها التنفيدية والتشريعية والرسمية عموماً أن عليها أن تتماشى مع الاتفاقات الدولية التي وقّعت عليها، وإنْ كان هذا العزم الرسمي يتقدّم حيناً ويتراجع حيناً آخر وفق الظروف التي يعيشها لبنان فتحدّد أولوياته، ومدى تأثير ضغوط المنظمات العاملة على تحقيق المساواة والعدالة الجندرية والمجتمع المدني عموماً.
فقد شهد لبنان حملات عدّة مِن قبل منظمات المجتمع المدني الناشطة بشكل ملحوظ مع استيعاب البلاد لأكثر من مليون ونصف المليون نازح سوري والتداعيات الاجتماعية المتأتية عن هذا النزوح. وقد ساهمت المساعدات الدولية بالتصدّي لأزمة النزوح عبر تطوير عمل المنظمات غير الحكومية وتوفير الموارد المالية والدعم من أجل إطلاق برامج وحملات توعية وتقديم الخدمات المباشرة والحماية وتمكين المجموعات المهمّشة من اللاجئين واللاجئات والمجتمعات المضيفة، لا سيما النساء، كما تقوم به منظمة «أبعاد» التي هي مؤسسة مدنية وغير ربحية، تأسست عام 2011 بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا عبر تكريس مبدأي المساواة والعدالة الجندرية.
وعمدت منظمة «أبعاد» إلى إطلاق حملة إعلانية واسعة تحت عنوان «الأبيض ما بيغطّي الاغتصاب، ما تلبسونا 522» حيث رافقت الحملة صور دعائية توزّعت على لوحات الإعلانات على الطرقات والمحطات التلفزيونية تُظهِر فتاة تعاني من رضوض يتم إلباسها عنوةً فستاناً أبيض فوق آثار العنف، في إشارة إلى أن الزواج لن يُغطّي جريمة الاغتصاب.

ما تلبسونا 522

جذبت الحملة الإعلانية اهتمام الرأي العام اللبناني. والمفاجأة كانت أن واحداً في المئة من اللبنانيين واللبنانيات يعلمون بوجود المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني، وفق ما أظهره استطلاع للرأي قامت به «أبعاد» خلال العام 2016، بالتعاون مع مركز «البحوث والاستشارات». فماذا تقول المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني؟
إنها مادة تنصّ على أنه «إذا عُـقِـدَ زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل ـ فصل الاعتداء على العرض- (الاغتصاب ـ الفحشاء ـ الخطف ـ الإغواء ـ التهتك وخرق حرمة الأماكن الخاصة بالنساء)، وبين المُعتدى عليها، أوقفت الملاحقة، وإذا كان صدر حكم بالقضية عُـلّـق تنفيذ العقاب الذي فُرض عليه. ويعاد إلى الملاحقة أو تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة وانقضاء خمس سنوات على الجناية، إذا انتهى الزواج إما بطلاق المرأة من دون سبب مشروع أو بالطلاق المحكوم لمصلحة المعتدى عليها».
بالطبع، هذا لا يعني أن القانون اللبناني لا يعتبر الاغتصاب جريمة. فهو في المادة 507 من قانون العقوبات ينص على معاقبة كل مَن «أكره آخر بالعنف والتهديد على مكابدة أو إجراء فعل مناف للحشمة» بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن أربع سنوات، فيما يكون الحدّ الأدنى للعقوبة ست سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يُتمّ الخامسة عشرة من عمره. كما تجرّم المادة 503 من قانون العقوبات اللبناني الاغتصاب (غير الزوجي وتعاقبه بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل، وما لا يقل عن السبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يُتمّ الخامسة عشرة من عمره).

الضحية تدفع الثمن مرتين

المشكلة تنبع من أن المادة 522 تُشكّل، في الواقع، مخرجاً للمُغتصِب حين يُقدِم على فعل اغتصاب، لا بل إن القانون اللبناني ـ عَـبْـرَ هذا المَخرَج ـ يبدو وكأنه يُشرّع هذا الفعل، ما دام يفتح الباب أمام الجاني للإفلات من العقاب. ولعل ما ضمّنه عضو كتلة «القوات اللبنانية» النيابية النائب إيلي كيروز من أسباب موجبة في اقتراح القانون الذي قدّمه في تموز/يوليو الماضي لإلغاء المادة 522 يدل على ما كان يدور في خلد المشرّع اللبناني آنذاك، إذ اعتبر كيروز أن المادة 522 جاءت «لتعالج في الواقع مشكلة أهل المُعتدى عليها وعائلتها وعشيرتها من حيث ما يعتبرونه هم مساساً بكرامتهم وشرفهم»، وهنا بيت القصيد: «إن الأهم بالنسبة للمشرّع حين تقع جريمة اغتصاب، هو ستر شرف عائلة الضحية، عبر تزويجها من المعتدي» وذلك رغم إرادتها ومصلحتها. المشرّع هنا يُعبّرعن موروثات المجتمع ورؤيته ومفاهيمه، فلو كانت تلك المفاهيم مختلفة، لما ذهب في هذا الاتجاه. هو شكل من التماهي بين السلطتين السياسية والمجتمعية اللتين تثقل مظلة صون الشرف ومحو العار كاهلهما، بحيث تسقط معه، ليس فقط الاعتبارات المرتبطة بالمرأة المُعتدَى عليها والضرر الذي لحق بها نفسياً وجسدياً، بل الحق العام الذي لا بد من أن يُؤمّن لها الحد الأدنى من العدالة.
لا يمكن الجزم بحجم المشكلة، فالأرقام الصادرة عن مكتب مكافحة الإتجار بالأشخاص وحماية الآداب في قوى الأمن الداخلي، تشير إلى أن هناك ثلاث نساء يُبلغن كل أسبوع عن تعرضهن للعنف الجنسي الذي هو إما اغتصاب أو تحرّش. لكن تلك الأرقام قد لا تكشف حقيقة ما يجري في واقع الحياة، إذ أن كثيراً من النساء، قاصرات أو راشدات، متزوجات أو غير متزوجات، عاملات أو غير عاملات، لا يذهبن إلى مراكز الشرطة إذا تعرّضن للاغتصاب أو التحرّش الجنسي. فهن يفضلن الصمت على «الفضيحة» وعلى إثارة المشاكل العائلية التي تصل في بعض الأحيان إلى حدّ القتل بداعي «تحصيل الشرف» من الجاني، أو «محو العار» من المجني عليها.

تحولات في نظرة المجتمع ولكن!

مما لا شك فيه أن تلك المقاربة التشريعية التي تعود لعشرات العقود دخلت عليها عوامل عدة آلت إلى إحداث تغييرات حيالها، رغم أن من المبكر الحكم على المدى الذي ستصل إليه. لكن التوقف عند نتائج الإستطلاع يُظهر حصول تحوّلات في نظرة المجتمع، إذ أن نسبة 60٪ ممن شملهم الاستطلاع، من الجنسين، تُطالب بإلغاء المادة 522 و70٪ ترفض مقولة أنها تحفظ شرف المرأة، و73٪ تعتبر أن وجود هذه المادة يُشكّل عنصر ضغط إضافياً على المرأة كي تقبل الزواج بالمُغتصِب، و73٪ ترى أنها تعالج نظرة المجتمع إلى شرف الأهل والعائلة أكثر مما تعالج مشكلة المرأة، و85٪ تجد أنها تمسّ كرامة المرأة التي تعرّضت للاغتصاب، و81٪ ترى أنها تَحرُم المرأة المُعتدى عليها من حقها في العدالة، و84٪ تعتقد أنها تحمي المُغتصِب من الملاحقة والعقاب، والنسبة ذاتها تعتبر أن زواج المغتصب من المرأة يؤدي إلى مشاكل أسرية واجتماعية، و80٪ تجد فيها تجاهلاً لحق المرأة بالتعويض عن الأضرار الجسدية والنفسية والمعنوية.
تلك الأرقام المشجعة ليست كافية، لذا جاء تحرّك «أبعاد»، الذي تضفي عليه علياء عواضة سمة الحملة الوطنية، ليُشكّل عامل ضغط متواصل. تقول مسؤولة الحملة في «أبعاد» أن الحملة هي جزء من حراك نسائي بدأ منذ أكثر من أربع سنوات، بهدف الضغط باتجاه إلغاء هذه المادة، والتأكيد أنّ من حق النساء الناجيات من الاغتصاب رفض الزواج من المُغتصِب، من دون أن يوصمن بالعار من المجتمع. والأهم أن الحملة التي امتدت على مدى 16 يوماً، من الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر وحتى العاشر من كانون الأول/ديسمبر الماضي هدفت إلى خلق رأي عام للقضية عبر الفصل ما بين فعل الاغتصاب كجريمة وبين ما يعتبره المجتمع «شرف النساء»، والتأكيد على أنّ إجبار النساء على الزواج من المغتصِب هو عمل قمعي، وأن على الأهل أن يقتنعوا بأنّ تزويج الضحية من المغتصب ليس الحل، وليس «سترة» للنساء، بل إن الاغتصاب جريمة وعلى المجرم أنْ ينال عقابه.
وتزامناً مع جلسات لجنة الإدارة والعدل في البرلمان اللبناني لدراسة المادة 522 من ضمن عدد من المواد التي تتعلق بـ»الفصل المتعلق بالاعتداء على العرض»، كانت حملة «أبعاد» تتجلى بمشهدية رمزية لما تجسّده تلك المادة في القانون اللبناني، بحيث اعتصمت الفتيات أمام مدخل البرلمان وهن يرتدين ما يُشبه فستان الزفاف، إنما هو مصنوع من الأقمشة التي تستعمل لتضميد الجراح. مشهدية أريد لها أن ترسل رسالة أخرى مفادها أن مواصلة العمل تُؤتي بالثمار. ففي ذلك اليوم، أقرت اللجنة إلغاء المادة 522، ما شكّل انتصاراً لعمل منظمات حقوقية ومدنية ونشطاء وحركات نسائية ومجتمع مدني.
لكن هذا الانتصار لا يزال غير مكتمل. هو في واقع الحال انتصار «في منتصف الطريق»، إذ لا يزال أمامه سلوك الطريق إلى «الهيئة العامة» لإقراره. ولا تزال اللجنة تدرس موادَ أخرى تشكّل استكمالاً للمادة 522، ومنها المادة 503 التي يشكّل فيها الزواج مانعاً يحول دون اعتبار «فعل الاغتصاب» جريمة، والذي يدخل أيضا في سياق مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري، رغم الاعتقاد بأن هذه المادة ليس من السهل إلغائها، نظراً لأنها ستُواجَه باعتراضات من السلطات الدينية، التي تعتبر أن مسائل الزواج، وما يُحيط به من تفرّعات، تخضع لقوانين الأحوال الشخصية لكل طائفة.
اللافت أن تحرّك منظمة «أبعاد» عبر هذه الحملات، بالتعاون مع عدد من الجهات، أو تحرّك غيرها من المنظمات غير الحكومية في ما خص «رفع سن الزواج» أو «منع الإتجار بالبشر» أو «التحرّش الجنسي» ولا سيما في إطار العمل الذي يمارس بفعل النفوذ والسلطة، يستمدّ زخمه وقوته من إيلاء المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الاهتمام بمسألة النزوح السوري وتداعياته على البيئة المضيفة والحاضنة.

الملاجئ الآمنة حلول مؤقتة

تلك الجمعيات ومنها جمعية «أبعاد» أنشأت ثلاثة دور آمنة بحيث «تستقبل كل الحالات الطارئة لأي امرأة معنّفة، سواء أكانت سورية أم لبنانية قررت كسر دائرة العنف وطلبت الحماية. الجمعية تعمل على إيوائها ومتابعتها وفتح الخيارات أمامها وتمكينها إذا أرادت أن تبدأ حياة جديدة»، تقول مديرة برنامج «الدار الآمنة» جيهان إسعيدي، التي تضيف أن بعض النساء يقضين ما يحتجن من الوقت في هذا «الدار الآمن» إلى حين حل مشكلاتهن. ونظراً إلى أن طالب الحماية يحتاج إلى مكان آمن، فإن أماكن الدار هي سرية ومواقعها مجهولة.
والأمر لا يقتصر على «الدور الآمنة»، فهناك أيضاً «المساحات الآمنة» التي هي عبارة عن تسعة مراكز، تضم مساحات مفتوحة ومعروفة المكان، تقصدها طالبة المساعدة بحيث تلتقي مع الأخصائية الاجتماعية وتعود إلى منزلها. وهي «مساحات» تشمل أيضاً نشاطات للسيدات وحلقات توعية وتثقيف، لكنها بالتأكيد لا تُعتبر دوراً آمنة أو ملجأ آمناً.
هي محاولات من منظمات غير حكومية تتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية أو الدائرة التي تُعنى بشؤون المرأة، تُنسّق مع المخافر في حالات لجوء المعنّفات إلى تقديم شكاوى وإلى حاجتهن لمكان إيواء يساعد في حماية المرأة من العنف، ولكن هي مساعدة مؤقتة وتعمل على تمكينها إذا أرادت أن تنفصل عن واقعها القديم، ولكن يبقى السؤال: أي واقع جديد ستعيشه تلك الناجية من العنف… وأين… وفي أي بيئة؟ ومَن يضمن أن عائلتها أو مُغتصِبها أو معنّفها، سواء أكان زوجها أم شقيقها أم والدها، لن يصل إليها، لا سيما وأننا في مجتمع صغير، وبالتالي لا تملك برامج الحماية كما هو حال الدول الغربية؟
المشكلة ليست فقط في هذه المادة من القانون أو تلك… إنها مشكلة مجتمعات بأسرها تحتاج إلى إيجاد وسائلها وطرقها من أجل صوغ مفاهيم جديدة والبناء عليها في رؤية منفتحة للمستقبل بتحولاته نحو تحقيق المساواة والعدالة الجندرية، لكن التشريعات المتقدمة قادرة على المساهمة في مسار تطوّر المجتمعات وتشكيل رافعة لها، إذا ما خرجت من عقدة الذكورية القاتلة!

«الرجل المعَنِّف» و «عيادة الاستماع»

من أهداف «أبعاد» تأمين الحماية من الاستغلال والاعتداء الجنسي. هنا نتكلم عن المرأة، لكنها خطت خطوات إلى الأمام، حين لم تقصُر اهتمامها على المرأة المعنّفة وكيفية حمايتها ومساعدتها وتمكينها لخوض غمار الحياة في المجتمع، بل توجهت ـ انطلاقاً من الإيمان بعملية إشراك الرجل بعملية التغيير ـ إلى إنشاء برامج هي كناية عن «عيادة استماع» إلى الرجل الذي يُعاني من المشاكل والسلوكيات العُنفية، أو يمكن أن يُطوّر سلوكيات عنيفة، بحيث يستطيع الاتصال هاتفياً، ومن دون الإفصاح عن هويته الفعلية، ليعبّر عن مكنوناته ومشاكله حتى يتم العمل على حلها، فضلاً عن إمكانية تطوّر التواصل إلى جلسات، والاشتراك في ورش عمل لـ «إدارة الغضب» وكيفية التعامل مع ضغوطات الحياة. هذه الورش من شأنها أن تخفف الكثير عن كاهل الرجل، وتمنعه من تعنيف المرأة.

«الأبيض ما بغطّي الاغتصاب» حملة لبنانية لعدم الإفلات من العقاب والدُور الآمنة تحتضن لاجئات سوريات هاربات من الاعتداء الجنسي

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية