الأجهزة الأمنية العربية تقيم سجونا داخل كل بيت

حجم الخط
0

يتذكر المرء بعض المواقف والأحداث وقد ينسى بعضها الآخر إلا أن بعض الكلمات والمواقف قد تُحفر في ذاكرته وتأخذ حيزاً منها خاصة في مرحلة الطفولة والسنوات الأولى من الدراسة وعلى الرغم من اختلاف العرب في بعض التقاليد والأعراف التي تنتشر في دول المشرق والمغرب العربي والتي قد تنقسم تفاوتاً بين (الصالح والطالح) كما يقول كبار السن إلا أنها قد تصل أحيانا أخرى إلى حد العيش في الوهم وعدم الوعي والتقليد الأعمى.
واللافت في الموضوع أن مشكلة هذا الوهم لم تقتصر على دولة عربية بعينها أو حتى على المواطن العادي البسيط الذي لم يرتد المعاهد أوالجامعات وإنما قد تسلل هذا الوهم أيضاً إلى نفوس المثقفين والكتاب وأستاذة الجامعات ومنها ما كنا نسمع وبشكلٍ دائم كلماتٍ ثلاث طالما تكررت وسمعنا صداها في الأماكن العامة أو الشارع والمنزل وكان دائماً كبيرنا يذكر بها صغيرنا..
وعلى وجه الخصوص عند الحديث في أي شأنٍ سياسي نشارك فيه حيث يقفز إلينا أحد كبار السن وينهرنا قائلاً « أسكت» وعندما نبدأ بـالخوض في ذكر بعض أسماء المسؤولين الكبار أو بعض المنتفعين من ارتباطهم بالصف الأول من المسؤولين.. يأتي أحدهم مدعياً الحكمة وبعد أن يهز رأسه من الأسى علينا يقول لنا « أنتم مجانين.. والله بهالحكي بتروحوا ورا الشمس».
أخفض صوتك «الحيط إلو آذان» نعم كلمة الحيطان لها آذان طالما ترددت هذه الكلمات الثلاث في مجتمعاتنا العربية حتى أصبحت تشكل هاجساً حقيقياً في عقلنا الباطن، وأيقنا حقيقة بأن الحائط يسمع ويرى وينقل المعلومات والأخبار التي يتم نقاشها أو بحثها في الأماكن العامة أو داخل المنازل.
وفي كل مرة كنت أسمع بها تلك العبارة ( الحيطان لها آذان) كنت أظن حقاً أن الحائط يسمع ويرى وكنت أنظر إليه متأملاً وكان يذهلني مع صغر سني كيف استطاعت الأجهزة الأمنية في الدول العربية وبتفوق تام أن تبني سجناً داخل كل غرفةٍ من غرف المنازل وسجانين من أهل ذات المنازل. وكنت أسأل نفسي دائماً هل وجدت «أجهزة الأمن» كي نلجأ إليها عندما نخاف أم لنهرب منها ونخاف عند الخوض في حديثٍ قد يصلُ إليها.
تلك الأجهزة الأمنية التي لم تراع « ذمة» في مجتمعاتنا العربية والتي طالما اقتاتت على لحوم الشعوب والتي بدورنا ساهمنا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أيضاً في رعايتها والترويج لها من خلال هذه الكلمات الثلاث «الحيط إلو آذان» حتى باتت تتحكم بكبيرنا قبل صغيرنا ولديها الصلاحيات التامة لاستدعاء أيا كان سواء كان متهما أو غير متهم بل وكانت أحياناً كثيرة تُكيل التهم الباطلة وحتى غير المنطقية بحق الكثير من المواطنين لابتزازهم والحصول على مبالغ مادية وغيرها.
ومع مرور الأيام كنت أكبر وأنظر ذات النظرة ولكن هذه المرة ليس إلى «الحائط» وإنما إلى من يقولها من الأصدقاء أو الأقارب وبعين المندهش المحبط الفاقد للأمل بغدٍ جديد يخرج من خلاله «الولد من عباءة الوالد» لنقول رأينا دون أن نخفض صوتنا أو نلتفت يمنةً او يسرة قبل البوح فيما يجول في خلدنا وكنت أخاف أن يبقى أمل التغيير دفيناً في سريرتي صغيراً لا يقدر على الحراك من غيبوبته عقودًا أخرى و التي عملت على سباتها أجهزة ومؤسسات الدولة بكل أركانها السياسية والعسكرية وحتى الخدمية منها، وسخرت لها الأموال والأشخاص وعملت على بناء خلايا الأزمات وجمع المعلومات إلى أن ثارت الشعوب وانتفض الشباب على شيخوخة الخوف وتسلط الجلاد وعلت الأصوات وتجاوزت الآفاق.
حينها أدركتُ أن حائط الخوف انهدم والقيد انكسر وشعرت يقيناً سقوط هذه الكلمات الثلاث ( الحائط إلو آذان) التي طالما أرهقت كاهل الشباب وكانت عبئاً ثقيلاً على أجيالٍ وأجيال وصولاً إلى زمن الثورات التي جابت البلاد علماً بأنه يمكن القول بأن ليس أي ثورة يمكن أن تنجح وتصل إلى أهدافها أو بعضها دون رؤية واضحة وخطة مدروسة وتنظيم محكم وتوجيه دائم كما أني لا أنكر بعض المثالب والسلبيات التي ترعرعت في زمن الثورات إلا أننا في المقابل لا ننكر أن الثورات حطمت أسطورة الحائط والأذن والسجن والسجان.

كاتب وصحافي

الأجهزة الأمنية العربية تقيم سجونا داخل كل بيت

أنس زريقات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية