الأحرف العربية تنساب كجدول ماء على القماش

حجم الخط
0

 التحليق ممكن وأنت واقف في مكانك لا تتحرك، ما تحتاجه فقط أن تتأمّل أحد أعمال مطر بن لاحج (فنان إماراتي مواليد دبي 1968، تعلّم الفن ذاتياً، أسّس أول مرسم خاص عام 1991)، فأعماله تحدّد لك مسارات ومنحنيات تحتضن طيرانك؛ لوحات ترتكز على هذه الفكرة في الدرجة الأولى، خطوط منحنية متسارعة وكأنّها تهرول فوق سطح اللوحة، تمرّ ببصرك أمام عملٍ ما، لتعود إليه بعد قليل، تراجع تكوينه هل تبدّل، هل غادرتْه المنحنيات أم هل تغيّر مكانها! هذه المنحنيات تنتظم حركتها الجيبية وفق إيقاعاتٍ مسموعة.
ففي اللوحات التي تصّور الخيول أو (أشباه الخيول) كما ذكر بن لاحج في أحد حواراته، فإنّنا نسمع صوت الحوافر وصفير الريح التي تتلاعب بشعر الخيل؛ وإن اختيار الخيول بالأصل لم يكن للأسباب التقليدية المتعلقة بعلاقتها بالعرب (الخيول العربية الأصيلة) بل السبب يتلخص بديناميكية خطوط أجسادها وحركاتها التي يبحث عنها بن لاحج ويحاول خلقها في لوحاته. الألوان في أعماله مشرقة تحمل الكثير من الروحانية التي تمنحها إياها تدرجاتها التي تصل إلى الأبيض الذي يأخذ دور الضوء داخل اللوحة.
حتى في أعماله النحتية نلاحظ وجود الحركة، أسطح منحنية تصنع تكويناً متماوجاً، أو نجد أن الأحرف المعدنية تتجمّع مع بعضها ليمنحها بن لاحج قواماً سائلاً كما في عمل «انبعاث اللغة» فيجعلها تنساب وتندلق بين التكوينات التي تكون غالباً إسطوانات من الستانلس ستليس، منقوشاً على سطحها الحرف العربي وتعبر بين متاهات حلزونية تشبه سلاسل DNA (طول هذا العمل ثلاثة أمتار).
 الموضوع الأساسي عند بن لاحج هو الحرف العربي يصوره بطريقة لا تشبه «الحروفية» التي اشتغل بها فنانون وخطاطون كثر حيث تتحوّل الأحرف إلى أشكال حيوانات وطيور، فالفنان يحافظ على شكل الحرف لكنه يمنحه الحياة والطاقة ليتحرّك ضمن العمل النّحتي، ليتجاوب مع الريح ومع الجاذبية، فنراه يلتف راقصاً في حركة نكملها ضمنياً في خيالنا. إنه يستخدم الأحرف بأحجام صغيرة لتشكّل بتجمّعها تكويناً يحتل مساحة واسعة، أو يستخدم حرفاً ضخماً كما في عمله الذي يصوّر حرف الضاد (رمز اللغة العربية) ممدداً فوق الأوراق ومطعوناً ينزف حروفاً. إن التصاق بن لاحج بالحرف العربي يدلّ على مكانة اللغة العربية لديه ويظهر هذا من خلال عناوين أعماله، مثل «لغة تنعى نفسها» و»انبعاث اللغة». عن ذلك يقول: «الإنسان العربي مدين للغة، فهي كالأم التي يجب أن يقدسها الإنسان، فهي لا يجب أن تكتب على أوراق البردي وتعلق على الجدران فقط، فهذا ظلم لها، فيجب أن تنتشر، ويجب أن يحاورها الناس، لذا أقدمها في المعدن الغالي الثمن، لأنها غالية أيضاً، فأنا كفنان استخدم اللغة وقوتها كي تكون الأعمال بقوتها».
في مرسم مطر بن لاحج عدد من الأعمال التي يرفض بيعها باعتبارها تمثّل بدايات دخوله عالم الفن، ومن بينها لوحة بعنوان «عربون المدينة» تظهر اندثار التراث وقد رسم هذه اللوحة في الفترة التي واكبت هدم معالم تراثية واستبدالها بالأبراج.
الأعمال النحتية لبن لاحج تمتاز بحضورها القوي الذي يفرضه ضخامة حجم العمل الذي من الممكن أن يمتد لعدة أمتار، وكذلك المادة المستخدمة (الستانلس ستيل) ذات اللمعة القوية التي تجعل أسطح المنحوتات مرايا تعكس المحيط وتجعله مرغماً جزءاً من العمل. بالإضافة إلى العناصر التي يستخدمها لإيصال فكرة موضوعه، وهذه تعطي مجالاً للتأمّل والتفكير للوصول للهدف، فهو لا يقدّم فكرته واضحة فعليك أن تفكّر وتؤول لتصل لتفسيرٍ يقنعك، إذا ما استثنينا الكتابات التي تدخل أحياناً ضمن أعماله.
من بين الأعمال النحتية نجد أعمالاً تشبه جهاز «الإسطرلاب» (آلة دقيقة ترصد حركة النجوم وتستخدم في أمور الملاحة والمساحة ومجالات أخرى)، برؤية الفنان الخاصة، الأحرف تكوّن الكرة في الوسط وتتوزع على الأسطح الداخليّة الممتدة بمدارات إهليلجية. ولا يخفى على أحد ارتباط العرب والحضارة الإسلامية بتطوير الإسطرلاب، وبن لاحج بتصميمه هذه الأعمال بصيغة فنيّة جماليّة، فإنه يبرزها كنوع من الاستمرار لحضارةٍ ولّت. وهذه الأعمال ليست الوحيدة التي تظهر اهتمام مطر بعلوم الفلك وإلا لما كان عمله «أقمار الغفران»، والذي يجسّد المراحل التي يمر بها القمر على امتداد 12 متراً، حيث يتكوَّن العمل من تسع حلقات مؤلفة من منحنيات حلزونية، يبدأ فيها مطر بالبرونز وينتهي بالذهب، ولهذا تأويلات مفتوحة من بينها أن تكون حالة من الانتقال الروحي والسمو في الدرجات وصولاً للقمة.
والجدير بالذكر أن بن لاحج غير مقتصر في عمله على المنحوتات الضخمة إذ قدم لأغراض الجوائز التكريمية مجموعة «منحوتات صغيرة» كما يقول الفنان مطر، منها الدرع الخاص بجائزة حمدان بن محمد للتصوير الضوئي، وجائزة الشيخ ماجد لألعاب اللياقة، بالإضافة لجوائز ودروع أخرى برع بن لاحج في تصميمها حيث يرى أنه يتعامل معها كما الممثل الذي يتعايش مع الدّور، فيقرأ رواية الحدث ويتفاعل معه.
   
 
 

الأحرف العربية تنساب كجدول ماء على القماش
أعمال الفنان الإماراتي مطر بن لاحج:
بسمة شيخو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية