لندن ـ «القدس العربي»: علق الكاتب فريد زكريا في «واشنطن بوست» على سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وقال إنها كانت متعثرة منذ البداية والسبب هي الفجوة بين القول والعمل.
وها هو يفعلها مرة أخرى. ويذكرنا الكاتب هنا بأهداف الإستراتيجية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والتي ركزت على «إضعاف وتدمير» التنظيم.
ويواجه اليوم الرئيس الأمريكي ضغوطا لتوسيع حملته في سوريا، وحالة قرر المضي في هذا الطريق فسيواجه الفشل الذريع على حد قول الكاتب.
ولهذا يدعو إدارة أوباما التخلي عن كلامها الخطابي والأهداف الكبيرة للحملة والتركيز على ما يمكن تحقيقه من الإستراتيجية ويعني بهذا الإحتواء. فتصعيد الحملة العسكرية في سوريا لن يخدم الأهداف الأمريكية وسيقود بالتأكيد للفوضى ونتائج غير محسوبة. ومشكلة واشنطن في سوريا هي عدم وجود شركاء يمكن الوثوق بهم.
ويشير زكريا هنا إلى تقرير للكونغرس لم يجد أية قيادة وبنية منظمة في سوريا لديها تأثير وطني واسع. فيما أشار مدير وكالة الأمن القومي في شهادة له أمام الكونغرس إلى أن المعارضة لنظام بشار الأسد مشتتة وعددها 1.500 فصيل مختلف «ويطلق على هذه الحفنة من الميليشيات – التي تعادي الأسد والإسلاميين- الجيش السوري الحر».
من يسيطر على ماذا؟
وينقل الكاتب ما كتبه الباحث في الشؤون السورية جوشوا لانديز الذي يدير مدونة معروفة «سيريا كومينت» التي تعتبر مصدرا مهما للمعلومات حول الوضع السوري عن قدرات النظام السوري الذي قال إنه يسيطر على نصف المناطق السورية وذات الكثافة السكانية الأكبر.
ويسيطر «داعش» على ثلث أراضي سوريا فيما تسيطر بقية الميليشيات على نسبة 20% . ومن بين هذه الجماعات الأخيرة تعتبر جماعات «القاعدة» الأقوى والأكبر حجما، في إشارة ل «جبهة النصرة» و»أهل الشام».
وبناء على تقديرات لانديز فالجماعات غير الجهادية تسيطر على 5% من الأراضي السورية.
ومن بين العدد الكبير من فصائل المعارضة تدعم الولايات المتحدة 75 فصيلا.
ويذكر الكاتب هناك بصعوبة تحقيق أهداف الإستراتيجية الأمريكية حتى لو شمل تصعيدا عسكريا وقوات برية، فواشنطن تريد هزيمة «داعش» وبعدها قوات الأسد ومن ثم «جبهة النصرة» و»خرسان» «وفرصة تحقق هذا بعيدة».
ومن المحتمل أن تؤدي الغارات الجوية المكثفة والقصف المدفعي- إن حدث- لنشر الفوضى وعدم الإستقرار في سوريا، أي تدمير ما بقي من البلاد وفتح المجال أمام الجماعات الجهادية للإنتعاش.
لم يتأخر
ويعود الكاتب ويرد على منتقدي سياسة أوباما الذين يرون أنه تأخر ثلاثة أعوام، وكان بإمكانه هزيمة نظام الأسد ومنع صعود الجهاديين لو استمع لنصح قادته العسكريين ودرب جماعات مختارة من المقاتلين السوريين.
ويرى زكريا أن كل هذا «فانتازيا». صحيح أن التظاهرات في بدايتها كانت سلمية وتقودها جماعات ليبرالية إلا أن القوى السياسية المنظمة والدينية انتصرت وهيمنت. حدث الشيء نفسه في ليبيا ومصر.
وفي التاريخ عادة ما ينتصر الراديكاليون في الثورات التي يبدأها عادة الليبراليون وأمثلة هذا كثيرة في الثورة الفرنسية والبلشفية والثورة الإسلامية في إيران.
ويرى زكريا أن استراتيجية أوباما في سوريا يجب أن تقوم على أساسين، سياسي وعسكري، وفي الوقت الحالي الأول غير موجود والثاني ضعيف.
ويقول زكريا إن ما يميز العنف في سوريا والعراق هو ثورة السنة الذين يشعرون بالظلم والرفض من الحكومات في دمشق وبغداد.
وتستغل هذا الغضب دول خارجية مثل السعودية وقطر والإمارات من جهة وإيران من جهة أخرى. فالدول الأولى تدعم الجماعات المفضلة لها فيما تدعم إيران النظام السوري والحكومة الشيعية في العراق.
ويعتقد زكريا أن الحل يكمن في المشاركة السياسية، وهو أمر ليس باستطاعة الولايات المتحدة هندسته في سوريا.
وحاولت تنفيذه في العراق ولم تنجح، فرغم وجود 170.000 جندي أمريكي ومليارات الدولارات التي انفقت وحكمة الجنرال ديفيد بترايوس وحنكته العسكرية إلا أن كل شيء انهار بعد أشهر من الإنسحاب الأمريكي من العراق.
ويعود الكاتب لتقرير ما بدأ به مقاله وهو فكرة «الإحتواء» التي يراها الطريقة الوحيدة لهزيمة «داعش»، وتتم من خلال دعم الجيران الذين يواجهون خطره أكثر من الولايات المتحدة، ويقصد الكاتب هنا تقوية الدول الجارة والإقليمية المستعدة لمواجهة التنظيم عسكريا وسياسيا، وتضم العراق ولبنان وتركيا والأردن والسعودية ودول الخليج. والتحدي الأكبر هو إقناع الحكومة العراقية تقديم تنازلات جدية للسنة حتى يتم تجنيدهم لقتال «داعش» وهو أمر لم يحدث بعد.
وترفق جهود التعاون مع الدول المعنية باستراتيجية مكافحة إرهاب واستهداف مواقع رئيسية ل «داعش» وملاحقة ومراقبة المقاتلين الأجانب ووقف تحركاتهم واعتراض أموالهم، وحماية الدول الجارة من انتشار الخطر الجهادي عبر الحدود السورية والعراقية. كل هذا موجود في استراتيجية أوباما ولكن أهم شيء هو التخلي عن الكلام المبالغ به الذي يقود الإدارة إلى فشل ذريع.
فشل أمريكي
وتعبر مقالة زكريا عن مخاوف من تصعيد في سوريا وغياب الشركاء الحقيقيين. وهو ما تحدثت عنه «واشنطن بوست» في الإفتتاحية التي انتقدت فيها فشل إدارة أوباما في اليمن الذي يتقدم فيه الحوثيون بعد سيطرتهم على العاصمة باتجاه الجنوب وبدعم مادي من إيران. وانتقدت الصحيفة فشل إدارة أوباما في اليمن وليبيا ببناء مؤسسات سياسية، و محاكم ومؤسسات مجتمع مدني.
وركزت بدلا من ذلك على العمل مع مؤسسات الجيش ومكافحة الإرهاب في اليمن لمواجهة «القاعدة»، وشنت الطائرت بدون طيار الأمريكية»درون» غارات ضد ناشطي القاعدة في اليمن. وقالت الصحيفة إن التدخل العسكري بدون رؤية سياسية يعني ولادة دول فاشلة تشكل خطرا على الأمن القومي الأمريكي.
فتصرفات الحركة الحوثية التي أكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية أن واشنطن ليست متأكدة من نواياها وماذا تريد تحقيقه تعطي فكرة عن مشروع فيدرالي تهيمن فيه على اليمن. كما حذرت الصحيفة من تفكك البلاد، وإحياء المشاعر الإنفصالية لدى الجنوبيين في وقت يوسع فيه تنظيم القاعدة نفوذه في منطقة الجنوب.
ولهذا تحذر عدة كتابات من عدم تكرار الدرس نفسه في سوريا، ويوم الخميس حذر ديفيد إغناطيوس في الصحيفة نفسها من مشاكل المعارضة السورية وتدخل القوى الإقليمية في شؤونها.
كما أكد منسق استراتيجية باراك أوباما في العراق وسوريا الجنرال المتقاعد جون ألن على أهمية بناء قوة عسكرية ذات بنية منسجمة ومتفوقة في سوريا، حيث اعتبرت صحيفة «التايمز» تصريحاته بعد عودته من المنطقة واجتماعه مع ممثلي المعارضة السورية تخل عن الجيش السوري الحر، الجهة التي توقع الكثيرون أن تكون المستفيدة من الميزانية التي خصصها الكونغرس (500 مليون دولار) لتدريب 5.000 عنصر مختار من المعارضة السورية المعتدلة. وقد اعترف آلن بعدم وجود تنسيق مع الجيش السوري الحر في العمليات الجارية ضد «داعش».
وعلى ما يبدو فخطط أوباما تسليح وتدريب المعارضة لن تؤت نتيجتها قبل عام، خاصة أن عملية الفرز والتحقق من المرشحين لتلقي تدريبات في القواعد العسكرية السعودية والأردنية والتركية لم تبدأ بعد.
وتواجه إدارة أوباما مشاكل في بناء قوات محلية سنية لمواجهة «داعش» التي حذرت تقارير من قرب وصوله العاصمة بغداد، وسيطرته على معظم محافظة الأنبار.
مشاكل الحرس الوطني
وفي السياق نفسه أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى معوقات تشكيل الحرس الوطني والتي قد لا تتحقق وذلك بسبب الخلافات العراقية ـ العراقية.
وسبب تراجع فكرة الحرس الوطني راجع للتنافس بين الكتل السياسية العراقية التي عبرت عن تحفظات حول من سيقوم بالإشراف عليها واختيار أفرادها وتمويل تدريبهم.
وتقول الصحيفة إن إدارة أوباما دفعت باتجاه تشكيل هذه القوات كوسيلة لتقريب السنة من الحكومة الشيعية وبعد سنوات من السياسات الطائفية لرئيس الحكومة السابق نوري المالكي.
ونقلت الصحيفة عن نواب في البرلمان وقادة عشائر قولهم إن الخلافات عميقة لدرجة لا يمكن تنفيذ الخطة في المستقبل القريب. ولم يتم الإجماع على الخطة حتى في ظل غياب الإشارات عن تحقيق الجيش العراقي وقوى الأمن تقدما ضد «داعش».
ولم يتخذ رئيس الوزراء حيدر العبادي خطوات جادة باتجاه تشكيل الحرس الوطني حيث قال مسؤول في مكتبه إن الخطة «لا تزال قيد الدراسة»، وهو تراجع واضح عن تصريحات سابقة التي تم فيها التأكيد على أهمية الحرس الوطني في المواجهة.
وبحسب غسان الحسيني، أحد مستشاري رئيس الوزراء «فكرة الحرس الوطني بعيدة عن التنفيذ بسبب الأوضاع الأمنية الحالية»، محذرا من أنها «قنبلة موقوتة لو أسيء استخدامها». وعبرت كل الطوائف العراقية عن تحفظاتها حول الخطة التي ترى فيها تسريعا لتشرذم البلاد.
وبعد تسريب الإطار القانوني لخطة الحرس الوطني ونشره في الإعلام المحلي تحول الحماس القليل للخطة إلى معارضة شاملة بمطالبات من النواب ومشايخ العشائر للتخلي عن خطة الحرس الوطني والتركيز على إعادة بناء الجيش العراقي.
ونقل عن نائب من كتلة رئيس الوزراء قوله «يمكننا مناقشتها- الخطة- لأشهر لكنها لم تمرر بسبب عدم وجود طرق حقيقية لتنفيذها»، مضيفا «ليس لدينا وقت لترضية كل واحد في الوقت الذي يتعرض فيه البلد للخطر».
وكان المسؤولون الأمريكيون، الجنرال ألن ونائب مستشارة الأمن القومي توني بلنيكين قد أكدوا أن الحكومة العراقية تعمل بجد على الخطة، لكن نوابا شاركوا في جلسة مغلقة لدراسة الإطار القانوني أكدوا أن أي طرف لم يبد استعدادا للتنازل.
ونقل عن عبدالباري زيباري من الكتلة الكردية «لا يوجد هناك إجماع حول قانون الحرس الوطني»، مشيرا إلى أن الفكرة «لن تر الضوء».
وهناك خلاف حول من يكون في القوات؟ السنة فقط أم سيسمح للشيعة وغيرهم؟ واعترضت بعض الميليشيات الشيعية قائلة إن لها الحق بالإنضمام لهذه القوات نظرا لما لعبته من دور في مواجهة داعش. وتخشى ميليشيات ذات حضور قوي أن يتأثر نفوذها حالة تم تشكيل قوات تابعة للحكومة.
ورفضت كل من قوات بدر وجيش المهدي الفكرة. وتشك القبائل السنية حتى الآن في نوايا الحكومة وبعضها يتعاون معها ولكن في حدود مواجهة «داعش». ورفضت قبائل ضم المقاتلين من أبنائها ضمن قوة تابعة للحكومة، وقالت إنها ترحب بالدعم المالي فقط.
ويرى نائب سني أن تشكيل حرس وطني سيسحب البساط من تحت أقدام الميليشيات إذ لا معنى لوجودها حالة تم بناء قوات عسكرية موحدة.
ومن المعوقات الأخرى لإنشاء حرس وطني الخشية من مطالبة أقليات أخرى بقوات مماثلة مسيحية ويزيدية وتركمانية مما سيؤدي لنشوء حركات انفصالية.
ولدى الأكراد قواتهم الخاصة بهم ـ البيشمركة- وقد يستفيدون من تشكيل الحرس الوطني في مناطق السنة من خلال حصولهم على دعم مالي لقواتهم مستقل يقابل الدعم لقوات الحرس الوطني أو يزيد عنه.
وتواجه واشنطن مشاكل أخرى ممثلة في( كوباني)عين العرب، فهي موزعة بين منع سقوط المدينة بيد «داعش» ودعم القوى الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني ( بي كي كي)، ووجود مقاتلين من هذا النوع دفع الحكومة التركية لتوجيه ضربة لمواقع الحزب في جنوب تركيا في 13 تشرين الأول/أكتوبر، مما عد ضربة للجهود التي تديرها حكومة طيب رجب أردوغان مع الزعيم الكردي السجين عبدالله أوجلان.
ويرى المعلقون أن مصير المحادثات أصبح معلقا بمصير كوباني فإن سقطت البلدة انتهت المحادثات حسب مسعود يكن، الباحث في العلوم السياسية بجامعة شهر والذي يرى في ضرب تركيا لمواقع» بي كي كي» نوع من التفاخر وتؤثر على العملية السلمية التي تعرج. وتقول مجلة «إيكونوميست» إن الخلاف حول كوباني هو عرض وليس السبب في بطء محادثات السلام بين الطرفين.
ويرى أطلان تان، العضو المؤيد للأكراد في البرلمان إن خطة الطريق التي يعرضها أردوغان لا شيء جديد فيها فهي تدعو لنزع سلاح «البي كي كي» وهو «مستحيل في الظروف الحالية» في إشارة لكوباني التي أبطأت الغارات الأمريكية من تقدم «داعش» فيها مما خفف الضغط على القوات التركية للتدخل هناك. وتقول المجلة إن قوة «بي كي كي» ضد «داعش» وميل أفرادها العلماني يجعل منهم حلفاء محتملين للولايات المتحدة لمواجهة التنظيم. وقد يؤدي الدعم الأمريكي الموجه لحزب الإتحاد الديمقراطي- المرتبط بال «بي كي كي» إلا أنه ليس مصنفا على قائمة الإرهاب، لتعاون في المستقبل وهو ما تخشاه تركيا.
وترى المجلة أن مواقف أردوغان الذي اعتمد على الأكراد في البرلمان أثناء الحملة ضده من قبل جماعة فتح الله غولن، يحاول البحث عن أصدقاء جدد ممثلين بالقوميين، ومنهم جنرالات حاول أردوغان تدجينهم في السنوات الماضية، ولكنهم دعموا التدخل في سوريا ضد «الإرهاب».
وتلاحظ الجماعات الكردية في تركيا تحولا للتعامل امنيا مع «بي كي كي». وبحسب تان «نحن محصورون بين أوجلان وبي كي كي». ويخشى البعض من محاولات الحكومة زرع الفرقة بين الأكراد أنفسهم، ولكن تخشى الحكومة من خروج الأكراد عن السيطرة، وأيا كان الحال فكلما فشل أوجلان بالحصول على تنازلات لصالح شعبه من تركيا، كلما أصبح «بي كي كي» أكثر قلقا.
ويقول يكن «قد ينقسم بي كي كي بدون وجود أوجلان، لكن الحزب سينجو، وبدون بي كي كي لن يصبح لأوجلان أهمية».
إبراهيم درويش