بغداد ـ «القدس العربي»: رسخ اجتماع الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والنواب) مع قادة القوى السياسية المشاركة في الحكومة والبرلمان، صورة اخفاق القوى السياسية في التوصل إلى تغيير في النهج المتخلف الفاسد الذي قاد البلاد نحو حافة الهاوية ووضع وحدتها ومستقبلها على المحك، وعجزها عن تشكيل حكومة إصلاح حقيقي، وذلك بسبب رفض تلك القوى التخلي عن بعض امتيازاتها ومكاسبها التي حققتها تحت يافطة الاستحقاق الانتخابي، بالرغم من كل الاخفاقات والفشل والانهيار الذي أوصلت البلاد إليه.
واعترف المشاركون في الاجتماعات بعدم التوصل إلى اتفاق حول آلية تشكيل الحكومة الجديدة التي وعد بها رئيس الحكومة حيدر العبادي، ووصول العملية إلى طريق شبه مسدود، بالتزامن مع تصاعد التوتر والانهيار الأمني في الشارع نتيجة تصاعد الصراع السياسي بين القوى السياسية واسلوب التهديد والوعيد في التعامل مع الآخرين.
ويتابع المراقبون هذه الأيام، مساع جدية من التيار الصدري المدعوم من حراك شعبي واسع عبر التظاهرات الشعبية، إلى تشكيل كتلة برلمانية في مجلس النواب تضم نوابا وقوى من كل أطياف الشعب العراقي، لدعم مساعي رئيس الحكومة حيدر العبادي في تشكيل حكومة تكنوقراط بعيدة عن تأثيرات الكتل السياسية المتنفذة، وهي خطوة لو حصلت، فإنها تعتبر انعطافة ايجابية حادة في مسار العملية السياسية السائدة في العراق منذ 2003 والتي طغى عليها الفشل والفساد، جراء تأثير المحاصصة الطائفية والتوافقات البائسة في إدارة البلاد.
وفي الحقيقة، فإن الخلافات في المواقف بين القوى السياسية العراقية لم تقتصر على موضوع تشكيل الحكومة المرتقبة هذه الأيام، بل امتدت إلى العديد من القضايا التي عكست عمق التناقضات وديمومتها وصعوبة التوفيق فيما بينها.
وقد برز ذلك من خلال ردود الأفعال الناجمة عن تصريحات وزير خارجية الإمارات العربية عبد الله بن زايد في موسكو، عندما أكد على ان القضاء على التنظيمات الإرهابية مثل داعش والنصرة يتطلب التخلص من الميليشيات المدعومة من إيران أيضا. حيث رفض الشيعة هذه التصريحات بينما رحب بها سنة العراق واعتبروها تلامس الواقع. كما برزت الخلافات بين القوى السياسية في ضوء القرار الذي أصدره مجلس محافظة نينوى هذا الأسبوع خلال اجتماع استثنائي، برفض مشاركة الحشد الشعبي في عملية تحرير الموصل المرتقبة لما يسببه ذلك من حساسيات لدى أهل المحافظة ولتجنب إنتهاكات لعناصر من الحشد وقعت في المناطق المحررة سابقا، حيث ردت الحكومة والقوى الشيعية بالإصرار على المشاركة في تلك العملية في موقف تحدي واضح لإرادة حكومة وشعب الموصل.
وفي مؤشر على تأزم الشارع العراقي وتوتره جراء الخلافات السياسية للنخبة الحاكمة، تجددت الأحداث الطائفية في مدينة المقدادية ضمن محافظة ديالى المجاورة لإيران، والتي وقع فيها تفجير انتحاري في مجلس عزاء استهدف عددا من قادة الحشد الشعبي، والذي أعقبته حملة من ردود الأفعال ضد مكون معين عبر حملة أعادت إلى الأذهان ما وقع في المدينة نفسها من أحداث عنف طائفي قبل حوالي الشهر، أدت إلى تدمير جوامع وقتل وتهجير المدنيين، وسط تصعيد متعمد من قوى سياسية فاعلة في المحافظة فيما يبدو أنه سيناريو تتكرر صفحاته لتحقيق برنامج تمزيق النسيج الاجتماعي في هذه المحافظة المنكوبة.
وضمن التطورات الأمنية العسكرية، فقد وقع خرق أمني خطير عندما تمكن تنظيم «الدولة» من مهاجمة منطقة أبي غريب التي لا تبعد سوى 25 كلم من العاصمة العراقية، حيث تمكنت عناصره من السيطرة على نقاط عسكرية ومنشآت حكومية، قبل ان تتمكن القوات الأمنية من طرده منها. وقد أثار الحادث تساؤلات العراقيين عن كيفية تمكن التنظيم المحاصر في الفلوجة والكرمة، من تجاوز الحصار الذي تفرضه القوات الحكومية هناك منذ أكثر من عام، لكي يصل بعجلاته وتجهيزاته وعناصره إلى تلك المنطقة المجاورة لمطار بغداد دون كشفه إلا بعد وصوله لأهدافه!
كما جاء تصعيد التفجيرات الانتحارية في أحياء العاصمة كمدينة الصدر والشعلة واستمرار الاغتيالات والسطو المسلح للبيوت والمحلات، ليؤشر انهيارا أمنيا وزيادة في أحداث العنف التي زاد عدد ضحاياها على ألفي مدني حسب احصائيات بعثة الأمم المتحدة في العراق، كما عكس توتر الوضع السياسي في البلاد.
ومن ناحية أخرى، فقد تمكنت القوات العراقية من شن حملة لتحرير جزيرة سامراء وبعض المناطق القريبة من تكريت، ونجحت في طرد عناصر التنظيم ضمن المرحلة الأولى من الهجوم الذي وفر له الطيران العراقي والتحالف الدولي، الغطاء اللازم لتحقيق أهدافه. وهو انجاز مهم يسهم في التقرب أكثر نحو الشرقاط، التي تعتبر آخر مدينة في محافظة صلاح الدين تحت سيطرة تنظيم «الدولة»ومفتاح التحرك شمالا نحو الموصل.
وفي موقف مثير للانتباه، برزت هذا الأسبوع ظاهرة تستحق الاهتمام، وهي انتفاضة طلبة جامعة المثنى جنوب العراق الذين خرجوا في تظاهرات واسعة لرفض زيارة وزير التعليم العالي حسين الشهرستاني وقيامهم برشق موكبه بالأحذية والقناني الفارغة وترديد هتافات تتهمه بالفشل والفساد، كما انضم إلى الانتفاضة طلبة الكليات في كربلاء والنجف مطالبين باستقالة الوزير المذكور. وتأتي أهمية هذا الحدث كونه يقع في محافظات شيعية ضد قيادي بارز في التحالف الوطني الشيعي، ما يشير إلى تململ الشارع الشيعي، أسوة بالآخرين، جراء الفشل والفساد المستشري في كل كيان الدولة العراقية، التي يقودها أساسا التحالف الوطني.
مصطفى العبيدي