كليفتون ـ نيوجرسي «القدس العربي»: كايتي عساف في الصف النهائي في مدرسة كليفتون الثانوية في ولاية نيوجرسي. وأختها كارولين في الصف العاشر في مدرسة باسيك التقنية المتخصصة في التأهيل الطبي. معالم النبوغ والتميز بدأت بالظهور مع سنوات العمر الأولى. تعود أصول العائلة إلى مدينة نابلس في فلسطين. ولدت الأختان في ولاية نيوجيرسي، كايتي عام 1998 وأختها كارولين عام 2000. وقررت الوالدة أم كرم عام 2008 أن تعود بعائلتها إلى نابلس حرصا منها على تعليم البنتين اللغة العربية والدين والعادات الفلسطينية الأصلية. في نابلس التصقت الفتاتان بالأرض والوطن وكانتا في سن يطرح الكثير من الأسئلة ويسمح بتفهم الأشياء دون تعقيد أو تبرير. كان منظر حاجز حوارة القريب من بيت العائلة من الجهة الجنوبية موقعا للمواجهات المستمرة وكم من مرة سمعتا أصوات سيارات الإسعاف أو أزيز الرصاص. ومخيم بلاطة أيضا ليس بعيدا عن البيت من الجهة الشمالية. من بين الحوادث التي تركت بصماتها العميقة على الاختين، منظر إطلاق النار من قبل جنود الاحتلال على شاب في مقتبل العمر قرب حاجز زعترة من الجهة الشمالية لمدينة نابلس. لم يعرفان ما حدث لكن سمعتا صراخا غير مفهوم ثم تلا ذلك أصوات إطلاق نار وشاهدتا الشاب الذي قد لا يكون وصل العشرين من عمره، مجندلا أمام الناس ينزف ويرفع سبابته وكأنه ينطق الشهادتين. هز المنظر كيان الفتاتين. أخبرتا أمهما بما حدث وحالة من الذهول والخوف والقهر تسيطر عليهما. قررت الأم أن تعود إلى الولايات المتحدة بعد إنتهاء السنة الدراسية حيث حاولت أن تساعد الصغيرتين في الخروج من حالة الذهول والإحباط التي ظلت مهيمنة على تفكيرهما وخشيت من تأثير الحادث على أدائهما المدرسي. في الخمس سنوات تلك تشكلت شخصية الفتاتين. عرفتا معنى الانتماء لفلسطين الوطن وفلسطين الهوية والجرح المفتوح على ألم شعب يرزخ تحت الاحتلال.
عادت العائلة إلى الولايات المتحدة عام 2013 للاستعداد للتأهل الجامعي حيث تشترط معظم الجامعات أن يكون الطالب أو الطالبة قد أمضى السنتين الأخيرتين في مدرسة أمريكية وإلا سيضطر لخوض العديد من إمتحانات اللغة والتأهيل للقبول في الجامعة. الإبداع والنجاح والتميز كان قرار الفتاتين بعد عودتهما من فلسطين لكي تتمكنا من مساعدة الشعب الفلسطيني وتركت كل واحدة جزءا من قلبها في نابلس وحوارة ومخيم بلاطة وزعترة. قناعة توصلت لها الفتاتان بمساعدة أمهما التي كرست كل دقيقة لتعليمهما وتهذيبهما ووضعهما على طريق النجاح. هذا بالضبط ما حصل.
كارولين احتلت المرتبة الأولى في ولاية نيوجرسي في مسابقة طبية وتستعد للدخول في مسابقة عالمية تعقد في مدينة ناشفيل في ولاية تنيسي. المدرسة التي تتابعها كارولين متخصصة في تأهيل الطلاب لدراسة الطب. وقد بدأت بالفعل تأخذ دورات طبية تحسب ضمن الساعات المعتمدة في دراستها الجامعية لتقصير مسافة الدراسة في كليات الطب حيث يمكنها أن تتخرج طبيبة قبل سنة أو سنتين فيما لو سارت في الطرق العادية. وتنوي كارولين أن تكرس حياتها لخدمة الشعب الفلسطيني المظلوم والواقع تحت براثن الإحتلال. أما كايتي فقد استطاعت بمجهوداتها الفردية أن تقنع مجلس التربية والتعليم في مدينة كليفتون باعتماد عيد الأضحى عطلة رسمية. هذه سنتها الأخيرة في المدرسة الثانوية وقد قبلت في جامعة سانت بيتر لدراسة القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان. وبعد إكمال سنواتها الأربع الأولى ستلتحق كايتي بجامعة هارفرد الشهيرة لاستكمال دراساتها القانونية والتي ستسخرها لخدمة المظلومين من كل الجنسيات وخاصة أبناء شعبها الفلسطني كما شرحت ذلك أم كرم. يوم 17 من شهر نيسان/أبريل الماضي وعلى هامش الاحتفال برفع العلم الفلسطيني في مدينة كليفتون تم تكريم الاختين ومنحت كل منهما جائزة رمزية تشير إلى هذا النبوغ المبكر. «القدس العربي» التقتهما وكان هذا الحوار.
كايتي عساف
○ ممكن أن تعرفي بنفسك؟
• أنا كايتي عساف. ولدت في أمريكا في ولاية نيوجرسي عام 1998. من أصول فلسطينية من مدينة نابلس. ذهبت إلى الوطن وأنا في الصف الخامس ثم عدت وأنا في الصف العاشر. أنا الآن في السنة الأخيرة من المدرسة الثانوية وأستعد لبدء دراساتي الجامعية. وقد قبلت في جامعة سانت بيتر في مدينة جيرسي سيتي.
○ لقد تم تكريمك اليوم. ما هي أسباب التكريم؟
• تم تكريمي اليوم تقديرا لجهودي في جعل يوم عيد الأضحى عطلة رسمية في المدينة التي أعيش فيها وهي كليفتون. بذلت مجهودا كبيرا لتحقيق هذا الهدف. وحضرت العديد من الاجتماعات لمجلس التربية والتعليم التابع للمدينة، كما قمت بتقديم إلتماسات عديدة رافقها حملة جمع تواقيع لهذه الغاية زادت عن الستعمئة توقيع. واستغرقت العملية أكثر من ستة أشهر.
○ هل قمت بهذا المجهود بمفردك؟
• الحقيقة لا ـ كان عندي لجنة من طلاب وطالبات المدرسة تساعدني وتقوم نيابة عني بجمع التواقيع. لكنني أنا الذي بدأت بالفكرة وأخذت على عاتقي متابعتها وأن أحضر إجتماعات مجلس التربية والتعليم في إجتماعاته الدورية. وكنت أحضّر كلمة متزنة منطقية لإقناعهم بضرورة قبول العيد الأساسي للمسلمين عطلة رسمية.
○ وكيف إستطعت إقناع مجلس التربية والتعليم باعتماد مثل هذا القرار؟
• لقد شاركت في جميع اجتماعات المجلس وكنت أشرح لهم أهمية العيد بالنسبة للمسلمين. وقد بينت لهم بالأرقام أعداد المسلمين في المدنية المتزايد دائما وأعداد أولادهم في المدارس. وقلت لهم إن هذا الاقرار لا بد أن يأتي في قادم الأيام فالأحسن أن تأخذوه أنتم بقرار تعطون عليه ويحسب لكم بدل أن الانتظار سنة أو سنتين أو خمسة. وبعد عدة جلسات وبعد أن أجبت على جميع أسئلتهم أقر المجلس في جلسته يوم 9 آذار/مارس أن يكون عيد الأضحى عيدا رسميا للمدينة. وها نحن نحتفل به كجالية في يوم رفع العلم الفلسطيني.
○ وماذ بعد يا كايتي؟ ما هي خطواتك المقبلة في ظل تصاعد التمييز والعنصرية ضد المسلمين في هذه البلاد؟
○ هذه هي الخطوة الأولى. ساستمر في هذا الطريق. أريد أن أدرس القانون وأصبح محامية دولية. هدفي أن أتخرج من جامعة هارفرد ليكون إسم الجامعة حماية لي في مرافعاتي. ولكن حاليا نستطيع كجالية أن نرد على التمييز والكراهية والعنصرية بضرب نموذج آخر يتمثل في الاحترام والحي والانفتاح ومد يد المساعدة. يجب أن نثبت بالممارسة أن ديننا ليس دين إرهاب بل دين محبة وإنسانية.
كارولين عساف
○ عرفينا على نفسك يا كارولين؟
• أنا مثل أختي. ولدت هنا في ولاية نيوجرسي. عدت مع والدتي إلى فلسطين وأنا في الصف الثالث الإبتدائي ثم عدنا جميعا وأنا في الصف الثامن. تعلمت الكثير وعشت تجربة الاحتلال بنفسي وشاهدت طلابا يعتقلون وحواجز تذيق الناس أصناف الإهانات. وقد حدثتك والدتي عن الشهيد الذي رأيناه أنا وأختي يقتل أمام عيوننا ولا أريد أن أعيد ذكر الموضوع.
○ تم تكريمك اليوم في الاحتفال. هل يمكنك أن توضحي للقراء أسباب التكريم وما هي الجائزة الطبية التي حصلت عليها؟
• فزت بالمرتبة الأولى في مسابقة طبية على ولاية نيوجرسي جميعها أمام عدد كبير من المنافسين الطلاب. والمسابقة عبارة عن إلتقاط ثلاث صور لطبيب بشري أو بيطري وهو يمارس المهنة أو أثناء إجراء عملية جراحية. يتم كتابة قصة الصورة بطريقة علمية تشرح القيمة العلمية لما يقوم به الطبيب أثناء إلتقاط الصورة. وقد قدمت بحثا حول الصور من ثلاث صفحات مطبوعة. الخطوة التالية يتم عرض الصور والبحوث المرافقة على لجنة مختصة من الأطباء تكون الأسماء غير ظاهرة. يتم بعدها إختيار أفضل عشرة بحوث مع الصور. ثم يستدعى جميع المتنافسين الذين تم إختياهم ضمن القائمة القصيرة أمام لجنة الحكام الأطباء. بعد إجراء مقابلة مع المتنافسين يتم إختيار الفائز. وقد فزت بعد تلك المقابلات بالمرتبة الأولى كما قلت.
○ وماذا بعد؟
• الآن نستعد للتنافس على مستوى العالم. وستعقد الجلسة التافسية على مستوى العالم في مدينة ناشفيل في ولاية تنيسي بين يومي 22 و 26 حزيران/ يونيو من هذا العام لاختيار الفائز بالجائزة العالمية.
○ نتمنى لك الفوز يا كارولين. يبدو أنك تعدين لنفسك لدراسة الطب.
• نعم لأعود إلى فلسطين وأساعد شعبي الفلسطيني، وكم أتمنى أن أساعد الأسرى والمعتقلين طبيا. كما أنوي لو تمكنت بناء مستشفى أطفال في فلسطين وخاصة في غزة. غزة أكثر مكان فلسطين بحاجة إلى مساعدة طبية في كل المجالات لأنها تعرضت لأكثر من عدوان. أحب أولا أن أساعد أبناء بلدي قبل أن أساعد الشعوب الأخرى ليس نوعا من العنصرية بل لأنهم بحاجة ماسة إلى جهود طبية.
عبد الحميد صيام