عمان – «القدس العربي» : يختصر وزير الداخلية الأردني سمير مبيضين المسافة أمام الاحتمالات الأمنية عندما يطلب من الجمهور في أول ظهور علني بعد أحداث مدينتي الفحيص والسلط تجنب التجمع في أي مواقع يمكن أن تشهد مواجهات أمنية مع الإرهاب لاحقاً.
هنا مؤشر قوي على أن السلطات الأمنية الأردنية تتوقع سيناريو أسوأ وتطلب من المواطنين المساعدة في الحياد التكتيكي والميداني عند حصول عمليات.
الأهم في حديث الوزير المبيضين بعدما ارتفعت نسبة شفافية وزارة الداخلية هو الإيحاء الضمني بأن التحقيقات التي تجري بعد أحداث السلط رفيعة المستوى وسرية الطابع. وبالتالي تتوقع القراءة الأمنية حصول محاولات إضافية مستقبلاً وفي أكثر من مكان في اطار الاشتباك مع ما تسميه الأوساط الرسمية بخلايا التكفير ومجموعات الذئاب المنفردة.
أعلن الوزير المبيضين بعدما شرح ما حدث في السلط والفحيص للرأي العام وبشفافية خلافاً للعادة بأن التحقيقيات مع خلية السلط توصلت إلى عبوات ناسفة ومواد حمضية تم دفنها في أحد المواقع.
الوزير كشف النقاب عن ما سماه بمخطط ضد نقاط أمنية وتجمعات شعبية وهي صيغة بديلة عن الخطاب البيروقراطي الكلاسيكي الذي كان يتحدث عن خلايا إرهابية تخطط لعمليات لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.
بمعنى آخر ما لا يريد وزير الداخلية قوله مباشرة هو ان السلطة بصدد تحريض الشارع ضد المنحرفين الأصوليين وبأن الخواصر المدنية عبر التجمعات السكانية مستهدفة ايضاً إضافة إلى النقاط الأمنية في الوقت الذي كان فيه قائد قوات الدرك الجنرال حسين الحواتمة يتحدث لوسائل الإعلام عن عملية صعبة وفي غاية التعقيد حصلت لاحتواء خلية السلط الإرهابية مشيراً إلى ان متطلبات حماية المدنيين أدت إلى استشهاد اربعة من رجال الأمن.
بكل حال وفي الجانب السياسي يمكن القول بان عبارات وتعبيرات اركان المسألة الأمنية الأردنية امس الاثنين تحاول سايكولوجياً تمهيد المساحة امام الجمهور لعمليات اخرى قد تحصل في مواقع اضافية بعدما اصبحت المواجهة علنية ومباشرة بين مركز الثقل الأمني الأردني وبين نشطاء في مجال تكفير المجتمع والإرهاب لا يوجد حتى اللحظة أدبيات رسمية تربطهم بعوامل خارجية.
بوضوح شديد تجنبت الرواية الرسمية المفصلة المعروضة امس لأحداث السلط والفحيص أي إشارة لتنظيم داعش الإرهابي او غيره من التعبيرات الجهادية تفاعلاً مع الوقائع التي تقول بأن أياً من المنظمات المعروفة والتي يمكن ان تستهدف الأمن الأردني لم تعلن رسمياً عن تبني الأحداث الأخيرة.
يمكن عملياً اعتبار ذلك قرينة قوية على التقدير الأمني العميق الذي سمعته «القدس العربي» مباشرة ويؤشر على ان مجموعات محددة من جماعات «التكفير والهجرة» قررت التحرك في الساحة الأردنية ضد الدولة والنظام والأمن والمجتمع ولأسباب قد تبقى غامضة مؤقتاً. وتختبر الغرفة الأمنية اليوم هذه المعطيات لأن المجموعات التكفيرية والجهادية الاصولية ممتدة ومتوسعة في اربع محافظات أردنية على الاقل من بينها السلط.
وحتى لا تستعجل سلطة القرار الأمني في الاستنتاج والاشتباك يتطلب المشهد دراسة تفاصيل عميقة لها علاقة اولاً بالنشاط الذي قامت به مجموعة محلية في مدينة السلط بقيادة سلفي تكفيري شاب تعرفه السلطات وتراقبه أصلاً وهو المتهم الرئيسي في الاحداث الأخيرة واسمه احمد النسور.
وثانياً لها علاقة بتحديد أطر الفتوى الشرعية التي تأمر او تسمح لمجموعات جهادية او تكفيرية بالتحرك في الداخل الأردني خلافاً بطبيعة الحال لقواعد الاشتباك المألوفة والقديمة بين الدولة الأردنية والنسخة المحلية من الجهادية السلفية والتي تضم آلاف المواطنين الملتزمين بالماضي بعدم تصنيف الأردن كساحة جهاد رغم نشاط كثير منهم في العراق وسوريا وليبيا.
في كل حال هذه معطيات أساسية لمراجعة وقراءة حركة خلية النسور لان السلطة معنية اليوم وقبل الجانب الفني والأمني بمعرفة ما اذا كانت مجموعات الذئاب المنفردة او الجماعات التكفيرية المتشددة قد بدلت وغيرت لسبب آخر قواعد اللعبة في الساحة الأردنية. وهي معطيات أساسية لا يمكن حسم تداعياتها الا بعد تحقيقات سرية ومغلقة وعميقة جداً.
لكن اهميتها تكمن في انها لا تتعلق فقط في نمط التفكير خارج العلبة عند مجموعات نشطة في التيارات الجهادية والتكفيرية وهي تيارات لا يستهان بكثافتها العددية في مدن عدة من بينها، إضافة إلى السلط، معان والزرقاء واربد واوساط بعض المخيمات بقدر ما تتعلق بسعي المركز الأمني الخبير في كل تفصيلات الصورة الجهادية بالمنطقة لقراءة التحول حتى يتم تحديد استراتيجية الرد.
مستوى التأزيم هنا مربوط في هذه الجزئية لأن السلطة تريد ان تفهم اليوم ما اذا كانت خلية النسور قد زرعت العبوة الناسفة تحت سيارة الدرك في مدينة الفحيص بقرار جهادي ذاتي وعلى أساس حالة فردية تضم مجموعة أشخاص أم في إطار مستجد أوسع وأخطر له علاقة بمئات من نشطاء التيار التكفيري والجهادي الذين تعرفهم السلطات جيداً وسبق لها في الماضي ان عقدت اتفاقيات مع بعضهم في اطار حماية الداخل. بمعنى آخر فالحاجة للمزيد من الحفر في أعماق ما حصل في مدينتي الفحيص والسلط وبمعزل عن كونه حالة أمنية فردية هو ضروري جداً ليس فقط لأسباب أمنية. ولكن لأسباب استراتيجية اعمق فالبنية الاجتماعية والعشائرية مليئة بالمتشددين ونشاط السلفيين والتكفيرين لا يمكن إنكاره في المجتمع والاشتباك معهم بعد محطة الفحيص والسلط مسألة ينبغي ان تتقرر بدقة متناهية بسبب كلفتها العالية.
وأغلب التقدير ان حادثة السلط والفحيص ستؤدي إلى معركة أكبر مفتوحة مع المتشددين دينياً في المجتمع وفي اربع محافظات إذا ما تأكدت السلطة من ان النسور وخليته تحركا في إطار «شرعنة وخطة» وليس في حالة «ذئب منفرد».
ولأن ذلك مهم جداً يتطلب اعتقالات وتحقيقات عميقة ومواجهات مختلفة، الأمر الذي من المرجح ان الوزير المبيضين يعرفه جيداً وهو يرسم تعليقاته بدقة على بوصلة تتحدث عن تحقيقات رفيعة المستوى وسرية ومخططات ضد تجمعات شعبية وأمنية مهيئاً الرأي العام مسبقًا لمواجهات قد تتكرر وتتطلب تضحيات.