الأخ الأكبر والأدب السياسي

حجم الخط
1

■ لمن عساه يكتب هذه المذكرات؟ خطر هذا السؤال في بال بطل رواية «1984» لجورج أورويل ويستون سميث، الذي كان حينها أمام خيارات عدة، من بينها الكتابة من أجل الذين لم يولدوا بعد، غير أن واقعه الاستبدادي جعله يتخوف من أن يكون المستقبل شبيها بالحاضر، وأن يكون مصير كلماته النسيان.
بيد أن كلماته ما زالت إلى وقتنا الراهن تصدح بقوة وتفضح آليات الأنظمة الديكتاتورية، وحتى لغتها الجديدة، فيكفي ان تستخدم كيليان كونواي مستشارة الرئيس دونالد ترامب مصطلح «حقائق بديلة الأمريكية» في مقابلة تلفزيونية حتى تعود رواية مؤلف «مزرعة الحيوانات» لتتربع على عرش المبيعات، وهذا ما يجعل من كلمات ويستون سميث بطل المؤلف أداة لتفكيك الأنظمة الشمولة وإدراك أوجه اللغة الجديدة للأخ الأكبر في عصرنا الحالي.
يعرض جورج أورويل عقل المواطن الذي تقولبه الأنظمة الشمولية وكيف يجعله خادما للنظام بطاعة عمياء «كبارسونز» زميل ونستون في وزارة الحقيقة، إنه نموذج الإنسان الذي ينشأ في ظل الأنظمة الديكتاتورية، حيث يجمعُ بين النشاط والغباء مفعم «بالحماسة الحمقاء» يقربنا أورويل من شخصيته قائلا «إنه من أولئك الكادحين المخلصين الذين لا يسألون عن شيء أبدا، والذين يعتمد استقرار الحزب عليهم حتى أكثر من شرطة الفكر نفسها».
صيرورة صناعة وعي اجتماعي للأفراد خاضع ومتوهم بأن للأخ الأكبر قوة أسطورية ووجود مؤامرات تحاك للإطاحة بالنظام، تعتمد بالأساس على صحافة متحكم فيها، وأجهزة تمسح التاريخ وتكتبه من جديد وتعدل النصوص والمقالات وتصحح التنبؤات والتصريحات الخاطئة للأخ الأكبر كما يتم رمي الوثائق الأصلية في الفرن لكي لا يطلع عليها الشعب، الذي يفضل أن يستهلك أحط أنواع المواد الإباحية التي يجري إرسالها لهم في مغلفات مختومة، بيد أنه يمنع على أعضاء الحزب الاطلاع عليها.
يضيف مؤلف تحية لكتالونيا تصوير مشاهد صناعة الفرد المستلب قائلا إنه لا تقتصر وظيفة ونستون عند تعديل وإتلاف المقالات والكتب، بل تصل أحيانا إلى اختراع النصر العسكري أو نصر زيادة الإنتاج أو خلق شخصية غير موجودة لإحياء ذكراها بغية تكريس الأمر اليومي، من أجل تخليد ذكرى أحد اعضاء الحزب، بحيث تصبح حياته وموته مثالا يستحق اتباعه، وتتحول بذلك هذه الشخصية إلى مسلمة من المسلمات لدى الشعب تستميلهم عاطفيا وتحرك وجدانهم إلى طاعة النظام.
يدأب النظام الشمولي إلى خلق لغة جديدة وتدمير كلمات، خاصة الأفعال والصفات، نظرا لأن اللغة تشكل الوعاء الحضاري للشعوب. فنظام الأخ الأكبر لن يسمح باستخدام لغة تساعد على بلورة الفكر النقدي، ويشير سايم المتخصص في اللغة الجديدة إلى أن الهدف من اللغة الجديدة هو الحد من التفكير، بحيث تصبح جريمة الفكر أمرا مستحيلا، وبالتالي سيعبر الناس بكلمة واحدة لتطمس بذلك الكلمات والمعاني المتعددة ويطمس معها التمرد على النظام «سوف تتناقض الكلمات عاما بعد عام، مثلما يتناقض الوعي والإدراك شيئا بعد شيء، بل أن جريمة الفكر ما عادت تجد سببا أو عذرا يبرر اقترافها… ويصير نوع من الضبط يفرضه المرء على ذاته».
يعرّف الصحافي والروائي البريطاني الولاء عند النظام الشمولي، بأنه انعدام التفكير، بل يعني أكثر من ذلك انعدام الحاجة للتفكير، لأن هناك أجهزة ومؤسسات تفكر عوضا عن الفرد، الذي ينبغي أن يعيش حياته وهو يمارس رقابة على نفسه وعائلته وجيرانه وأصدقائه وزملائه، فبمجرد أن يتم رصد التفكير في الخيانة أو الكتابة أو عدم حضور مناسبات الشنق، قد يكلف ذلك الإنسان حريته وحياته، لأن جميع من يحيط به يترصد تحركاته.
لا يفوت الكاتب البريطاني أورويل، المصنف حسب صحيفة «التايمز» في المرتبة الثانية في قائمة أعظم 50 كاتبا بريطانيا منذ عام 1945 توضيح قواعد الفكر المزدوج في الحزب، لافتا إلى أن نظام الاخ الأكبر يحرص على إبقاء العامة خاضعين كالحيوانات، يفتقرون للمعرفة التي تشكل الهاجس الأكبر لدى النظام الأخوي، كما لا يكترث الحزب لباقي نشاطات العامة كالتناسل، فهم يولدون ويترعرعون ثم يمرون بفترة قصيرة يتفتح جمالهم ورغبتهم الجنسية ويتزوجون ويبلغون منتصف العمر في الثلاثين، ثم يموت غالبيتهم في الستين، بعد أن تصبح أنفاق عقولهم منهكة بالعمل الشاق والاهتمام بالمنزل والأطفال والشجارات التافهة مع الجيران، والأفلام وكرة القدم، إن حياتهم اليومية خالية من التفكير في المواضيع المهمة، أو بالأحرى كما يصفه المؤلف «الشر الأكبر»، تجعل النظام لا يجد أي صعوبة في إبقائهم تحت السيطرة.
يقول جورج أورويل إن المشاعر السياسية لم يكن مرغوبا فيها، بل كان مفروضا عليهم ذلك النوع من الوطنية البدائية، التي تدفعهم إلى العمل ساعات أطول، بالإضافة إلى أن انتشار الجرائم والمومسات ومروجي المخدرات لم تكن تثير غضب النظام بسبب انتشارها بين العامة، في الوقت الذي ينبغي أن يلتزم أعضاء الحزب بالطهرانية وأن يظلوا بمنأى عن أي شيء يشتت تفكيرهم. لفت سميث بطل الرواية إلى أن عامة الشعب لو أدركوا مدى قوتهم لما كانت هناك حاجة للتآمر، فكل ما يحتاجه الأمر أن ينتفضوا مثلما ينتفض الحصان لإزاحة الذباب بعيداً عنه. ولو أرادوا لمزّقوا وأحالوا الحزب هشيماً تذروه الرياح بين عشية وضحاها، ولا بد أن يخطر لهم ذلك إن عاجلاً أو آجلاً.
ونحن نتصفح رواية «1984» نستشف قدرة جورج أورويل على تحويل الكتابة السياسية إلى فن يزج بنا داخل العقل الاستبدادي لنفهم كيف يتمكن من إخضاع شعوب وتعطيل عقولهم، وهذا ما يجعل من أورويل كاتبا مهما في الأدب السياسي. يقول عنه كاتب سيرة حياته برنارد كريك: لم يدع أنه فيلسوف سياسي ولا حتى مجادل سياسي، إنه كاتب. كاتب بشكل عام. كاتب روايات ومقالات وقصائد ومراجعات، كتب لا حصر لها. وكلها كانت تنم عن وعي سياسي. وبهذا المعنى يعتبر أفضل كاتب سياسي باللغة الإنكليزية منذ جوناثان سويفت الذي تأثر به أورويل كثيراً.

٭ كاتبة من المغرب

الأخ الأكبر والأدب السياسي

الهام الطالبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية