الأدب بين زمنين… أسئلة في القيمة والحدود

حجم الخط
2

يأتي الناقد الإنكليزي ريموند وليامز في سياق بحثه، وتقديمه لكلمة «الأدب» على بعض المعاني التي تأتي في مجال التّحديد المعرفي، بدءاً من التطور عن الأصل اللاتيني إلى المفهوم المعاصر، مروراً بمستويات من القراءة التي تحاول خلق حدود لدلالة (الأدب) الذي يبدأ من حالة المعرفة، وسعة الاطلاع إلى حدود الاختلاف بين الأجناس الكتابية، ناهيك عن أثر اختراع الطباعة، والحدود الفاصلة للكتابة المتخيلة والإبداع، وإلى هنا تبدو الأمور في نطاقها الطبيعي، بيد أن ما يعد حالة تبصريّة لامعة، ما يشير له وليامز من أن الأدب قد اكتسب مفاهيمياً حدوده المعاصرة، على تخوم القرن التاسع، حيث وُصف بأنه كتابة علمانية، وذلك تمييزاً له عن الكتابة الدينية، وهنا نلج إلى مساحة من القيمة المنوطة بالأدب من وجهة نظر ترى فيه تحليقاً فوق حدود النظام، أي بوصفة مضاداً لكل نسق مؤسساتي، يخضع لنظام متعالٍ محكوم بتلك الطّبيعة الكهنوتية المهيمنة. ومؤخّراً بدأنا نتابع ظهور ما يسمى بالوهم الاستهلاكي المؤطّر بفلسفة الإعلام الهادف إلى إنتاج أدب بمواصفات ومقاييس ثقافة التّسطيح، والوهم الزائف، ومن ذلك قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، كما الشخصيات الأكثر تأثيراً، في حين أن ما يعدّ أكثر تأثيراً غالباً ما يتوارى في ظلال عالمنا العربي الذي بات مقلوباً رأسا على عقب، ولا يبدو أن الأدب المعاصر يفارق هذا الواقع، حيث بات المقهى بوصفه منتدى لاجتماع الأدباء، ودوراً من أدوار النقاش، والحراك الثقافي فرصة لالتقاط صورة سيلفي لوضعها على صفحة الفيسبوك.
يكتسب معظم الأدباء مكانتهم، سواء كانوا روائيين أو شعراء أو كتاب قصة، وحتى نقادا عبر ما ينتجون من أعمال، يمكن أن تخلق حيزاً في فضاء الإطار الحضاري لأمة ما، وهذا يضعنا أمام تصوّرات حول المنتج الإبداعي، فالأدب العربي المعاصر أصبح تعبيراً قلقاً لمستقبل سياسي معتم، فالعالم العربي أكثر هشاشة، وضعفاً من أي وقت مضى، لا سيما وهو يتجه إلى نطاقات ضيقة، في سياق دويلات تحتكم إلى تصورات طائفية دينية، وعرقية.
ففي النصف الأول من القرن العشرين سادت قيم نشوء الدّول الوطنية، والنهضوية آخذة في التبلور كونها خياراً، وهذا يحضر بالتّوازي مع فعل اكتشاف لمقولات تتعلق بالدولة والمجتمع، وتحولات المجتمع العربي من اللانظام إلى النظام، ولكن في سياق كيانات نشأت في حواضن الإمبريالية، واتفاقية سايكس بيكو، وتلك الاختلافات التي تتعالق بقيم اجتماعية، ومع نكبة 1948 تعإلى الفكر القومي، والأدب المقاوم، وبدا اليسار خياراً جذاباً، حيث كان يعد حاضنة، ومرجعية للمضامين والخيارات الأدبية، بموازاة تصوّرات جمالية، فكان لابد من ظهور تيارات بدت معنية بقيمة، وحدود الفن، ولكن زمننا هذا، وأعني السّنوات التي مضت من القرن الواحد والعشرين، إذ بدأ يتبلور وعي جديد في الأدب بهدف مقاربة مكونات جديدة، ومعظمها استهلك، خاصة حين تحول الأدب بوصفه خياراً استثنائيا أقرب إلى مواجهة جاذبية الخيارات الرقمية، وأكثر اتساعاً لمقولات ثقافية وهوياتيّة، وهنا تتبدى المعطيات التي تستهلك ثيمة الدين والهوية، والمكبوت بهدف مقارعة هذا التشنج العرقي، والطائفي، وقائمة المحرمات، وهذا يضعنا أمام خيارات للتساؤل عن جدوى هذه الأعمال مقارنة بنتاجات أدبية عربية، وذلك انطلاقاً من الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، وهو بنظري تاريخ فاصل ومحوري، كونه أسهم في خلق انشقاق عميق في الشخصية العربية المسلمة، التي تشظّت إلى طوائف دينية، ودويلات، وقطاعات، وعصابات وصلت إلى أقصى مستوياتها في الأربع السنوات المنصرمة، وتحديداً في ما بات يُعرف بالربيع العربي.
كان الأدب العربي ينطلق من رصد وتشخيص واقع عربي، متغير، أو تحولات ما، وأحياناً أسئلة، وهي في بعض الأحيان كانت ترصد حالة مجتمعية، تحتاج إلى النقد، فالواقع العربي كان قائماً ومُشخصناً ومحدداً، أما الآن فنحن أمام حالة، لا تتضح ملامحها، أو صورتها، إذ لا نكاد نتبين الصواب من الخطأ، والصديق من العدو، والحق من الباطل، والوطني من الخائن، والدولة من اللادولة، عالم منقسم على ذاته، وهي دول شبه فاشلة، وواقع عربي مختلط. فالسّمات المميزات للحالة المجتمعية تتميز في رغبتها بالتمرد على أنساق وأنظمة، وهذا ما أشعل فتيل الثورات العربية، ولكن الأدب الذي واكب هذا النسق لم يكد يخرج بشيء، يمكن له أن ينتهي إلى قيم متقدمة، إنما بدت معظم الأعمال الأدبية التي نالت شهرة معينة في السنوات الأخيرة معنية بتكريس نقد لسلبية هذا الصّراع الهوياتي، والدّيني، الذي بات أشبه باتجاه، تيار يشتغل عليه بعض الأدباء من أجل تكريس صورة المواكبة لواقع غير مستقر، أو ملتبس، وهذا ربما يكون أقرب إلى مستوى من النضوج من جهة، ومن جهة أخرى غدا الأدب خياراً لفعل تعرية مجتمعات مغلقة، أو محجوبة، أو أنها تستغرق ذاتها في قصص وأشعار تعبر عن واقع مقموع، يتوق للحرية والانعتاق، فاستهلكتنا تلك الأعمال التي تنزع إلى حبكات ساذجة عن قصص حب، أو مذكرات، ومغامرات، وبوح، أو شيء من هذا القبيل، إذ لم تعد تلك المضامين التي تستغرق في سلطة رمزية، حالة من التأويل العميق، لأفكار تطفو بلا تمكّن، وهنا أعود إلى رواية جبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود»، التي ما زالت تحتفظ بإغوائها إلى يومنا هذا، فهي لا تنفك تصوغ الوعي الأدبي والفني، والجمالي للرواية بتكوينها المطلق، بيد أن قراءة في بعض الأعمال المعاصرة، حيث تبدو مضامين للاستهلاك، بلا تشكيل فني صلد، إنما حالة من الهذيان المحموم في عالم لا يبدو قد استقرت قيمه، ومن ذلك الرواية التي فقدت بوصلتها في عدم وجود حواضن للأدب الذي ينبغي أن يبقى في سياقٍ متحرر، ومنفلت من فضاء السّلطوية بمعناها الضيق، أي النظام، أو حتى في سياق الأيديولوجيات المناهضة للحرية بتصورها الفلسفي العميق. فالأدب منذ الأزل نشأ متعالياً على جميع الحدود، حتى لو كان ملتفاً بعباءة الفكر الأيديولوجي، ولكنه كان في معظم الأحيان أقرب إلى فعل تحرري، إنساني، وأقرب إلى إطلاق القوى الكامنة لمعنى التعبير والانتقاد، أو الرفض والتثوير. الأدب يجب أن يفارق الأوهام التي نراها في متاجر إمبريالية رأسمالية تروج للكتب الأكثر مبيعاً، في حين أنها ثرثرة ساذجة، وهنا الأدب بات أقرب إلى لعبة تضطلع بها مجموعة من الأطراف التي تهم بالترويج لثقافة ما، ربما ثقافة الرواية، أو ثقافة الكتابة التي تستهدف خلق نجومية الأدب، أو الأديب، أو الإيهام بقيمة الأدب، ودوره، ولكن هذا ما هو إلا نتاج المؤسسة فقط، أي نتاج نظام ثقافي معين، والكُتّاب باتوا جزءاً من هذه اللعبة، فمعظمهم لا يبدو معنياً أسئلة الكتابة في حدود التصورات التي تعيد صياغة الرؤى في عالم معتم، مقفر وخاوٍ، إنما هو معني بالكتابة في سياق عالم استهلاكي، باتت لديه خيارات الكتابة في نطاق ما تتطلبه اللعبة الإعلامية، وقيم القارئ الذي ربما تحول إلى قطاعات من المراهقين، أو العقول التي تبحث عن أعمال تداعب مخيال تيار ديني معين، أو استيهامات لفئة معينة من المجتمع، فالأدب لم يعد تكويناً حضارياً، إنما غدا تكويناً صورياً من مظاهر اللعبة الإعلامية التي تعيد إنتاج الوعي العربي في ضوء سلسلة من الأوهام الخالصة لمفارقة معنى الأدب.
لا شك في أن الادب أصبح يخضع لمنظور يتحدد بنقد تسربات وعي مُفلس، أو لمجتمع يخضع لمنظومة معينة من الفكر المؤسساتي، فالمؤسسة هي نقيض فعل الكتابة الذي يبنى على خيار فردي، ومع أن هنالك الكثير من المؤسسات التي خلقت وعياً حضارياً ناقداً، ومن ذلك اتجاهات الكتابة، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية بهدف مواجهة الاتجاهات العنصرية، ومن ذلك ما عانته هذه بعض الجماعات من اضطهاد، وملاحقة إبان الحكم النازي، أو بتهمة الولاء لليسار، وفي عصرنا هذا تبدو المؤسسة تشكيلاً معقداً من النظام الإعلامي الذي على ما يبدو خاضعاً لأهواء الاستهلاك، والأدب بوصفه حالة حضارية لا يمكن التفريط فيه، ولذا كان لا بدّ من توجيه الأدب إلى أن يكون وظيفياً وفاعلاً، وهذا عبر خلق أوهام القيمة في عقول مستهلكين، باتوا خاضعين لنمذجة التفكير عبر أعمال معينة مستهلكة، أو تعمل على خلق حالة أدبية زائفة، لا يمكن أن تحدث فرقاً في التفكير الجمعي، أو تحولاً بنيوياً في العقل العربي.
الأدب العربي منذ أكثر من عقدين لم يمتلك تصوراً عن فكرة التحول، التنوير، أو حتى التغيير، فهو حالة للاستهلاك من أجل توصيف الواقع، ولكن من دون مساءلة حقيقية، أو مجرد البحث عن حدود التغيير، ثرثرة في أنساق، أو مضامين لا تبدو مجدية، فمعظم الأعمال الأدبية العظيمة كانت تستهدف مساءلة، ونقد ظواهر معينة، وهي تذهب بعيداً في نقد الأصول كما فعل نجيب محفوظ في نقد الظاهرة البطريركية في المجتمع العربي، أو غسان كنفاني فيما يتعلق بتداعيات النكبة، ومسلكنا تجاه القضية. معظم الأعمال الأدبية المعاصرة تبدو على قدر من القبول، ولكنها تبدو قد فقدت تلك الحالة التي يمكن أن تحدث انقلاباً حقيقياً في الوعي، فهي تأتي بوصفها عملاً نال حظوة من التلميع الإعلامي، ولكنها سرعان ما تمضي كما إيقاع هذا الزمن، وهكذا يكون الأدب خاضعا لهذا القدر الما بعد حداثي، ومن هنا يجب أن نتساءل هل انتهى الأدب بوصفه نقيض المؤسسة؟ وهل نمضي إلى حقبة جديدة من الأدب حيث يخلو من معنى الأشياء إلى أن يكون تكريساً للوهم الذي يمضي بنا إلى حدود لا معلومة؟

كاتب فلسطيني ـ الأردن

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية