الأدب في موسم الحرب… التجربة اليمنية نموذجا

حجم الخط
0

الحديث عن الحركة الأدبية في اليمن في ظل الأوضاع الراهنة يحيلنا إلى الحديث عن التجربة الأدبية لليمن منذ البداية – في العصر الحديث على الأقل – وقد مرت التجربة الأدبية اليمنية بمراحل حمل ومخاض عديدة، وكما يبدو فإن أهم ملامح هذه التجربة تجلت في أربع مراحل، الأولى – وكان هذا حال جميع الدول في الوطن العربي في بدايتها-  مرحلة التأثر والتقليد واستمرت حتى نهاية الأربعينيات، والثانية كانت مرحلة الرفض وبداية الاحتجاج على الحكم السائد واستمرت الى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وأعلامها كثيرون.
أما الثالثة فكانت مرحلة التمرد والثورة، واستمرت حتى مطلع ستينيات القرن المنصرم، والأخيرة كانت مرحلة النهضة والبناء ومستمرة إلى اليوم . .
وفي هذه الأطوار الأربعة كان القوم بين مقلد ومتأثر وخلاّق وهذا الأخير هو من استمر أثره حتى اليوم، وصارت لهم مذاهب وهم الأعلام اليمنية المعروفة من عصر الرواد في كافة المجالات.
أما المدارس فكانت هي ذاتها المدارس العالمية المعروفة الواقعية والواقعية الرمزية والرومانسية  الإبداعية والكلاسيكية الإتباعية والبرناسية .
أما اتجاهات الأدب اليمني المعاصر فجاءت موائمة لمقتضى الحال ولما يدعو إليه الوضع فكانت حيناً موضوعية وكانت أحيانا سياسية وكانت أحيانا أخرى ذاتية صرفة نظرا لما دعته المراحل التي مرت بها التجربة الأدبية اليمنية.
تجلت الحركة الشبابية في جيلين في اليمن الجيل الأول جيل التسعينيات، والجيل الثاني الجيل الألفيني، وقد أفرزت مرحلة التسعينيات أسماء كثيرة في شتى المجالات الأدبية والإبداعية وبالمثل مرحلة الألفينيين، والجيلان خدمتهما التكنولوجيا في وصول صوتهما إلى أبعد حد، واستطاعت هذه التكنولوجيا أن تحطم مركزية من سبقوهما من أجيال، فسهلت لهما وعبدت  كل المسالك والطرق للانتشار والتواصل مع العالم وبهذا صارا متكافئين مع جيل الرواد، ورغم هذا يمكن أن نقسمهما إلى قسمين، الأول آمن بالحداثة واتبعها، والآخر رفض الحداثة وناصبها العداء واستخدم كل مظاهر التحديث في معركته ضدها . . .
ولعل الشعر هو الذي كان له نصيب الأسد في هذه الحركة الشبابية الأدبية.
أما النقد فليس كثيرا رغم ظهور أسماء لامعة وبالنسبة للمسرح فقليله لا يجوز القياس عليه للحكم بوجوده، ومثله السرديات الشعبية، وأما الرواية فيبدو أن العصر عصر الروايات حيث يتجه الكثير من الشعراء الآن إلى كتابة الرواية وخوض التجربة كتقليعة، ومنهم من لديه إيمان راسخ بضرورة مواكبة تيار التحديث الذي يعصف بالعالم . .
ولعل ما يعيشه اليمن سياسياً هو عصر صراع الواحد الذي يكرر نفسه، ويرفض القسمة حتى على نفسه، ولا يؤمن بالتعدد في ظل الوطن الواحد، ولعل انعكاسات هذا الهوس السياسي الذي يلهث وراءه وتراهن عليه كل الفرق المتصارعة والموجودة في الساحة، له أثر بالغ وشديد، وواضح الملامح على الإنتاج الأدبي وعلى توجهاته، ومثلما يقال إن المنتصر هو من يكتب التاريخ نجد أن هذه الكتابة لهذا التاريخ يشارك فيها الأدباء والمبدعون، رغما عن أنوفهم، فمثلما يمجد النظام الذي يحكم نفسه عن طريق تكميم الأفواه وقطع الألسن والأدباء ليسوا تمييزا، بل وهم الفئة المستهدفة، من ذلك نجد أن الفريق الذي يحكم والذي سيحكم سيكون الأدب في صفه حتى ولو لعنه ولعن حكمه البعض بعد رحيله، لكنه لم يستطع أن يفعلها أثناء حكمه لجبروته وسطوته وطمعا أيضا في كرمه وعطائه. .
ومن ناحية ينقسم الأدباء تبعا للطوائف المتصارعة إلى أدباء فرق وطوائف ومذاهب وأحزاب ويموت الإبداع تماما إلا القليل الذي لا يجوز القياس عليه ولا يبعد الحال كثيرا حتى في حالة الحرب التي يمر بها اليمن، فالكثير من الأدباء والمثقفين هاجروا والبعض انضم للمذهب وتمسك بالحزب والبقية لزموا الصمت فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وبالإجمال يمكن القول إن المناخ المناسب للكتابة هو الوقت الراهن، إذ أن الحرب والانقسامات توفر مادة جيدة للشعراء والأدباء، روائيين ومسرحيين، وهذه الكتابات قد ظهر الكثير منها وكذلك هناك ما سيظهر بعد حين، فالحرب التي تقتل الكاتب والأديب معيشيا تحييه إبداعياً ويجد فيها ضالته من الحكايات والمواقف والقصص، تماما مثلما خلقت الثورات في العالم وأزمات الحروب تلك الآداب التي لا تغيب عنها الشمس وما تزال وستظل رهينة لنقد وتحليل النقاد وهماً يشغل موضوعه الناس رغم مرور قرون من الزمان عليها.

كاتب يمني

هايل علي المذابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية