دائما يوصف الأدب بأنه انعكاس للتعبير الإنساني فردا وجماعة، ووسيلة فنية تخاطب المجتمع تأثرا وتأثيرا، ولذلك توظف لهذا الصدد أدوات وتقنيات شتى ضمانا لهذا التعبير والتواصل، لهذا الغرض تنوعت وتتنوع أوعيته، من كتب ومجلات وجرائد ووسائل إعلامية مختلفة.
لكننا نتساءل أحيانا، إذا سلمنا بداهة بأن الأدب ينتعش ويتطور على حساب درجة تلقيه ونسبة قراءته، نجد أن هذه الدرجة تتأثر ارتفاعا أو انخفاضا بحسب طريقة نشره وترويجه، السبب الذي يجعل مؤشرات بورصته تتراجع مع الجيل الجديد، خاصة الشباب الصاعد، إذ لم تعد تستهويه في الغالب نمطية الورق، فانحسرت بذلك جاذبية الكتاب، مهما تأنق الناشر في إخراجه وطباعته، إذ أن الزحف الرقمي أتى على ذائقة هذا الجيل، في ظل بروز التقنية الإلكترونية الذكية، من لوحات وهواتف ذكية، وتطبيقاتها الذكية السريعة الانتشار. مرة أخرى تضعنا السياقات الثقافية العامة في ورطة نقدية حول جدوى الأدب ووظيفته التواصلية وطريقة تلقيه، بمعزل عن خوضنا في إشكالية جودته وطبيعة النصوص الأدبية المراد نشرها، وأقصد هنا نوعية أجناسها وأحجامها المتباينة طولا وقصرا، ولو أن جسد النص يطرح هو الآخر مشكلا بعينه في أعين هؤلاء القراء الجدد المفترضين، الأمر الذي سيضع أجناسا أدبية طويلة النفس كالرواية والقصائد والنصوص المسرحية على محك القراءة مستقبلا.
لهذه الأسباب تم الشروع في التفكير جديا في الرهانات الأدبية المستقبلية، فالدراسات والبحوث جارية الآن في مقاربة وتقعيد الأدب الرقمي والنصوص الترابطية التي تستثمر التقنيات الرقمية الذكية، بعدما ظهر ما يسمى بالكتاب الرقمي أو قارئ الكتاب ibook كبديل جديد للقراءة الورقية. لكنه سرعان ما عرف تراجعا لأسباب مختلفة، نفسية متعلقة برغبات المتلقي المعاصر، أو بسبب الطبيعة الكمية لمحتوى الأعمال الأدبية، وتحتاج هذه المعضلة إلى دراسات سوسيوثقافية ونفسية تراعي سياقات التلقي الجديد وأذواقه، هذا التلقي الذي استحال دفعة واحدة إلى تلق رقمي سريع عبر المواقع الإلكترونية المتخصصة أو الاجتماعية، بل بات حبيس أجهزة جيبية ذكية يتهافت فيها الشباب على آخر صيحات التطبيقات الذكية والمطواع لاقتناص اليومي والأفكار، وتبادل المعلومات والطرائف… في تشكيل جديد وطريف يشبه «نصوصا» لم نشهدها من قبل، مصورة تفتقر إلى المادة الإبداعية، والفكرة الهادفة، والروح الأدبية. فلا عجب أن نجد شباب اليوم يتداولون مثل هذه المواد التي تمتح من واقعه، وهي على درجة كبيرة من الإخراج تتعانق فيها الكلمات والصور والرسوم، لكنها تظل وفية لخطاب غير ناضج يتأرجح بين السوقية والسخرية والنقد والتجريح والإبداع الخجول، خطاب خام يحتاج إلى الدربة والاحتكاك والصقل والانفتاح على التجارب المحترفة، إذ يعكس طبعا محدودية وعي هذه الشريحة النامية بعمق كل خطاب إنساني يروم الإبداع والفن الحقيقيين؛ لذلك نجدهم يتبادلون العبارات والبطاقات المصورة والمكتوبة عبر الفيسبوك والتويتر والواتساب والفايبر وغيرها من التطبيقات التواصلية الذكية، مشكلين بذلك عالما افتراضيا جذابا يروج لأحلامهم وطموحاتهم وطرائق تفكيرهم ومشاع قيمهم.
والحالة هذه، وفي ظل هذه التطبيقات الرقمية المرنة، وجب على الكتاب والمهتمين بالنشر أن يفطنوا إلى هذا النوع من التلقي الرقمي الذكي، لإعادة الأجيال الراهنة والقادمة إلى جادة الأدب، بغية خلق مصالحة ثقافية حقيقية بين الكتاب أنفسهم وجمهور القراء القادم، بعيدا عن تلك المجادلات البيزنطية القائلة بموت المؤلف أو النص أو هما معا؛ واليوم بالتحديد، وحتى لا ننكر أن الأدب لا يجدد نفسه، فقد ظهرت، استجابة لهذا التلقي الذكي، أجناس أدبية غاية في الذكاء الكتابي والقرائي، سردا وشعرا ونثرا ونصوصا حرة… مكثفة تراعي الذوق الجديد، وتحترم تدبير زمن القراءة، وتستثمر وسائل النشر والتواصل الجديدة، تلك الحريصة على الاقتضاب والإيجاز… تماشيا مع وفرة الكتابات والمواد وزخم النوافذ والتبويبات الإلكترونية، ناهيك عن الحالة النفسية لكل متصفح وهو يجول هنا وهناك بحثا عن ضالته. لذلك ظهرت القصة القصيرة جدا موازاة مع الفيلم القصير، وتجاوبت القصيدة الومضة والشذرة مع هذه التقنيات وتطبيقاتها، التي تمنح فرصة قراءتها في بضع دقائق أو ثوان معدودة؛ وخير مثال دال على هذا النوع من التصفح هو اليوتوب والمواقع الاجتماعية بسبب توافره ويسر النشر فيه.
إننا اليوم ملزمون باستثمار هذا الرهان المستقبلي بالانفتاح أكثر على مثل هذه التقنيات والتطبيقات، بل تنبيه خبراء التكنولوجيا الرقمية إلى تطوير وابتكار مزيد من هذه التطبيقات لتتماشى وطبيعة النصوص الأدبية قصيرة أو طويلة، والعمل على تقنين التعامل معها ضمانا لاحترام حقوق التأليف ولخلق سوق قرائية كبيرة، وهي دعوة من أجل أن يتواصل الكتاب مع الشباب واقتحام عالمهم الافتراضي بتشكيل المزيد من النصوص الرقمية لتغزو ذائقتهم عبر تلك التطبيقات الذكية المتوارية في هواتفهم الجيبية. فمثلما تنتشر بينهم تلك (المواد) الفقيرة لأي إبداع حقيقي، كذلك يمكن أن تشيع نصوص أدبية رفيعة تستجيب لشروط الإخراج وسعة تحميلها وترويجها، على الرغم من ان نصوصا بعينها هي التي ستحظى بهذه الفرصة لطبيعة حجمها دون سواها من النصوص الطويلة. وهو أمر يفرض نفسه بقوة التلقي الجديد، فالأفضل استقطاب هذا الجيل من أجل الإقبال على أدب أمته بدلا من أن يؤسس له عالمه الذي يفتقر إلى مجموعة من الجماليات والقيم المتوارثة التي شرعت في التآكل، ولعل الأدب أحد روافدها. هي أسئلة متواضعة لكنها شائكة وهي تلامس إشكالية التلقي المستقبلي، الأمر الذي يهدد جوهر ووظيفة الأدب لاحقا.
سعيد السوقايلي