تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: بعد أن وقفنا في الجزء الأول من مقالة «الأدب والدين: لعبة المرايا» على كون أغلب دارسي النص القرآني قد ذهبوا إلى القول بأنه توسل اللغة العربية وأفانين النظم فيها سبيلا إلى تبليغ مجموعة من القيم الكونية إلى المؤمنين، سواء ما كان موجودا منها في البيئة القبلية بمزيد تثمينه والإمعان فيه، أو تلك التي يطرحها بديلا عما كان سائدا عند ظهور الدعوة المحمدية ويخالف تعاليمها. سنحاول أن نبين في هذا الجزء من مقالتنا تجليات آلة العربية وفنونها في خدمة النص القرآني، وسنقتصر في ذلك على استثماره لفني القصة والمثل.
البرهان والتبيان
لا يخفى أن بناء النص القرآني الفني ينحو إلى أن يجعل منه قصة كبرى تخيرتها الحكمة الإلهية بعنايةٍ من باب دعوة الناس إلى الاتعاظ من أحداث الماضي «لأن من أدب الشريعة معرفة تاريخ سلفها في التشريع من الأنبياء بشرائعهم فكان اشتمال القرآن على قصص الأنبياء وأقوامهم تكليلا لهامة التشريع الإسلامي بذكر تاريخ المشرعين» (ابن عاشور، نفسه)، وهو ما يساهم في رفع الغفلة عن المؤمنين على حد قوله تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» (يوسف 4)، حيث بنيت القصص القرآنية وفق أساليب سرديةٍ احتكمت لمسارات الحكاية المعلومة، من بداية وعقدة وانفراج، ولكنها نوعت في سوقها تنويعا فنيا وفق طرائق في العرض عديدة، من أكثرها شيوعا طريقتان: طريقة أولى تبتدئ فيها القصة بذكر مضمونها الحدثي ثم يتلوه سردها بالتفصيل، «ومن مميزاتها طي ما يقتضيه الكلام الوارد كقوله تعالى في سورة يوسف «واستبقا الباب» فقد طوى ذكر حضور سيدهما وطرقه الباب وإسراعهما إليه لفتحه، فإسراع يوسف ليقطع عليها ما توسمه فيها من المكر به لتري سيدها أنه أراد بها سوءا. وإسراعها هي لضد ذلك لتكون البادئة بالحكاية فتقطع على يوسف ما توسمته فيه من شكاية. فدل على ذلك ما بعده من قوله «وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا». ومنها أن القصص بثت بأسلوب بديع إذ ساقها في مظان الاتعاظ بها مع المحافظة على الغرض الأصلي الذي جاء به القرآن من تشريع وتفريع» (ابن عاشور، نفسه).
أما طريقة العرض الثانية فيرد السرد فيها مجملا بدون تفصيل في ما يمكن أن ينضوي تحت مصطلح القصة القصيرة مثل قصة سليمان مع النملة التي امتدت على مساحة آيتين في قوله تعالى «حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين» (النمل، الآيتان 18 ـ 19). ومهما يكن من أمر طرائق عرض القصة القرآنية وأساليبها الفنية التي لا تخرج كثيرا عما يقول به نقاد الأدب المحدثون في مجال السرد، فإن كثافة وجودها في النص المقدس، وفق ما ذكرنا، تشي باستلهام هذا النص لبنيتها القولية واعتماده ما فيها من قدرة على التأثير والمحاجة سبيلا إلى تحفيز المؤمنين على تمثل أحداث الماضي، والاتعاظ بها لتجاوز ما يطرح حاضرهم من إشكالات.
فالقصص القرآنية ليست تذكيرا بالأحداث الماضية فقط، بل زادت على ذلك مناسبتها لأحداث الحاضر في تفاصيله ومهماته، ما بلغ بها مرقى الذكر والبيان، إذ «لم تأت القصص في القرآن متتالية متعاقبة في سورة أو سورٍ، كما يكون كتاب التاريخ، بل كانت متفرقة موزعة على مقامات تناسبها، لأن معظم الفوائد الحاصلة منها لها علاقة بذلك التوزيع، هو ذكر وموعظة لأهل الدين فهو بالخطابة أشبه. وللقرآن أسلوب خاص هو الأسلوب المعبر عنه بالتذكير وبالذكر في آيات يأتي تفسيرها؛ فكان أسلوبه قاضيا للوطرين، وكان أجل من أسلوب القصاصين في سوق القصص لمجرد معرفتها، لأن سوقها في مناسباتها يكسبها صفتين: صفة البرهان وصفة التبيان» (ابن عاشور، نفسه). ولئن كنا نستشف من هذا الشاهد تحاملا على دور القصة الأدبية (بخصوص أسلوب القصاصين في سوق القصص لمجرد معرفتها)، فإن الذي عليه رأينا بالاستناد إلى ما توفر الآن من غنى في الدراسات النقدية ذات الصلة، ولم يتوفر لصاحب تفسير التحرير والتنوير، أن القصة القرآنية تبقى، بما يوجد فيها من فنون القول السردي، قصة أدبية وإن كانت تروم تحقيق أهدافٍ دينيةٍ، لأن في ربط «أدبية» النص بمضمونه الديني إفراغا له من عناصر جماليته وزجا به في باب الإخبار الجاف عن الأحداث وهو ما لا يستقيم مع الأدب.
الأمثال أثبت في الأذهان
ولا يختلف حضور الأمثال في النص القرآني ومدونة الحديث النبوي عن حضور القصة فيهما، إذ نعثر لها على انتشار واسع على كامل مساحتيهما. وإذا رمنا تبريرا لهذا الانتشار ذهبنا إلى القول بفطنة هذين النصين (القرآن والحديث) إلى ضرورة التعويل على أصفى الأجناس القولية المكتملة فنيا في الثقافة العربية زمن الجاهلية للتأثير في الناس، وزرع المقدس الديني في ثقافتهم الجديدة، عبر تثبيت الدعوة الإسلامية في قلوبهم، على حد ما جاء بالمقدمة التي وضعها محقق كتاب الأمثال الكامنة في القرآن الكريم من أنه «يستفاد من الأمثال في القرآن أمور كثيرة: كالتذكير، والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره تصوير المحسوس، والأمثال أثبت في الأذهان» (الحسين بن الفضل: الأمثال الكامنة في القرآن الكريم). ومن ثمة، نهضت الأمثال فضاء يحضر فيه المقدس الديني بكل حمولته الرمزية والأخلاقية، وسبيلا تعبر منه مقدسات الناس الاجتماعية السائدة في زمن الجاهلية إلى مرحلة الإسلام، لتنصهر في منظومة الدعوة الجديدة وتدخل في تكوينات المقدس فيها، لما للأمثال من عظيم شأن عند العرب الذين كانوا مولعين بالمثل يجرونه في ملفوظاتهم النثرية والشعرية، ويحملونه معهم عدة لترحالهم، ويعولون على سريانه بين الناس لنقل حكمتهم وصافي تجاربهم وتقاليدهم وطباعهم إلى الآخرين، بل «لعل النسق المثلي، هو أقرب الأنساق الكلامية إلى العربي عموما، والجاهلي على وجه التخصيص؛ ففيه من السمات ما يكاد يجسد مشتهى الجاهلي من القول، من جمال ديباجة إلى كناية تصيب المعنى، إلى إيجاز يختصر المسافة بين القول ومعناه. والمثل، بجمعه لهذه الخصال، يكون قد استوفى حاجة الجاهلي إلى البيان» (محمد توفيق أبو علي: صورة العادات والتقاليد والقيم الجاهلية في كتب الأمثال العربية). ودليلنا على ذلك إشارتان: أورد أولاهما السيوطي (ت 911 هـ) في معرض حديثه عن الأمثال في قوله: «هي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها تعارض كلامها، فتبلغ به ما حاولت من حاجاتها في المنطق، بكنايةٍ غير تصريحٍ، فيجتمع بذلك ثلاث خصالٍ: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وقد ضربها النبي (ص)، وتمثل بها هو ومن بعده من السلف»، وجاءت الثانية في جمهرة الأمثال حيث يذكر أبو هلال العسكري (ت395هـ) فضل الأمثال وجلال غاياتها في قوله: «ودل على فضيلة ذلك في محكم بيانه، ومنزل فرقانه، فقال جل ثناؤه: «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له» (الحج: 73) إلى غير ذلك مما أشار به إلى منافع الأمثال في متصرفاتها، وحسن مواقعها في جهاتها».
مثل الحياة الدنيا
وإن النظر في المؤلفات التي اهتمت بدراسة الأمثال في النص القرآني والأحاديث النبوية يوقفنا على كون أصحابها ميزوا فيها بين ضروبٍ ثلاثةٍ: أمثال صريحة وثانية كامنة وثالثة مرسلة. أما الصريحة فهي تلك التي يرد فيها أحد مشتقات الجذر (م، ث، ل) صريحا ومفيدا تشبيه شيءٍ بما سبقه من حوادث مماثلة له. من ذلك ما نجد في قوله تعالى «إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقومٍ يتفكرون» (يونس، 24).
أما الأمثال الكامنة، فهي التي خلت من مشتقات الجذر (م، ث، ل)، ومن ثمة انعدم فيها التشبيه، واكتفت بوظيفة الاستدلال على معنى عزيزٍ، ووافقت في معناها أقوالا عربية مشهورة وجرت مجراها. وصورة ذلك ما أورد الحسين بن الفضل (ت 282 هـ) في كتابه سالف الذكر «قلت: فهل يوجد في كتاب الله عز وجل: لكل ساقطةٍ لاقطة؟ قال: نعم، قوله تعالى: ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد» وفي الشاهد إحالة على قوله تعالى: «ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد» (ق، الآية 18). وعلى غرار الأمثال الكامنة، تخلو الأمثال المرسلة من مشتقات الجذر (م، ث، ل)، ولكنها توافق، غالبا، في بنيتها اللغوية بنية الأمثال العربية والأقوال المشهورة بدون أن تلتزم بمعنى من معانيها، وهو ما به تختلف عن الأمثال الكامنة، والواحد من هذه الأمثال ميال إلى الحكمة، كثير التكثيف اللغوي، يستشهد به متى استلزم المقام ذلك. ومنها قوله تعالى «ادخلوها بسلامٍ آمنين» (الحجر، 46) للتمثيل على الحال التي يكون فيها صاحبها سالما من الآفات وخاليا من كل خوفٍ وفزعٍ ومقدما على الانتقال في المكان.
وما إن تلهج الألسن بواحدٍ من هذه الأمثال القرآنية المرسلة حتى يدخل في خانة الأمثال العامة، ويصير منتجا لمعاني جديدةٍ في سياقات خاصةٍ قد تخالف معنى الآية نفسها، وهو ما يجعل النص القرآني منتجا لنص الحياة بكل تلويناتها في إطار ما يطرأ عليه من تحويلات معنوية، وبموجب ذلك «سارت [الآيات القرآنية] على ألسنة العامة والخاصة، وجرت مجرى الحكم والأمثال، بل أجدر بنا أن نقول إن الحكم والأمثال اقتبست منها» (الحسين بن الفضل، نفسه) على غرار «أليس الصبح بقريب» (هود، 81)، و«الآن حصحص الحق»( يوسف، 51)، و«ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب» (البقرة، 179)، و«قضي الأمر الذي فيه تستفتيان»( يوسف، 41)، وغير هذا كثير.
وفي المحصلة نجد أن اتصال النص المقدس بالنص الأدبي ساهم في إغنائهما معا، سواء على مستوى الدلالة أو على مستوى البناء الفني؛ إذ وجد الأدبي في الديني كونه الأسطوري على حد عبارة نورثروب فراي، فاتسع حجم التخييل فيه، وتكثفت رموزه، وحضر فيه صافي تجارب الغابرين، وشاعت البلاغة داخل نسيجه اللغوي، ما جعله يرقى إلى مراقي البيان والسحر. ووجد الديني (الإسلامي) في الأدبي الوسيلة الطيعة لنشر الدعوة المحمدية وسبيله إلى تثبيتها في قلوب المؤمنين وحثهم على مكارم الأخلاق، فتحول الأدبي إلى آلة مرنة تمكن من صوغ الحكمة ويسر تبليغها عبر أنظمة قياس ظروف الحاضر بأحوال الماضي في كثيرٍ من الحجة والدليل ومناسبة كل ذلك لطبيعة حاجات الواقع البشري.
ولئن كنا حاولنا الإجابة عن بعض ما تطرح علاقة المقدس بالأدب من أسئلة، فالظاهر أن تلك الإجابات تخفي بدورها أسئلة أخرى في الغرض ومنها خاصة: إذا صح لدينا أن النص الأدبي، وهو يخالط فضاء النص الديني، يجري فيه بعض التحويلات المهمة سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون وفق ما كنا اصطلحنا عليه بوظائف العربية الثلاث: الفقهية والأخلاقية والجمالية، ألا يدفعنا ذلك إلى القول بأن الأدب هو الباب الخلفي الذي يدلف منه المبدع إلى ساحة النص الديني بدون خوفٍ من حراس مؤسساته ليمارس فيه طقوس انتهاك قداسته؟ وهل تؤسس أدبية النص، في كثيرٍ منها، على انتهاك السائد وخرق مقدساته ومغايرة بنية تشكله لصالح بنيةٍ له جديدةٍ؟