الأردنية كفى الزعبي: امتلاك الكاتب للغة اخرى يثري مخيلته ويخدم قضيته

حجم الخط
0

عمان ـ حوار: نضال القاسم: تحتل الروائية «كفى الزعبي» مكانة بارزة في الساحة الروائية الأردنية والعربية من خلال مساهماتها التي تطرح شكلاً روائياً جديداً كما آخر أعمالها رواية «س» التي تترجم حالياً إلى اللغة الإسبانية، أمّا باكورة أعمالها فتعود للعام 2000 وعنونتها «سقف من طين». حول تجربتها الأدبية خوضها معركة انتخابات «رابطة الكتاب الأردنيين»كان لنا هذا الحوار معها:

■ أهلاً بك، وأرجو في البداية أن نقرأ في هوية كفى الزعبي؟
□ أنا مواطنة أردنية، درست الهندسة المدنية في «بطرسبورغ- روسيا» حيث عشت ما يزيد عن العشرين عاماً، ثمّ عدت قبل بضع سنوات إلى الأردن. خلال ذلك الوقت اتجهت لكتابة الأدب حتى نسيت تخصّصي وتفرغت للكتابة.
■ بعد خمس روايات، ما هي المرجعيات الفكرية والثقافية التي استندت إليها؟ وهل لطفولتك من تأثير على مشروعك الإبداعي؟
□ وجّه ذات يوم سؤال شبيهً للكاتب الروسي الروائي الكبير «الكسندر سولجينيتسين»، أجاب عليه:«مرجعياتي هي حبي لروسيا وحبي للأدب». وأنا أتفق معه تماماً في هذه المرجعيات. ولست أدري إن كان يتوجب شرح وما يجسده الوطن بالنسبة لي من انتماء منبعه دائرة جغرافية ومجتمعية صغيرة لها امتدادات تاريخية وثقافية، تتسع لتشمل الوطن العربي وتنتهي ربما بأمنا الأرض.
أما حب الأدب فلأنه ربما عبّر عن ميول فطرية لديّ للكتابة، ولأنني وجدت فيه، وبخاصة الرواية، الوسيلة التي بوسعى أن أصوغ من خلالها موقفي ورؤيتي للعالم الذي أحيا فيه، وقضاياه وأسئلته.
■ تطرح روايتك الجديدة «س» شكلاً روائياً جديداً، من خلال استخدامك لتقنيات سرديّة متنوعة، والاستعانة بمفاهيم أفرزها تيار ما بعد الحداثة الأمر الذي أعطى المتلقي مساحة أكبر لمشاركتك في تأسيس عملك الفني. ما الذي أردتِ قوله من خلال هذه الرواية؟
□ أعتبر مشروعي الأدبي مشروعاً نقدياً في جانب من جوانبه، أما رواية «س» التي كتبتها في وقت قياسي بالنسبة لي، حيث انجزتها في أقل من عام، فقد كتبتها بتأثير انتشار الفكر الوهابي السلفي الذي ينظر للمرأة كجارية وسبية تباع وتشترى وتهان، في تجنٍّ صارخ على إنسانيتها وكينونبتها. عنونتها بشكلٍ أوّلي «نص النقصان» وكنت أقصد النص الثقافي الفكري الذي تحيا فيه المرأة العربية، حُددت فيه شخصيتها سلفا كشخصية ناقصة وغير معترف بكمالها العقلي، ممّا يُبيح ارتكاب الجرائم بحقها.
إنه نص حقيقي وواقعي، نحن شخوصه. في الوقت ذاته هو كنصٍّ رواية مجهولة المؤلف، تحاول المرأة الفكاك منه والانطلاق إلى عالم واسع يعترف بها، ككيان ووجود وعقل غير ناقص. فرضت هذه الفكرة شكلاً فنياً للرواية: الميتا سرد، الذي تحضر فيه الراوية كبطلة في العمل، تؤلف روايتها وتبني شخصية بطلتها على مرأى من القارئ، البطلة التي لا تلبث أن تكتشف أنها أسيرة نص روائي متخيل.
حينذاك يتداخل النصان وتتلاشى الحدود بينهما ويصبح الهرب من أي منهما هو هروب من الآخر، فكليهما خاضع لسلطة مؤلف ما، يسلب الشخصيات حريتها عبر فرضه للحيز والحدود. أنها محاولة للتمرّد ليس على سلطة النص فقط بل وعلى سلطة مؤلفة أيضاً.
■ صدرت لك رواية «عد إلى البيت يا خليل» عام 2009 باللغة الروسية، ما هو أثر أدبك خارج الحدود؟ وكيف تفسّريت ظاهرة قبوله في روسيا؟ وهل الاغتراب من وجهة نظرك عامل محفز للمبدع أم أنّ له مردوداً سلبياً؟
□ حاولت في رواية «عد إلى البيت يا خليل» التي صدرت باللغة الروسية (لم تنشر بالعربية) أن أعرض للقضية الفلسطينية من جانب إنساني بحت، والمجازر المتتالية التي اقترفها العدو الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، بدءاً من مجزرة دير ياسين وانتهاء بأحداث جنين في عام 2002.
بداية رفضت دور نشر كثيرة نشره بسبب الخوف من تهمة معاداة السامية، لكنه حين نشر أخيراً وجد صدىً رائعاً لدى القراء الذين يكتبون لي بين الوقت والآخر معبرين عن تأثرهم بالعمل وعن دهشتهم من الحقيقة المريعة للصراع، وما تعرض له الشعب الفلسطيني، الحقيقة التي تناقض التصور التقليدي كما تقدّمه وسائل الإعلام والأعمال الفنية بأنّ الآخر صاحب أرض، بل وضحية للإرهاب العربي الفلسطيني.
أظن أنني قدمت بهذا العمل شيئاً بسيطاً جداً مما يتوجب عليّ وعلى الكاتب العربي تقديمه لآخر مختلف عنّا ويملك تصوراً نمطياً مغلوطاً عنّا وعن قضايانا.
وفيما يخص الاغتراب فحقيقة لم أشعر بالاغتراب في روسيا بقدر ما كانت تبدو لي وطناً ثانياً، لكن امتلاك الكاتب لوطن ثانٍ ولغة أخرى وبيت آخر أمر يغني مخيلته، ويوسّع أفق رؤيته ويعّمق فهمه للشخصيات وللصراعات.
■ الكتابةُ فعل ومغامرة مضيئة، والرواية أشّد أنواعها تعباً، واليوم بعد تجربة حافلة ما الذي تتوقعينه من الكتابة في زمنِ الهزال الثقافي؟
□ أظن أنّ لهذا الزمن (زمن انفجار الأزمات: السياسية والفكرية والاقتصادية) انعكاسات مهولة على الكتابة. نحن الآن نشهد زخماً في الكتابة الروائية حيث تولد كل يوم رواية، الأمر الذي يعبّر عن استسهال مخيف للكتابة والابداع، لكن لابد أن يتمخض هذا الكم عن أعمال روائية متميزة على صعيد الشكل والمضمون.
شخصيّاً أعتقد أنّ أمام الرواية في هذا الزمن استحقاقات كبيرة وخطيرة، لست أدري إن كانت مُدركة. وهنا سأتذكر «ميلان كونديرا» الذي قال في كتابه النقدي «الوصايا المغدورة» أنّ الرواية الأوروبية ساهمت في القرن الثامن عشر في بناء شخصية الفرد الأوروبي وفي بناء عقله. هل الرواية العربية الآن قادرة على المساهمة في إعادة تشكيل الوعي والعقل العربي بإشكالياته العميقة؟ هي أسئلة أظن أنّ التاريخ وحده من يقوى على تقديم الإجابات عليها.
■ ما الذي يفعله المكان بالرواية، ولا يفعله الإنسان؟ ومتى بدأ الوعي بأهمية المكان لديك؟
□ هل يعني المكان شيئا بلا إنسان؟ وماذا بوسع المكان أن يفعل بالرواية من دون إنسان سوى التحوّل إلى حيّزٍ جامد بلا روح كلــــوحة؟ صحــــيح إنّ هذه اللوحة قد تبعث فينا رغبة التأمل واكتشاف افكار ما، لكنّ التأمل وحده ليس كافياً لبناء رواية.
المكان هو السياق، هو المنظومات الفكرية والاجتماعية والاخلاقية والثقافية والسياسية، وهو ما يُحدّد بُنيّة الشخصيات. وبالتالي إنّ المكان والزمان من أعمدة الرواية للعلاقة الجدليّة التي تربطهما بالإنسان، حيث لا يمكن فصل عنصر عن الآخر.
■ تترأسين الآن قائمة «تيار القدس» المتحالف مع «التيار الثقافي التقدّمي» لخوض غمار انتخابات رابطة الكتاب الأردنيين، برأيك، ما هي مسوغات تأسيس هذا التحالف بين التيارين؟ وما هي أسس للتقارب والتجمّع بينهما في مواجهة التيارات الأخرى؟
□ قواسم مشتركة كثيرة أسسّت لهذا التحالف، أهمها الموقف الفكري النقدي تجاه واقعنا العربي الحالي وما ينتشر فيه من ظلام السلفية والإرهاب، الذي عكسه شعارنا بوضوح: العقل في مواجهة الظلام. العقل النقدي الحر في مواجهة قيود لا تقبل التفكير ولا المساءلة.
كما الموقف الوطني القومي المنحاز لاستقلال الدول العربية ووحدة كياناتها السياسية والجغرافية، الرافض للتدخلات الأجنبية فيها التي تسعى لتقسيمها على أسس طائفية. ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني المحتل، خصوصاً التطبيع الثقافي، والإيمان بثقافة المقاومة والمقاومة الثقافية، والأهم اتفاقنا المطلق على مركزية القضية الفلسطينية كقضية العرب الأولى.
■ ماهـــي أبرز ملامح البرنامج الذي الذي تتبنونه للنهوض بالعمل الثــقافي والذي ستخوضين على أساسه الانتخابات القادمة لرئاسة «رابطة الكتاب الأردنيين» المزمع عقدها مطلع الشهر المقبل؟
□ نأمل أن نحقق نقلة نوعيّة في دور الرابطة الثقافي في حال فوزنا، والتركيز على استقلالية الكاتب والدفاع عن حريتة وحرية قلمه، وتفعيل دور الرابطة في النقد البنّاء لرفع سويّة الأعمال الأدبية، من خلال عقد أسابيع ثقافية في المحافظات، والاهتمام بالكتّاب الشباب، ونشر ثقافة القراءة، كما الاهتمام بتسويق المنتج الأردني والاهتمام بالترجمة.
كذلك الانفتاح على الهيئة العامة وإشراكها في كل النشاطات، ومأسسّة مجلة الرابطة «أوراق»، والانفتاح على الفن والمسرح، وعقد نشاطات مشتركة مع النقابات والمؤسسات الثقافية الأخرى. لدينا نيّة حقيقية لتأسيس دار نشر وطنية تنقذ الكاتب الأردني من اضطهاد الناشر، نقلة نوعية في دور الرابطة الثقافي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية