هشام البستاني طبيب وكاتب أردني ولد عام 1975 في عمّان. صدرت له مجاميع قصصية منها «عن الحب والموت» و»الفوضى الرتيبة للوجود» و»مقدمات لا بد منها لفناء مؤجل». وهي كتب لا تُخفي وعي صاحبها بأجناسية القصة وشروطها الفنية، إذْ نلفي الواحدة من قصصه تنصبّ على موضوعها دفعة واحدة انصبابا لا نعدِم فيه صفاءَ اللغة ووفرةَ استعاراتها. في هذا الحوار يثير البستاني مجموعة من الإشكالات المتصلة بفنّ القصِّ وبوظيفة الكتابة الإبداعية.
■ هل يتفق هشام البستاني مع الرأي القائل إن القصة القصيرة هي رواية مكثفة، أو نهاية لرواية لم يكتبها الكاتب؟
□ لست روائياً ولا أرى نفسي في المدى المنظور كاتباً للرواية. الرواية مكان للتوسّع وأنا مع التكثيف، الرواية مساحة للدّرس وأنا مع التأمل، الرواية قمعيّة وأنا مع الحريّة. لا أرى علاقة بين الرواية والقصة، فهما فنّانِ ـ وإن انتميا إلى السرد ـ إلا أنهما مختلفان تماماً، بل أنني أرى القصة شقيقةً للشعر، وبينهما من عوامل التقارب ما يجعلهما واحدا،ً خصوصاً في بعض اشتغلات قصيدة النثر أو اشتغالات القصة الومضة/القصة القصيرة جداً. في الرواية ثمة «زمن خطي»، تطوّر منطقي للزمن من نقطة إلى أخرى، بينما زمن القصة اندماجي: نقطة يلتقي فيها الماضي والحاضر والمستقبل معاً. عندما تبني الرواية أركانها (الأحداث والشخصيات والأماكن)، فهي تقوم بذلك بشكل مفصّل وبطيء وشامل، في الرواية نعاين كل تفاصيل الشخصية، وكل تفاصيل الشخصية مع ما يجاورها من شخصيات، وكل تفاصيل المكان، وتتركّب الأحداث بعضها فوق بعض بشكل متتال وجبري. الكاتب هو سيد الرواية ودكتاتورها الأوحد، بينما ثمة مساحات هائلة للتخيّل وتوليد المعاني والتأمل في القصة والشعر، لذلك فهما تمثلان الحرية واللانهاية. النص القصصي يقدّم نفسه كمحفّز متعدد الطبقات ومتعدد الدلالات، ولذلك فهو فن صعب التلقي، يحتاج إلى قارئ مدرّب ومثقف، يستمتع بسبر أغوار النص لا تلقيه السلبيّ وحسب. لهذا وجَدَت صناعة النشر في الرواية إمكانية التسليع، وإمكانية تسويقها على نطاق واسع؛ الرواية سهلة التلقي، مشوّقة، يستطيع قارئها أن يتمثّل أو يجد نفسه في شخوصها، وتشكل عالماً بديلاً عن الواقع، وتنبني علاقة القارئ معها ببطء وبتمهل وبكامل التفاصيل؛ القصة صعبة التلقّي، قد لا يستطيع القارئ التوحّد مع شخوصها لأنهم غالباً ما يكونون من الفئات «المهمّشة» أو «المغمورة»، بحسب فرانك أوكونر، مع ملاحظة أن السرد القصصي (بطبيعته «الداخلية» والاختزالية) لا يتيج المجال للقارئ لأن يجد نفسه فيه، خصوصاً أنه لا يمثّل أبداً عوالم بديلة، بل غالباً ما يكون حفراً في عالم البشر البشع. لهذا نجحت الرواية في امتحان «السوق»، بينما فشلت فيه القصة والشعر، هذا مع التشديد على أن الفن والسلعة شيئان مختلفان بل ومتناقضان، وأي فن يتحوّل إلى سلعة يفقد مباشرة قيمته الفنيّة.
■ من يملك سلطة تحديد شكل النص القصصي؟
□ الموضوع، هذا إن كنا نتحدّث عن كاتب طليعيّ تجديديّ تجريبيّ، مثل هذا الكاتب يمتلك مجموعة من الأدوات والإمكانات والاحتمالات السرديّة والنثريّة، ومثل هذا الكاتب يحاول أن يكون الشكل والموضوع في اشتباك دائم، بحيث يعبّر الشكل عن الموضوع، ويتداخل الموضوع في الشكل. الشكل أداة لا تخدم الموضوع فحسب، وإنما تنقله إلى أبعاد الممكن والمحتمل، إلى منطقة ما بعد النص. لهذا يكون الموضوع هو المبتدأ والعتبة، أما الشكل فيحدد أفق الكتابة.
أما عند الكاتب «المدرسيّ»، أي الكاتب المعاصر الذي يلتزم بالشكل التقليدي للقصة القصيرة، فالشكل عنده واحد ومعروف وأشبعه الكتاب الكلاسيكيون اشتغالاً لدرجة انعدام أي إمكانية لتقويله ما لم يقله على يد أساتذته الكبار.
■ ما هو فهمك الخاص للصوت المنفرد في النص القصصي؟
□ الصوت المنفرد» هي مقولة القاص الايرلندي فرانك أوكونر الأساسية وعنوان كتابه المهم عن القصة، وهي ترجمة سيئة عن الإنجليزية. The Lonely Voice تعني الصوت المتوحّد؛ صوت الإنسان الوحيد المستوحش الذي يحسّ بالعزلة والهشاشة الناتجة عن تلك العزلة. أنا أتفق وهذا الفهم وأزيد عليه أنه صوت الغضب الناتج عن الإحساس بالغربة، والتساؤل الحادّ والنقد بصيغته المتفجّرة من جهة، وصوت التأمل والولوج العمودي إلى العمق من جهة ثانية؛ وكلا الأمرين لا ينفصلان عن التوحّد. لذلك تنطق القصة – بالمعنى الفنيّ والإبداعيّ- بلسان مُبدعها، مثلها مثل اللوحة التشكيلية أو المقطوعة الموسيقية أو القصيدة. هذه هي الميزة الأهم التي تفرّق القصة عن الرواية وتجعلها أرفع فنيّاً: في القصة نعاين منظور الفنان/الكاتب وفلسفته، أما الرواية فبحث في مجموعة من المنظورات الاجتماعية أو في إسقاطاتها.
■ تنوعت تقنيات بناء النص القصصي، من كاتب لآخر؛ كيف يتم بناء النص القصصي لديك؟
□ أبني نصّي القصصي بطرق كثيرة: مرّة قد تأتي القصة دفقة واحدة؛ وأحياناً كثيرة ما أكتب قصصاً غير مكتملة، أو بدايات لقصص، تكتمل لحظة أقرر التفرّغ الكامل لإنجاز كتاب؛ وأحياناً أجمع قطعاً مختلفة متقاربة فتتحوّل بعد الاشتغال عليها إلى نص واحد. وكل ما ذكر أضعه جانباً وأعود إليه بعد فترة ليخضع للتحرير وإعادة الكتابة، ثم يخضع لتحرير ثانٍ بعد ان أُطلع مجموعة من المقرّبين الذين أثق بذائقتهم وسعة اطلاعهم على المسوّدة الأولى للكتاب فيقدّمون لي آراءهم.
هذا من حيث البناء «الخارجي» إن جاز التعبير، أما البناء الداخليّ فلا قواعد تحكمه، وإن كنت ألاحظ نُزوعاً لديّ يتفاقم مع كل كتاب باتجاه تهميش الشخصيات ومركزة الحدث كبطل للقصة. هذا يستدعي مقاربات غير تقليدية في المعالجة أو «التطوّر الدراميّ» للحكاية، وصيرورة «الخط الحكائي» أو مآلات الحدث، فتصير الشخصيات حوامل للحدث، فيما يحرّرني ذلك للقفز في الزمن أماماً ورجوعاً، واستخدام الهلوسات والأحلام والاسترجاع التذكريّ وتدخّل السارد أو الراوي، بل وإشراك القارئ. كتب أحد النقاد مرّة أنني أكتب القصة كمن يتحرّك مرتاحاً في غرف منزله؛ أعتقد أن هذا يعبّر كثيراً عن الكيفية التي أتعامل بها مع الكتابة القصصية، فالتكنيك يطاوعني أثناء الكتابة، بحيث أقطع هذه الغرفة، وأجلس في تلك، وأستلقي في أخرى على الكنبة، وأغلق ذلك الباب، وأفتح هذا الشباك، هكذا وبكل يُسر، أو على الأقل بما تمكنني منه تقنياتي الكتابيّة: أن أتمكن من نقل القارئ معي بذلك اليُسر.
■ هل لديك معجم لغوي خاص، محدد، توظفه في الكتابة القصصية، أم أن النص هو الذي يحدد لغته أو أسلوبه؟
□ المعجم اللغوي الخاص هو الحياة المعاصرة، وامكانيات اللغة في أن تفعل داخلها. أنا مقتنع بأن اللغة العربية (وهي اللغة التي أكتب بها) لديها امكانيات هائلة، يرفدها منجم هائل هو العاميّة. لا أكتب بالعامية (ولا أُدين الكتابة بالعامية طبعاً) لأنني أعتقد أن ثمة قصورا يحصل في البناء الفنيّ عند كتابة النثر بالعاميّة (قد لا ينطبق ذلك على الشعر)، وانغلاق في ما يتعلّق بالمتلقّين (فثمة عاميّات كثيرة داخل البلد الواحد، فما بالك بعاميّات العربية كلّها! سيصبح المتلقّون محدودين جداً)، لكن العامية أسرع استجابة للمتغيّرات وأكثر مرونة وحركة، وكثير من الكلام العاميّ جذوره الأساسية في الفصحى، لهذا أحاول في كتابتي أن أتبنى بعض الكلمات العامية و»أفصحنها». هذا جزء من محاولتي الواعية و/أو العفوية في الكتابة بلغة «اليوم» لا اللغة اليومية، ولغة اليوم كما أراها هي لغة لا يحس القارئ المعاصر بالغربة أمامها، وكأنها لغة «متحفيّة»، وفي الوقت ذاته يقف مندهشاً من امكانياتها الجمالية وقدرتها على التعبير ومرونتها في الاستجابة للمواضيع.
كما أتفق أيضاً مع ملاحظة أن للموضوع، والشخصيات الموظّفة في القصة، تأثيراً على اللغة المستعملة في كتابتها: فمثلاً لا يُعقل أن يتحدّث الحلاج بعد أن نستحضره من موته في عصرنا الحالي، بلغة عصرنا الحالي؛ ولا يمكن أن يشتم شخص معاصر في قصة تدور أحداثها في شارع مدينة مثل عمّان الآن بقوله: اللعنة عليك.
■ هل الكتابة رجع صــدى للواقع أم ردة فعل أدبية، أم هي استجابة تلقائية لثيمات تحثك أو تستفزك للكتابة؟
□ الكتابة هي إعادة خلق وتأمل وتفجير وتفكيك وغوص في أعماق الواقع، واستنطاق زواياه الخفية غير المرئية إلا لأدوات الفن ونظرة العين المُبدعة. دور «الواقع» أساسي تماماً في الفن والكتابة حتى عند أكثر الكتّاب سرياليّة وتجريدية، فالكاتب واللغة هما محصلة تجارب حصلت وتحصل في الواقع، والواقع كمحصلة لتاريخ طويلٍ من الممارسات والخبرة والصراع والانتاج والإبداع يتكثّف أولاً في اللغة من حيث هي تعبير عن هذه الصيرورة الطويلة من التحوّلات والخبرات، ويتكثّف ثانياً في الكاتب، من حيث اتساع معارفه وتجاربه: فلا كتابة بدون قراءة واطلاع واشتباك مع الحياة. لهذا أقول إن الكتابة هي محصّلة وحصيلة، نوع من الهضم الذي يحوّل تفاحة أكلتَها من توّ إلى مجموعة متنوعة من الخلايا والوظائف البيولوجية في جسمك تختلف اختلافاً كاملاً عن التفاحة، لكنها لا تلغيها تماماً، ومن هنا علاقتي الخاصة مع القصة، من حيث أنها الجنس الأدبي السرديّ القادر على التقاط هذه الامكانية على أفضل وجه، بحيث يتكثّف فيها الماضي والمستقبل في نقطة الحاضر المقبلة من الماضي والذاهبة إلى المستقبل. زمن القصة (كما يراه فرانك أوكونر) هو زمن اللحظة الذي يتكثّف فيه الماضي والحاضر والمستقبل، سأزيد أنه زمن «متفجّر»؛ وهي ذات اللحظة التي يلتقي فيها الكاتب مع الواقع، بعيداً عن «الواقعيّة».
حاوره: عبد الحميد الغرباوي