لأسباب عدة لا ينبغي التوقف مطولا إزاء محطات الجدل المتجددة المتعلقة بـ «المكونات» في المجتمع الأردني، ليس فقط لأن مثل هذا الغرق تعبير مرحلي عن ضحالة التفكير الفرعي، في وقت بات فيه الأردنيون جميعهم بأمس الحاجة إلى كلمة سواء، توافقية وطنية مسؤولة، تواجه مناخ العواصف الإقليمية والدولية.
ولكن أيضا لأن الشعوب الحية تتجاوز في اللحظات الصعبة صناعة أي جدل فرعي وتنتبه للتركيز على قواسم وطنية مشتركة على أساس الإنقاذ الوطني.
نقول مثل هذا الكلام بعدما لاحظنا الإسفاف الذي وصلت إليه بعض النقاشات والسجالات المرتبطة بمكونات اجتماعية في الوقت الذي يهدد فيه الشبح الاقتصادي ومعه العدو الإسرائيلي وبرفقتهما التجاهل العربي وتحديدا السعودي الأردنيين جميعهم من شتى أصولهم ومنابتهم.
رصدنا بأسف منزلقات لا مبرر لها في التعاطي مع بعض النشاطات مؤخرا، سواء عندما تعلق الأمر بندوة شهيرة قرر منظمها لسبب غامض أن تناقش أسباب العزوف الانتخابي عند الأردنيين من أصل فلسطيني، أو سواء عندما تعلق الأمر بـ «التهريج التحريضي الإلكتروني» الذي مارسه بعضهم ضد نشاط كان يمكن أن يعبر ببساطة ومن دون جدال وتعزيز لتعليقات الكراهية بعنوان حفل تأبين بسيط ومكرر وداخل مقر أحد الأحزاب للشهيد أبو علي مصطفى.
نقاشات الشارع الأردني تنزلق فعلا وبحدة هذه الأيام وجريمة الرصيفة التي كانت جنائية بحتة كان يمكن أن تتحول إلى ما هو أبعد وأعمق لولا حكمة وتصرف دوائر أمنية بدأت بقوات الدرك وانتهت بمسؤولي وزارة الداخلية.
راقبت بعين حريصة كل هذه الجدالات التي خلطت الأبيض بالأسود بعد سلسلة تصريحات وتعليقات إلكترونية لمهرجين لم يحسبوا خطواتهم يتأثر بهم الرأي العام ويركب موجتهم بعض المحترفين للأسف في بعض الحالات.
برأيي لا نملك كأردنيين فعلا ترف الغوص في سجالات وجدالات فرعية سطحية وسقيمة قياسا بالأزمة التي تعصف بالمنطقة اليوم وبالوضع المحلي الحرج اقتصاديا وأمنيا وحدوديا.
لا نملك هذا الترف، حتى وإن كان الأمر يتعلق بقضايا التمثيل والحقوق، فتلك مسائل تناقشها شعوب لا تواجه تحديات كبيرة وجوهرية.
وتناقشها الشعوب المترفة في أوقات الفراغ والاسترخاء، وفي وقت لا يحتار فيه المواطن بلقمة العيش أو مصروف مدرسة أولاده، وفي بلاد غير مديونة والعجز في منتوجها القومي لا يصل إلى 95 ٪ ومديونتها تتضاعف وتنمو كالخيار المُهرمن ونموها الاقتصادي انخفض على المكونات جميعها من 7 ٪ عام 2008 إلى أقل من 3٪ عام 2016.
لا أجد بصراحة اليوم ما يمنعني من الإقرار بأن الحديث الجمعي عن دولة مؤسسات وقانون ومنهجية مواطنة للأردنيين كلهم هو اللافتة التي تحمي الحقوق وتحدد واجبات الجميع.
ولا بد من التذكير بأن التنمية السياسية الأفقية والعمودية للأردنيين جميعهم وفي كل مواقع سكناهم هي الهدف الأعمق الذي ينبغي التفكير به قبل الانتقال لأي خطوات في برنامج الإصلاح السياسي.
العودة للحديث عن معادلة «منقوص وزائد» اليوم يمكن فعلا أن تثير الشبهات، إذ من الأفضل تجنبه والتراجع عنه بعيدا عن نظرية الحقوق المكتسبة وشقيقتها المنقوصة لمصلحة معادلة «تنمية سياسية أفضل للأردنيين جميعهم» مع جرعة ثقافية حضارية موازية بعنوان إحسان الظن بالمؤسسات وافتراض حسن النية بأجهزة الدولة ومساعدتها بإظهار مرونة ومساحة كبيرة من الصبر والاحتمال والروح الإيجابية.
في موضوع العزوف الانتخابي لا أتصور أن الأولويات اليوم تتعلق بفهم أسباب عزوف مكون دون آخر عن الانتخابات في المجتمع، فالمقاطعة فعلا تشمل الجميع بنسب متفاوتة والمدن الكبيرة بطبيعتها تنخفض فيها بالعادة نسبة الاقتراع.
وسمعة العملية الانتخابية سيئة في البادية قبل المخيم وفي الريف قبل المدن واسطوانة مظلومية أي مكون التي تبرر العزوف لا تقل تضليلا عن تلك الأحابيل السلطوية التي تتلاعب بغرائز الشارع بكل مكوناته بين الحين والآخر لتحقيق أهداف قصيرة الأمد وبائسة ومتعلقة فقط بالمنطق الأمني أو البيروقراطي الذي لا يلام أحيانا عندما يطلب منه ملء الفراغ السياسي والاجتماعي أو «ترقيع» المشكلات المعقدة التي نتجت عن بؤس السياسيين واجتهادات الحكومات.
فوق ذلك من يتباكى اليوم على منسوب «التمثيل» سواء في ندوة أو في أي نشاط آخر ينسى أن سلبية من لا يريد المشاركة لا تقل عن سلبية من يُمنهِج الإقصاء والتهميش أو يبرره.. كلاهما اجتهاد خطأ تستفيد منه الحلقات الانتهازية في الإدارة العامة. وهي حلقات لم يعد سرا أنها ناشطة ومستحكمة وعميقة وتسترخي في الظل ولا تشتبك مع الضوء. بكل حال أتصور أن قصة عزوف أي مكون عن الاقتراع لا تستحق ندوة اليوم ولا اهتماما أصلا.
وقصة «تأبين» أبو علي مصطفى الذي رحل عن الدنيا وترك مئات من الرفاق الحائرين وسقط بصاروخ وليس برصاص العدو الإسرائيلي لا ينبغي لها أن تثير الحساسية أو تهز أوصال المجتمع الأردني سواء عندما تعقد أو تمنع ومن دون مبرر مقنع.
..الأهم أن نبادر للتفكير التوافقي الوطني حتى لا نتأسف مستقبلا ونحتفل بتأبين الإدارة ومستقبل الأردنيين ووصولهم إلى مرحلة الحائط المسدود.
الأهم المبادرة لندوات ومؤتمرات تحت عنوان «نفكر معا كأردنيين كيف نحمي الأردن اليوم» فالعدو يتربص بالأمة وليس بالشعبين الأردني والفلسطيني، وقياسا بالتحديات التي يواجهها الوطن الأردني اليوم تصبح قضايا المكونات كلها ليست إلا جزئيات صغيرة جدا في المشهد يمكن أن نتخلى عن «ترف التسلي» فيها بحكم ظروف اليوم إذا أردنا أن نكون وطنيين حقا ومسؤولين فعلا.
الخلاصة من جانبي: إن الحديث عن التمسك بحقوق مكتسبة لشرائح أصيلة في المجتمع الأردني لا يختلف من حيث قيمته الإنتاجية عن الإصرار على فلسفة الحقوق المنقوصة لشرائح لا مجال للمزاودة عليها بعد الآن.. كلاهما عدوى ومن دون إنتاجية وكلاهما تكاد إنتاجيتهما تستقر بوقار في مكانة «الصفر».
ما ينفع البلد والوطن والنظام والناس اليوم هو كلمة توافق على مقدار المسؤولية والتحديات وتنمية سياسية للجميع وإسقاط عميق لِلُعْبَتي الحق المنقوص والحق المكتسب.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين