الأردن: الأمني لا يجيد البقاء في الـ«كاريدور»

التدخل الرسمي مهما كان حجمه او شكله في الانتخابات الاردنية تماما مثل المال السياسي.. لا يمكن اثباته ولا تقديم ادلة وبراهين عليه لكن يمكن لمن يتمتعون بحاسة شم خاصة ان يشتمه او يشعر به.
بكل الاحوال لست هنا بصدد عقد امتحان لمنظومة النزاهة بعدما اغلقت صناديق الاقتراع في واحدة من اغرب العمليات الانتخابية التي يمكن ان يتخيلها العقل البشري.
كنت قد نصحت الصديق اليساري رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات الدكتور خالد كلالدة بان يحافظ كطبيب على عظام قفصه الصدري ويتجنب الاستمرار في الدق على صدره باعتبار كفيه وقبضتيه تمثلان الضمانة الاساسية لنزاهة الانتخابات.
لسبب او لآخر تجاهل الرجل النصيحة ولا يلام فقد كان طوال الوقت محشورا بين ثلاث زوايا من الضغوط العنيفة تتمثل في ارادة المؤسسات المرجعية بانتخابات نظيفة وسعي بعض الاطراف في المستوى التنفيذي لإعاقة هذه النظافة قدر الامكان على اعتبار انها تهدد البلاد والعباد والدولة والحكم.
اما الزاوية الثالثة فذاتية ونفسية مغلقة لأن رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات خصم علني وشرس في الايديولوجيا والفكر والسياسة والمجتمع للإخوان المسلمين وقد اجتهد بوضوح لكي لا يضبط متلبسا بإسقاط هذه الخصومة على عمله النشط والدؤوب.
التجربة اثبتت مرة اخرى بان الذهنية البيروقراطية عاجزة او قد تكون عاجزة عن تفهم ما الذي تعنيه انتخابات نزيهة وهنا لا نتحدث عن الارادة السياسية التي لا نشك لحظة بتوفرها لتغطية نظافة الانتخابات ولكن نتحدث عن الجانب الاجرائي حصريا.
المسألة سلوكية وثقافية واجتماعية بالمقام الاول فلا يوجد منطق في الارض يمكن ان يقنع رجل امن مهما كانت رتبته بان عليه الالتزام حرفيا بالبقاء في الكاريدور المحاذي لغرفة الاقتراع فقط.
ولا توجد طريقة في الحالة الاردنية لإقناع شرطي بان كاميرا الصحافي الحرة تخدم البلد وحتى النظام فالعداء مستوطن وتاريخي بين الامن وحرية الإعلام واي رجل امن لا يريد ببساطة الاشتباك مع احتمالات ويتصور بان واجبه الاساسي يقضي بمنع التصوير في مراكز الاقتراع والفرز قبل التفكير باي خيار آخر والسبب بسيط وهو ان رجل الامن البسيط لا يتعرض لتدريبات تؤهله لتفهم دور الكاميرا وحرياتها في بناء مستقبل الشعوب وحرياتها.
هنا حصريا نعفي رجل الامن الحارس والحامي من المسؤولية السياسية ويمكننا تحميلها ببساطة للحكومة والسلطة السياسية وفي بعض الاحيان للجنرالات الذي لم يعتادوا بدورهم على تقبل جسم دستوري جديد وظيفته قد تتجاوز صلاحياتهم واسمه الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات وهي نفس المفارقة التي تحدث عنها اول رئيس للهيئة الدبلوماسي المخضرم عبد الاله الخطيب قبل استقالته من منصبه الرفيع.
طبعا لا يبدو اي رجل امن مستعدا لتلقي التعليمات والتوجيهات من هيئة يترأسها طبيب يساري معارض كان قبل اشهر فقط يهتف في الشارع ضد النظام ويطالب بالتغيير ويواجه رجل الامن نفسه المطالب اليوم من قبل نفس المعارض بالوقوف فقط في الكاريدور.
لذلك لا يتقبل رجال الأمن البسطاء فكرة البقاء في الاروقة وعدم دخول غرفة الاقتراع وهو ما حصل عمليا واشتكت منه هيئات مراقبة الانتخابات.. وهي بالنسبة للذهنية الأمنية البيروقراطية هيئات تشتكي وتصيح بكل الاحوال دون ضرورة الالتفاف اليها.
رئيس اللجنة الانتخابية في كل غرفة اقتراع يعيش ايضا نفس المفارقة فقد اعتاد على تلقي التعليمات من وزارة الداخلية وفي اغلب الاحيان من مسؤولين امنيين وثقافته التي مارسها طوال حياته في الخدمة العامة لا تتقبل ان تأتي ناشطة حقوقية امرأة شاء القدر ان تجلس في مقعد متقدم في هيئة الانتخابات لكي تطالب رئيس هذه اللجنة بالانصياع التام لما يصدر عنها.
جمهور الموظفين في الخلاصة النهائية الذين تناط بهم ادارة العملية الانتخابية ليسوا ضد النزاهة ولا دعاة للتدخل والتزوير وبالتأكيد مثل غيرهم من شعبهم يحبون بلادهم لكنهم ببساطة شديدة لا يعرفون كيف تمارس الديمقراطية ولم يسبق لهم ان مارسوها وهنا تكمن الازمة التي يسميها الكلالدة نفسه بأزمة مصداقية العملية الانتخابية.
لذلك يسأل احد المراقبين الحقوقيين علنا عن جلسات التدريب التي عقدت بمال دولي لرؤساء واعضاء لجان الانتخاب؟.. و من حق ممولي مراقبة الانتخابات الاستفسار عن الجدوى التي انفقت من اجلها اموالهم مادام رئيس لجنة الانتخابات في كل غرفة اقتراع لا يفهم اصلا الديمقراطية ولا يرغب بممارستها وكل خبراته البيروقراطية تنحصر في الاصغاء فقط للمعلبات الادارية المفهومة وعليه يمنع رئيس اللجنة من شاء من المراقبين والصحافيين من دخول غرفته ويمنع الكاميرات ولا يرد على هواتف مفوضي الهيئة المستقلة فقد اعتادت اذنه على نوع محدد من الاتصالات الهاتفية في الوقت الذي لا يوجد فيه عند الهيئة جيش من الموظفين يستطيع مراقبة من ينبغي ان يراقب المراقبين.
ولذلك ثالثا شعر المراقبون الدوليون بالاشكال الناتج عن منعهم من التجول والحركة والاستفسار وشعر الصحافيون بعدم الارتياح لأن حراس الامن يصرون على مرافقتهم وقد اعتادوا على مصادرة الافلام وتحطيم الكاميرات وليس الترحيب بها، المشكلة اذن تتعدى مسألة القرار السياسي وتؤشر على القدرة الحقيقية في ممارستها او على ممارستها وهنا تكمن ازمة الانتخابات التي وبصرف النظر عن مؤشرات التدخل المزعومة او الحقيقية ستعبر في النهاية عنا نحن الاردنيين.. عن مجتمعنا و انحيازاتنا واتجاهاتنا.. وعن وهذا الاهم ثقافتنا السلوكية.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الأردن: الأمني لا يجيد البقاء في الـ«كاريدور»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية