طبيعي جدا ان يشعر الشعب الاردني بالصدمة وهو يتابع تفاصيل ما سمي بمشاجرة الصريح حيث قتل خبير نفط شاب وجرح سبعة اشخاص بعد خلاف بين شابين من عائلتين مختلفتين في الشارع انتهى بمشاجرة جماعية امتدت فيما بعد إلى داخل المستشفى الذي انهمر الرصاص بالقرب من غرفة عملياته خلال اسعاف المصابين.
لاحقا تدخلت السلطات وعزلت الطرفين وبدأت الإجراءات العشائرية المعتادة قبل أن تعود الأحداث بعد يومين فتزيد الاضطرابات ويبدأ مسلسل حرق المنازل والمحلات التجارية وكذلك الصيدليات ومحطات الوقود من قبل اهالي القتيل.
نتائج هذه المشاجرة المخجلة ضربت صميم قلب الاردنيين ليس لأنها الاولى ولن تكون الاخيرة التي يلتهم مواطنون فيها مشاعرهم الانسانية وليس لأنها نتجت عن قتيل شاب متعلم سهر الليالي حتى يحمل درجة الدكتوراه في الهندسة فوقع ضحية للعنف الجهوي والعشائري والعائلي البغيض.
حادثة مؤلمة جدا تكررت في المشهد المحلي الاردني حيث يفقد هذا الشعب العظيم زهرة من شبابه سنويا في لحظة انفلات تحصل دائما عبر ما يسمى بثورة الغضب او حالة التدافع البائسة السقيمة من اجل العشيرة او القبيلة او الجهة او حتى العائلة.
حادثة موجعة ليس فقط بسبب كلفتها العائلية حيث تجمع الدرك ورجال الامن بالمئات لحماية بلدة صغيرة كانت دوما وادعة.
ولكنها موجعة جدا لأن ردود فعل الناس جميعا اصبحت تطالب بالعودة إلى ما قبل بناء الدولة وقراءة درس الانسان قبل اي شيء آخر في محاولة محمومة لتعلم ابجديات الخلاف وتطويق الازمات قبل تحولها إلى مشاجرات مسلحة في بلد يطلق بعض اهله النار لا على التعيين وبناء على مناسبة وبدون مناسبة وسط غابة من زحمة الاسلحة التي يهربها ويتاجر بها احيانا موظفون رسميون تعرفهم الدولة والحكومة وهي تتوارى خجلا تجنبا لفضيحة محتملة.
يقال في حادثة الصريح ان أول شرارة انطلقت بين شابين من عائلتين بينهما أصلا حساسيات سابقة لها علاقة بالانتخابات او بتقاسم اراض او بغيره من المشكلات.
مخجل إلى حد الرعب ان تتطور مشاجرة بين شابين على مكان اصطفاف سيارة إلى «أزمة وطنية» وتؤدي لحفر قبر عالم شاب.
مخجل ان يسمح أردني يدعي الوعي الوطني لنفسه بإطلاق رصاص الثأر الحاقد الموتور داخل مستشفى. سرعان ما تطورت المشاجرة فتجمع الاشقياء والزعران باسم القبيلة والعشيرة وباسم قرابة الدم لتمتد المواجهة دون اي سبب حقيقي وبعد مشكلة بسيطة جدا كان يمكن ان تعالج بتدخل شرطي مرور فقط او طرف ثالث.
اصيب شخصان بالحجارة والعصي وسرعان ما عادت اطراف من العائلتين إلى عقلية الغزو والرد والى الرؤوس الحامية فلعلع الرصاص بالاتجاهين.
تدخلت الشرطة الموجودة في المكان وفككت بين المشتبكين فاعتقلت البعض ونقلت الجرحى للمستشفى.
سمع اشقياء من احد الاطراف بان اقارب لهم بين المصابين فتجمعوا حول المستشفى وزاروه مسلحين بالرصاص والهراوات.. سوء حظ الدكتور المهندس الشاب القتيل في هذه المشاجرة تصادف مع اطلاق النار في المستشفى ففقد الوطن شابا متعلما وخبيرا وعندما يفقد الوطن نلاحظ بان من خسر هو الجميع عشيرة القاتل قبل القتيل.
هذه طبعا ليست الحادثة الوحيدة فقد قتل اردني في مدينة المفرق برصاص مجهول امس الاول واطلق مجهول النار على بعض الشباب وسط العاصمة عمان وانتحر مواطن في الأغوار وقبله آخر في الزرقاء وثالث في عمان.
لا يخلو يوم من أيام الأردنيين الصعبة من حادثة إطلاق النار ومن الغضب الأرعن والمشاجرات التي تبدأ بالصغار ثم سرعان ما يعلق بها الكبار ومعهم الدولة حتى أصبح الأمر مملا ومضجرا ومقلقا لكل الاردنيين في الوقت الذي يغيب فيه الغضب الشعبي والاجتماعي ضد المؤامرات التي تحاك على البلاد أو ضد الاحتلال او ضد الإرهاب.
سرعان ما تسمح الهوية الفرعية بتطور اي مشكلة إلى مشاجرة مسلحة او اشتباك بالنار في دلالة مؤرقة تقترب من النموذج اليمني حيث المجتمع المسلح وحيث السلاح في ايدي الصغار والكبار ومن كل الاصناف والانواع ودون ان تتقدم الدولة ولو بمشروع حيوي واحد لضبط كميات السلاح أو مراقبته حيث يطلق بعض الاردنيين النار لأي سبب بالفرح والغضب فيسقط ضحايا وحيث درج علية القوم وكبار المسؤولين على اهداء المحاسيب والمقربين اسلحة فردية وبصورة تعلي من شأن السلاح ولأسباب غامضة.
لا نشتري هنا الرواية التي تحدثت عن مؤامرة رسمية من بعض جهات داخل الدولة لإدامة وجود الفتن والصراعات الداخلية الباطنية.. تلك رواية بائسة للحدث وحتى نفترض حسن النوايا بالدولة وبجميع أركانها ومراكز القوة فيها نقول ان عدة اسباب تدفع لصالح هذه الظواهر المؤسفة والمخجلة.
اهم هذه الاسباب تلك المتاجرة الرخيصة مرة من قبل شخصيات نافذة واخرى من قبل مراكز نفوذ رسمية بتلك الهويات الفرعية التي تغيب عنها مفاهيم المسؤولية الوطنية والتي تتكرس فيها المكافآت لبعض كبار مهربي السلاح ومستعمليه بصورة علنية.
نعم رصدنا في الماضي وعدة مرات محاولات بعض الرسميين والموظفين الاعلاء من قيمة وشأن الهوية الفرعية حتى استمر مسلسل اطلاق النار على طريقة العرض المتواصل فوصل مؤخرا المستشفيات بعد الجامعات ضمن سلسلة من التواطؤات الغريبة والمريبة بين بعض مستويات القرار والادارة وبعض الواجهات الاجتماعية والشعبية.
نعم نتهم المتواطئين من الطرفين ونلاحظ بان المملكة تخسر سنويا خيرة من شبابها، وموارد كبيرة من خزينتها بسبب احداث الطوارئ الأمنية لأن جهة ما لازالت تفترض بان انشغال الاردنيين ضد بعضهم مفيد للنظام والدولة لكن كل ذلك يسحب من رصيد النظام والدولة بالمحصلة.
يمكن ببساطة ان نلاحظ بان غياب هيبة الدولة والقانون من الاسباب الرئيسية التي تدفع باتجاه ولادة مثل هذه المشاجرات والاحداث المؤسفة في بعض القرى والاطراف حيث قانون الفرد لا يقبل الفراغ وحيث القبيلة والجهة توفر الحماية للفرد لأن القانون لا ينصفه والدولة غائبة.
وهنا حصريا تكمن مسؤولية الدولة وهي لا تقل عن مسؤولية المجتمع نفسه الذي يوفر الحماية والحضن بدوره لكل العصبيات الفرعية ويحرض على العنف والكراهية ويحتفظ بأرشيف تاريخي ومتكامل تحفظه الصدور وتلوكه الالسنة حول خلافات بين فئات اجتماعية في الماضي لازالت تتواصل ويتوارثها الاجيال في الحاضر.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين