عمان- «القدس العربي»: عملياً وفنياً لا تستطيع حكومة الرئيس عمر الرزاز الإمتثال للأمر الملكي المباشر بـ «كسر ظهر الفساد» بدون أذرع وآليات قانونية وأمنية، والأهم بدون التحاق بقية الأجهزة العميقة في الدولة بالبرنامج العلني الذي ختمه الملك عبدالله الثاني عندما زار مقر الحكومة أمس الأول بعبارة بالمقولة العامية بعنوان..»بيكفي ..خلينا نمضي للأمام وبدنا نشتغل».
بمعنى آخر تستطيع حكومة الرزاز القيام بواجبها بالسياق لكنها تحتاج لضوء أخضر يسمح لأذرع الدولة بالتحرك على المستوى الأمني والقانوني، الأمر الممكن فقط في حال وفرت الحكومة الغطاء السياسي والمعلومة الموثوقة وابتعد الجميع عن التوجيه الملكي الملتصق بالتعليمات نفسها حيث خط أحمر على اغتيال الشخصيات.
عبارة «كسر ظهر الفساد» برزت للمرة الأولى في اللسان الملكي على صعيد الحرب التي اعلنها الرزاز على الفساد والفاسدين وبدأ بملف قضية التبغ الذي لم تكشف بعد كل تفصيلاته.
واضح من لغة الملك في مجلس الوزراء ظهر الأحد أن المرجعية أصابها السأم السياسي من المماطلة والتسويف وان الرزاز استطاع حتى الآن على الأقل إقناع مركز القرار بانه لا يستطيع فرض قانون جديد للضريبة يلبي متطلبات المؤسسات الدولية وخطط الإصلاح الاقتصادي إذا لم تحصل مواجهة مقنعة للرأي العام ضد الفساد. رئيس الحكومة كان قد اعلن أصلاً عن ذلك.
لكن تلبية متطلبات الشارع الغرائزية وحسب مسؤول أمني بارز تحدث لـ «القدس العربي» مسألة لا تقف عند حدود فالشارع كالأطفال يطمح بالمزيد كلما منحته شيئاً ولذلك يعتقد بأن توجيهات الملك نصت على تطبيق المعيار القانوني وعلى عدم وجود: كبير فوق القانون» والتصدي في الوقت نفسه لاغتيال الشخصية.
عبارة كسر الظهر نفسها اثارت الكثير من الجدل وبصورة غير مسبوقة عندما يتعلق الأمر بالمفردة الملكية.
لكنها دفعت الأردنيين لأقصى المسافات عند التوقع فقد انتشرت دعوات تأييد للخطاب الملكي على وسائط التواصل لكن اللغة التي تتحدث عن الأفعال مع الأقوال كانت علامة فارقة في ردود الفعل خصوصاً وان الشارع يطالب ايضاً بآليات قانونية وبرؤية رؤوس كبيرة وبسن قانون «من أين لك هذا» على حد تعبير الوزير السابق محمد داوودية.
بالتوازي لا يمكن ترسيم حدود مفردة ملكية أخرى مهمة قيلت للوزراء بعنوان «بيكفي» مع تعليق يصاحبها يستغرب إنتاج شائعات في الخارج والداخل لا احد يعرف كيف ولماذا تصدر كما قال الملك صراحة.
عندما يستخدم رأس الدولة والسلطات مثل هذه المفردات والتعابير تصبح المخيلة الشعبية مفتوحة على كل السيناريوهات خصوصاً وان نشطاء التواصل المسيسين بدأوا بتقديم معلومات ووثائق على مؤشرات فساد يطالبون بالتحقيق فيها ما دام الضوء الاخضر السياسي قد صدر وبأخشن لغة وتحت عنوان «بيكفي ولنكسر ظهر الفساد».
بين هؤلاء نشطاء بارزون من بينهم عضو البرلمان الأسبق أحمد الشقران الذي اقترح البدء بقضية معروفة لها علاقة بـ «دمغات الذهب» المهرب للأسواق.
بكل الأحوال لا أحد يعرف المدى الذي يمكن ان تذهب إليه الحرب المعلنة حكومياً وبدعم ملكي لكسر ظهر الفساد لأن الصيغة تقر هنا ولأول مرة بوجود «ظهر» يدعم الفساد بمعنى انه ليس فردياً او طارئاً وهذا أعقد ما في هذا الإقرار النادر.
ويزداد التعقيد عندما يرصد المراقبون أن هذه الخشونة النادرة في اللغة ضد الفساد والتحريض على كسر ظهره أصبحت على الأرجح متطلباً دولياً وليس وطنياً فقط فجزء من شبكة تهريب التبغ العملاقة التي اكتشفت مؤخراً على هامش قضية رجل الأعمال الهارب عوني مطيع كان له إمتداد إقليمي وفي بعض التفاصيل أمريكي وبصورة بررت مشاركة إف بي أي الامريكية بالتفاصيل.
العاهل الأردني كان قد تقدم بجرعة دعم قوية لرئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز وهو يواجه «وجهات نظر» تحاول تسويق خصومات التخفيف من حدة الانفعال الذي أثارته داخل الدولة قبل المجتمع قضية ملف التبغ والسجائر. تلك كانت المرة الأولى التي يستخدم فيها عاهل الأردن مثل هذا التعبير وهذه الجملة بمعنى ان الفرصة متاحة لتقديم إسناد ملكي كبير للحرب التي اعلنها الرزاز ضد الفساد والفاسدين في قضية التبغ والسجائر وما بعدها حسب الاوساط الحكومية.
وشدد الملك على انه «لا أحد فوق القانون» وهي إشارة إضافية تسمح للرزاز بالاستمرار في تحقيقات ملفات الفساد بصرف النظر عن هوية اشخاص نافذين او محسوبين على الدولة والصف الرسمي. وأبلغت مصادر مقربة من الرزاز «القدس العربي» أن التوجيهات الملكية سمعها الطاقم الوزاري وانها غير قابلة للتأويل وتتضمن ضوءاً أخضر من المرجعية الملكية لإكمال فتح ملفات فساد والتحقيق فيها وهي معركة طويلة الأمد. وفهم تعليق الملك عبدالله الثاني على أنه ضد أي تسويات أو خصومات في مواجهة الفساد بعدما اصبح عبئا على الدولة. وخلافاً لما كان يتوقعه الحرس القديم دعم الملك الرزاز في هذه التحقيقات بالرغم من ان بعض مراكز القوى في الدولة تتحفظ عليها.
ومن الواضح ان مقولة «كسر ظهر الفساد» برزت بعدما صدم الجميع بعدد الأشخاص الذين شملهم الحجز التحفظي على الاموال المنقولة وغير المنقولة في قضية التبغ وهو177 شخصاً في رقم مفتوح على الزيادة كما تؤشر مصادر التحقيق القانونية لدى محكمة أمن الدولة.
ويبدو ان وقفة الملك بعد عودته من رحلته الأخيرة والمثيرة للولايات المتحدة تؤسس منهجياً لدعم خطط ومشاريع الرزاز المقبول بدوره شعبياً ومن المؤسسات الدولية.
وتوجه العبارات الملكية رسالة ضمنية لخصوم الرزاز ضمن طبقة رجال الدولة والحكم حيث كان الأخير قد اشتكى من ان الموسسات العميقة في الدولة لا تتحمس لدعم حكومته وحيث قال برلمانيون بأن بعض المستويات في القرار تتعامل مع حكومة الرزاز باعتبارها «مرحلة مؤقتة» بسبب شعبيته الطاغية.
كما كان العديد من رؤساء الحكومات السابقين قد شككوا في استمرار حكومة الرزاز.
في المحصلة اللهجة الملكية الجديدة والخشنة قد تفتح المجال أمام فتح ملفات حساسة وعلى أكثر من صعيد وتطال العديد من الرؤوس الكبيرة… على الاقل هذا ما توحي به تفصيلات زيارة الملك لمقر الحكومة حيث لا يتسع المقام في رأي الخبراء لشعارات فقط في هذه المرحلة وحيث الغموض مستقر عند التفاصيل.