موقع الأردن الجغرافي و قربه من بؤر نزاعات و حروب و صراعات طائفية و عرقية و دينية و حفاظه على أبهى مظاهر الاستقرار و الأمن و الأمان وسط منطقة ملتهبة، بحكمة جلالة الملك عبد الله الثاني و قيادته الهاشمية الرشيدة و وفائه لأمته و شعبه و بعد نظره و سداد رأيه، جعل الأردن محط أنظار العالم و رقم صعب لا يمكن تجاوزه كطرف أساسي و ليس كوسيط و خصوصا بما يتعلق بالقضية الفلسطينية و سوريا و العراق.
يكفي الأردن فخرا أنه لم تسجل بتاريخه حوادث سفك دماء و تهديم للممتلكات و الأرواح و الحضارات و قتل و ازهاق متعمد لأرواح الأبرياء من الأطفال و النساء و الشيوخ و تحطيم للنفس و الكرامة الآنسانية و تفجير المساجد و الكنائس و دور العبادة و تهجير جماعي للناس كما يجري في سوريا و العراق و اليمن و فلسطين المحتلة على أيدي الجماعات الارهابية و قوات الاحتلال الاسرائيلي الغاشمة. و يكفي الأردن مجدا بأنه لم يكن يوما شريكا في مؤامرة ضد أي طرف عربي و لم يساوم قط في مبادئ الثورة العربية الكبرى و قيمه الاسلامية العليا و ثوابته الوطنية و القومية و لم ينكر الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.
و نظرة خاطفة على تاريخ هذا البلد تشهد بأنه لم ترق على ترابه قطرة دم مسيحية واحدة على أساس الدين أو الآنتماء المذهبي و بقي الأردن موطنا للتسامح الديني و العيش و السلم الأهلي، واحة أمن و أمان استطاع فيه أهله الآنصار من اكرام أخوانهم من المهاجرين الذين ضاقت بهم سبل العيش في ديارهم سواء اليمن أو العراق أو سوريا و ليبيا و فلسطين التي كانت و ما تزال في القلب و الوجدان و الضمير رغم شح الموارد المائية و الطبيعية (الأردن رابع أفقر دولة في العالم في المصادر المائية وقد تراجعت مؤخرا إلى المركز الثالث مع توافد اللاجئين و المهاجرين من كل حدب و صوب). هذا هو الأردن مثالا حيا للتعايش و الحوار بين الأديان و الثقافات و الحضارات و نبذ العنف و تغليب لغة الحوار و التسامح و الوسطية.
قبل سنوات طرحت لأحد المسؤولين في احدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة الأآتي (استراليا قارة شاسعة غنية بمواردها و ثرواتها و لم تستطع استيعاب حفنة من اللاجئين و قامت بتوقيع اتفاقيات مع اندونيسيا و جزر أخرى لارسال اللاجئين هناك، في حين استطاع الأردن البلد الصغير بحجمه و الفقير بموارده المائية و الطبيعية استيعاب أكثر من مليون عراقي منذ الغزو و الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 و استيعاب أكثر من مليون و نصف المليون سوري منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في 2011 و الآلاف من اليمنيين و الليبيين و دفعات من الفلسطينيين. الآن مخيم الزعتري بات يشكل خامس أكبر مدينة في الأردن و السوريون عشرون بالمائة من السكان مع تبعات الارهاق على البنى التحتية الاقتصادية و الاجتماعية و الخدماتية و البيئية و الصحية الضعيفة أصلا. ماذا لو أفاق الاستراليون يوما ووجدوا مليون لاجئ على شواطئهم). بقي المسؤول الأممي ساكتا. سألته أن يعطي مثالا واحدا لمسيحي قتل أو أعدم على خلفية دينه في زمن يتهم به الغرب العرب و المسلمين باضطهاد المسيحيين و معاملتهم مواطنين من الدرجة الثانية.
الآن يبدو للعيان هذا السيناريو في دول أوروبا الشرقية كهنغاريا و سلوفاكيا و التشيك و بولندا من اهانة اللاجئين و اغلاق الحدود و الخوف من الرهاب الاسلامي Islamophobia و من أسلمة أوروبا و قد شاهدنا مؤخرا مظاهرات في مدينة درسدن الألمانية احتجاجا على قدوم اللاجئين و تناقل أحاديث تسترجع السيطرة العثمانية بعد 1526 التي ما زالت حاضرة في أذهان الهنغاريين.
الآن بالنسبة لتداعيات القضية الفلسطينية و انتهاكات اسرائيل الفاضحة للمقدسات الاسلامية المسيحية و خصوصا الحرم القدسي الشريف و المسجد الأقصى المبارك و محاولات تقسيمه زمانيا و مكانيا و ما يمكن أن ينجم عن ذلك من استعار نيران الإرهاب و التشدد الديني و الفوضى السياسية، لا تحتمل أن يخوض الفلسطينيون لوحدهم غمار مفاوضات أوسلو ثانية في الظل، فهي لا لا تغني و لا تسمن من جوع على غرار أوسلو الأولى قد تسهل للطرف الإسرائيلي الاستفراد بالطرف الفلسطيني الضعيف و المنقسم على نفسه و انتزاع تنازلات من القيادة الفلسطينية كفيلة إلى حد ما باطالة الصراع و الاحتلال الأطول و الأخير في التاريخ المعاصر. على الجانب الفلسطيني الاستفادة من الخبرة الأردنية و العلاقات الوطيدة مع مراكز صنع القرار الدولي و طالما سخرها جلالة الملك ليكون الصوت المدافع عن فلسطين في المنابر العالمية ولا أحد يستطيع انكار الدور الديني و التاريخي بالوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية و المسيحية و هذا في حد ذاته هزيمة لمشروع يهودية الدولة الاسرائيلية التي تطالب اسرائيل الفلسطينيين بالاعتراف به، و ذخر للقضية الفلسطينية في المسعى الدؤوب لاقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كافة التراب الفلسطيني المحرر على خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمته القدس الشريف تماشيا مع الحل العادل و الشامل الذي يضمن للاجئين الفلسطينيين حقهم المقدس و غير القابل للتفاوض بالعودة إلى فلسطين وفقا لقرارات الشرعية الدولية.
أما بالنسبة للوضع السوري فبحكم الواقع الجغرافي يبقى الأردن طرفا رئيسيا في أي حل سياسي لحل الأزمة السورية و ليس أدل على ذلك من الهاتف الذي أجراه الرئيس الروسي بوتين مع جلالة الملك عبد الله الثاني لاطلاعه على نتائج مباحثاته مع الرئيس السوري بشار الأسد في موسكو مؤخرا.
نقطة أخيرة المراقب للأوضاع في سوريا يعي تماما بأن الديار السورية و الأمر ينطبق على العراق و لبنان و اليمن و حتى فلسطين (حماس تتصرف كدولة في قطاع غزة و ليس كحزب شريك في معركة البناء و الاستقلال) قد أصبحوا ساحات لحروب وكالة حامية الوطيس تدور رحاها في سماء و أرض هذه البلدان، التي أصبحت كوما من الآنقاض و مرتعا خصبا للإرهاب الدولي و أجهزة المخابرات العالمية، سهام مسمومة موجهة نحو العرب مسلمين و مسيحيين على السواء. والآن يبدو الأردن الوحيد الذي نجا من الفتنة و الاقتتال و المعارك الاستنزافية ليكون الظهير الأقوى و الأوحد و النصير للقضية الفلسطينية و الشعب الفلسطيني و الشعوب العربية المستضعفة.
دور الأردن دولي عابر للحدود و القارات سخره الملك ليكون طرفا مساعدا لحل مشاكل المنطقة من الاستيطان و اللاجئين و القدس العربية و المياه و الحدود و الأمن إلى دحر و استئصال الارهاب و الدفاع عن الدين الاسلامي الحنيف من التشويه و المحافظة على الوحدة الترابية للدول العربية. أليس لنا حق بأن نفخر بالقيادة الهاشمية التي جنبت الأردن الوقوع فريسة لحروب بالوكالة و الحق بالفخر بأن الأردن أضحى واحة أمن و استقرار رغم العواصف العاتية التي تجتاح المنطقة و سيبقى ينبوعا للمحبة و السلام.
د. منجد فريد القطب