الأردن: «الوزير الملاكم» آخر موجة في الانفعال النخبوي الذي يجتاح المواطنين

عمان ـ «القدس العربي»: عراك الأيدي الذي شهدته عمان منتصف الأسبوع الماضي بين وزير الزراعة المهندس خالد حنيفات ورئيس اتحاد المزارعين عدنان الخدام داخل جناح مكتب الوزير، لا يمكن تصنيفه فقط في إطار البوم الاحتكاكات الشخصية أو الجهوية التي تشهدها البلاد بين الحين والآخر.
ولا يمكن تصنيف وجبة الانفعال التي دفعت الوزير للاشتباك بالأيدي مع ممثل المزارعين مع أشرطة فيديو تتضمن ركلا وصفعا ضمن السياق نفسه فقط، فالمسألة تعكس حجم التوتر الذي يعيشه رموز كل القطاعات وحتى رموز المسؤولية والدولة بسبب حدة الأزمة الاقتصادية.
الحادثة التي انتهت على الطريقة الأردنية التقليدية حيث وسطاء عشائريون خارج النطاق القانوني تكشف أيضا عن أزمة الإدارة والحكم عند المسؤولين الذين لا يملكون لأسباب خارج إدارتهم الأجوبة الدقيقة على أسئلة الحاجة أو الأزمة التي تطرح عليهم هنا وهناك حتى عندما يتعلق الأمر بصلب عمل وزاراتهم.
 عمليا يمكن إحتواء حادثة من هذا النوع حتى بعدما راجت على وسائط التواصل صفة اللقب الذي أطلقه النشطاء على الوزير حنيفات وهو «الوزير الملاكم».  لكن الأهم انها سلطت الضوء أو تسلطه على ما يعانيه القطاع الزراعي الأردني في مرحلة الأزمة الاقتصادية حيث توقف الأردنيون عن الزراعة كما قال بصورة علنية البرلماني والناشط السياسي مبارك ابو يامين ليس فقط لان امكانات التصدير للخارج عندما يتعلق الأمر بالمنتج الزراعي تحديدا تقلصت أو تكاد تكون منعدمة، ولكن أيضا لأسباب سياسية أبرزها وأهمها إغلاق الحدود الأردنية مع كل من العراق وسوريا لأسباب أمنية والتعقيدات التي ترتبها المملكة السعودية المجاورة عندما يتعلق الأمر بصادرات الخضار والفاكهة الأردنية.
 بمعنى آخر تجارة المنتجات الزراعية مضروبة تماما لأسباب سياسية أيضا ومتأثرة سلبا بطبيعة الحال بمناخات الطقس حيث تقل معدلات الأمطار ومخزونات السدود عن معدلها المطلوب منذ سنوات أربع وبشكل متراكم. المزارعون لا تتوقف معاناتهم عند هذا الحد، فقد ضربت أطراف تجارتهم وزراعتهم حمى الأسعار والضرائب التي تفاعلت وانفعلت على أكثر من سياق وبأكثر من طريقة مؤخرا ضمن ما تسميه حكومة الرئيس هاني الملقي بمشروع الاصلاح الاقتصادي.
لا يتم تعويض المزارعين بصورة منصفة، والكثير من الضرائب والأسعار رفعت على مدخلات الإنتاج الزراعي بما في ذلك أسعار العبوات والبذور والمياه.
 ظروف المسار الضرائبي والطقس وإغلاق الحدود وندرة التصدير عناصر تحالفت ضد صغار المزارعين وأخرجت طبقة المزارعين الوسطى من سوق التصدير وتسببت بخسائر كبيرة فيما بقي كبار المزارعين من ذوي النفوذ السياسي قادرون على المناورة والمبادرة ويواجهون خسائر أقل في تجارتهم.
طبعا الضرر الذي لحق بقطاع الإنتاج الزراعي انعكس أيضا على المواطن لأن أسعار الخضار والفاكهة التي كانت متاحة ومعقولة ارتفعت وقد حذر ابو يامين بصفته قريبا من قطاع المزارعين من ان الأردني لم يعد يزرع معتبرا في شروح لـ«القدس العربي» ان هذه المسألة حساسة وعميقة وتدخل في نطاق الأمن الاستراتيجي والوطني والغذائي وليس من الحكمة قراءتها فقط في سياق قطاع يتضرر والحكومة تحاول مناقشته.
 المناقشة الأخيرة بين الوزير وأركان وزارة الزراعة ووفد اتحاد المزارعين ظهر انها عنيفة ومحتدة وانتهت باستدعاء سيارة الاسعاف لنقل كبير ممثلي اتحاد المزارعين الذي تعرض فيما يبدو للاشتباك والضرب داخل مكتب الوزير في مشهد لا يمكن إلا تصنيفه ضمن سياقات الحدة والانفعال التي تجتاح الجميع بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية في بلد مثل الأردن.
بطبيعة الحال يظهر مشهد من هذا النوع ان الفرصة مواتية دوما لشعور نخب كثيرة في قطاعات متعددة في السوق بان طريقة ووسيلة الإدارة الحكومية لا تحترم مصالح الآخرين ولا تصغى لمعاناتهم خصوصا في ظل الأنباء عن توقف مئات المزارعين عن العمل وإغلاق مزارعهم إضافة إلى ان أكثر من ألفي منشأة اقتصادية وتجارية وصناعية في المملكة خرجت من السوق بسبب الركود والأزمة الاقتصادية الأخيرة.
تتوسع في الأثناء مشاعر الغضب والقلق على المصالح ليس فقط عند المزارعين بل عند ممثلي قطاعات مختلفة لا يوجد لديهم مشكلة مع وجود أزمات أو مشكلات بقدر ما لديهم مشكلة مع الإصرار الرسمي على مراكمة الأزمات وتجنب الطرق الواضحة للحلول والمعالجات كما يلمح عضو البرلمان السابق ميشيل حجازين.
حجازين وآخرون من قيادات العمل السياسي والشعبي لديهم تصورات عن إدارة حكومية ترفض استيعاب الأزمات عندما تحصل بقدر ما تراكم عليها وتزيدها تعقيدا بصورة تنقل المشكلات من مستوى التعقيد والتراكم إلى مستوى الاستعصاء الفعلي.
مقابل أخطاء في الإدارة وانفعال وعشوائية في القرارات تتكسب طبقة من الرموز البديلة وتتقاسم ما تبقى من كعكة المناصب والمصالح في ظل أزمة مالية تخنق الجميع فيما ينمو شعور الضحايا من كل الفئات بأن نخب الإدارة وأحيانا نخب الحكم تكتفي بالمغنم ولا تشارك في المغرم الوطني.
تلك معادلة تبدو عصية على الفهم وخارجة عن المألوف الأردني لكنها تحكم انفعالات الواقع الموضوعي اليوم ويمكن ببساطة تصنيفها ورصدها تحت سياق أو في إطار تداعيات الأزمة المالية وضعف وندرة المصالح التي تحظى بها دوما شريحة محددة من المحظيين والنافذين فيما يزيد عدد المتضررين ويتراكم الضحايا وترتفع بعض الأصوات التي يختصر حجازين وصحبه رسالتها وهو يقول «نريد ان نعيش نحن أيضا».
عليه تصبح حادثة العراك بين وزير الزراعة ورئيس اتحاد المزارعين ليست معزولة عن سياق عام من التوتر والحيرة يجتاح الجميع.

الأردن: «الوزير الملاكم» آخر موجة في الانفعال النخبوي الذي يجتاح المواطنين

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية