عمان- «القدس العربي»: رغم كل الملاحظات النقدية المباشرة أصر رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز على إحالة ملف قضية «السجائر» المتدحرج إلى محكمة أمن الدولة الاستثنائية باعتبارها جريمة اقتصادية.
وقد بدا لافتا أن حكومة تحسب نفسها على التيار المدني تتجاوب مع تطلعات الشارع فتحيل أحد أهم ملفات الفساد إلى محكمة «استثنائية» لا يعترف بها النظام القانوني الدولي. وجهة نظر الرزاز واضحة في هذا السياق فهو يريد استخدام الأذرع الخشنة في مؤسسات الدولة لتوجيه رسالة سياسية رفيعة المستوى لكل الأطراف المعنية داخل وخارج البلاد.
عدد الموقوفين يصل إلى 30 شخصا
خلافا لأنه يريد إظهار «تضامن» جميع المؤسسات العميقة في المملكة مع خطته في مواجهة الفساد وبضوء أخضر ملكي تحدث عنه الرئيس نفسه وأعلنته لاحقا المتحدثة الرسمية الوزيرة جمانة غنيمات.
لم يعرف بعد ما إذا كان التكييف القانوني سيسمح لمحكمة أمن الدولة بالتعاطي مع حيثيات القضية التي وصل عدد الموقوفين فيها إلى 30 شخصا على الأقل ليس من بينهم أي عضو في مجلس النواب أو شخصية بارزة خصوصا وإن هذه المحكمة يتيح قانونها التعامل مع خمسة أصناف من الجرائم ليس من بينها التزوير والتهرب الجمركي.
بكل حال الاتجاه القانوني قد يتعامل مع المسألة باعتبارها قضية لها علاقة بالمخدرات في بعض الحيثيات وهذا وضع يعني بأن تسليم الملف لمحكمة أمن الدولة خطوة في الاتجاه السليم .
والعنصر الأخير أشارت له فقط التسريبات الإسرائيلية التي تحاول الإيحاء بوجود»تجارة مخدرات إقليمية» في الأردن وبخلل في المنظومة الأمنية الأردنية وهو ما أعلنه أصلا الصحافي المتحرش بالأردن والمقرب من السلطات السعودية إيدي كوهين وهو يبتكر الحديث عن شبكة مخدرات عملاقة مقرها الأردن.
وإلى أن تحصل عملية المتابعة القانونية وبصورة أوضح تسلم الادعاء في أمن الدولة ملف قضية الدخان رسميا ولم يصدر بعد في إشارة جديدة على هندسة الرزاز قرار بـ «حظر النشر» خلافا للعادة حيث سيباشر الادعاء الاستماع لأقوال الموقوفين والمتهمين أولا وسط تقديرات بأن تقدر أمن الدولة نفسها وبموجب صلاحياتها حسـب مـجريات التحـقيق النشـر من عدمه.
يعني ذلك أن قضية الدخان والسجائر التي شغلت الرأي العام مؤخرا مضت في سياقها القانوني وبعد أسبوع متكامل من الإثارة والضجيج وتبادل وتدوير تسريبات وشائعات، الأمر الذي يراهن عليه المقربون من الرزاز لتخفيف وطأة الجدل والنقاش في الشارع على أمل الانصراف لبقية الملفات والقضايا.
ورغم الانتقادات التي وجهت لحكومة الرزاز على أساس خطأ في تقديرها القانوني و»شعبوية» في توجيه الملف لمحكمة تختص بقضايا أمن الدولة إلا أن التحقيقات قد تتوسع وتغرق في الاحتمالات مع المضي قدما بالإجراءات خصوصا وأن الحكومة لم تتقدم بعد بطلب رسمي عبر الإنتربول أو غيره لتسليم رجل الأعمال عوني مطيع النجم الأبرز لهذه العملية برمتها والذي لا زالت شبكة علاقاته العامة غامضة حتى بعد اعتقال نجله وشقيقه.
مطيع وبعد تصريحه الأخير لتلفزيون محلي اختفى تماما عن الأنظار ولم يلتزم بما وعد به سابقا بالعودة إلى البلاد والتنقيب بكل ما يخصه يتواصل خصوصا عبر وسائط التواصل الاجتماعي التي تطالب أيضا بالتحقيق معه ومع السياسيين والبرلمانيين المقربين منه وغيرهم من الشخصيات النافذة إضافة لمساءلة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور هاني الملقي بحيثيات قصة تمكن مطيع من عدم دفع ما قيمته 155 مليون دينار لمصلحة الجمارك.
وورد ضمن مساجلات هذه القضية العديد من الأسماء الوزارية السابقة والحالية والأسماء المعروفة لكن ذلك كان فقط عبر نظام التوسع في التسريب والمعلومات غير الدقيقة في الوقت الذي لم تشمل فيه التوقيفات ولا التحقيقات الاولى أيا من الشخصيات البارزة.
سياسيا ورغم أن المطلوب من تسليم ملف القضية لمحكمة أمن الدولة تهدئة الشارع العام واحتواء النقاش والعمل ضمن الأسس القانونية فقط إلا أن مستوى الاشتباك والاحتكاك كبير بين العديد من الأطراف ومراكز النفوذ بسبب خلفية قضية الدخان والسجائر والمناخ مفتوح أمام حملات تشويه منظمة أو تصفية حسابات وبصورة قد تخرج المقصود حكوميا عن السكة المرسومة.
منع اعتصام
وسياسيا أيضا لم يفهم بعد قرار وزارة الداخلية بمنع اعتصام على منطقة الدوار الرابع بناء على دعوة مجهولة بهدف التضامن مع الرزاز في وجه الفاسدين وهو إجراء يعتقد أن الرزاز نفسه لا يتحمس له رغم الإغراء الذي يشكله بسبب سعيه لوضع مواجهة الفساد في الإطار القانوني قدر الإمكان واهتمامه بأن لا تبدو حكومته شعبوية في وقت التركيز على الأضواء الخضراء ملكيا التي منحت له.
وفي الأثناء تتواصل فصول الإثارة في هذه القضية التي يبدو أنها ضخمة وشائكة حيث بدأت مصلحة الجمارك تتوسع في حملتها وأعلنت عن مداهمة مزرعة ضخمة متخصصة بالتبغ و»مزروعات الكيف» على سعة 200 دونم من الأرض مع مصادرة معدات صناعية لتغليف السجائر .
تم الإعلان أيضا عن مخابئ سرية جديدة دوهمت وسط انتعاش بغطاء سياسي وأمني هذه المرة لأعمال ومداهمات رجال المصالح الجمركية.