الأردن: طبقة رجال الحكم تتحرش بالرزاز وتتهيأ للانقضاض على حكومته وملف التبغ يضرب مجدداً في العمق

عمان- «القدس العربي»: صعب عملياً فهم الدافع السياسي وراء قرار رئيس الوزراء الأردني الأسبق الدكتور هاني الملقي فجأة مغادرة الصمت والتحدث علناً للشارع الذي واجهه ويواجهه بعاصفة من الاتهامات. أردنيون كثر اليوم يطالبون بمحاكمة أو مساءلة الملقي على التفريط في ما قيمته 155 مليون دينار للخزينة بدلاً من تهرب رجل أعمال بارز هارب الآن من دفع ضريبة للخزينة في قضية التبغ الشهيرة. الرجل لاحظ أن سلفه رئيس الوزراء الحالي الدكتور عمر الرزاز لا يدافع عن الحكومة السابقة حسب التقاليد المرعية في البيروقراط الأردني.
كما لاحظ حسب مقربين منه في كل الأحوال أن الدولة برمتها على مستوى النخبة والأجهزة تسمح بإنتهاك تجربته ولا تنبري لتقديم اي توضيح يدافع عن قرارات حكومته بخصوص قضية التبغ. الملقي كان يمني النفس بالتقاعد برتبة رئيس وزراء والاسترخاء بعيداً عن الاضواء. لكن قضية السجائر والتبغ تحولت إلى «شبح» يحرمه والعشرات من الاسترخاء خصوصاً وأنها تفاعلت وتتفاعل في ظل غياب المرجعية الملكية. لا يمكن توجيه اللوم للملقي إذا قرر فجأة الدفاع عن نفسه في سابقة غير مألوفة وسط نادي رؤساء الحكومات عبر تصريحات نقلها موقع «خبرني» مقابل حالة «إتهامية» تتطور ولا يفعل الرزاز شيئاً مقابلها حتى اللحظة بإستثاء بيان صغير لدائرة الجمارك حاول إنصاف حكومة الملقي.
هنا حصرياً قرر الملقي مغادرة الصمت والتحدث بالكلام المباح فأعلن مساء الثلاثاء موقفه على أساس جزئية في غاية الأهمية تتهم بدورها الحكومة الجديدة ضمنيا وفكرتها..»حكومتي هي التي اكتشفت أصلاً قضية التبغ». لم يقف الملقي عند هذه الحدود بل زاد بتوسيع دائرة الاتهامات لحكومة الرزاز الوليدة عندما أوضح في جملة نقدية بأن ملف فساد التبغ تقرر في عهده ان يعالج بإطار القانون بهدوء وحتى لا «يهرب الاستثمار» أو حتى لا يتحوط «بقية الفاسدين». تلك بطبيعة الحال مرافعة سياسية لم تكن متوقعة لا يدافع فيها الملقي عن نفسه بقدر ما يتهم حكومة سلفه الرزاز بأنها ليست الحكومة التي اكتشفت اصلاً التهرب الضريبي في قضية التبغ وبأنها – هذا الأهم- حكومة وبشفافيتها المعلنة ستدفع باتجاه هروب الاستثمار وستمنح بقية الفاسدين الفرصة للنجاة والتحوط.
طبعاً تلك رواية «بائسة» سياسياً لمسار الأحداث لأن غالبية ملفات الفساد تراكمت تحت وطأة الحديث عن الخوف من التأثير سلباً على الاستثمار مع ان الفساد تراكم والاستثمار لم يحضر او يزيد في كل الاحوال. الأهم هو ان لغة «إدانة تقنية» واسلوب حكومة الرزاز واضحة في خطاب الملقي… تلك لهجة جديدة وسابقة لا يمكن إغفالها وبدأت توحي بان قضية رجل التبغ عوني مطيع تضرب تحت الحزام داخل نخبة ومراكز القوى في النظام والدولة.
اتهامات الملقي الضمنية للرزاز صاحب الشعبية الكبيرة حتى الآن على الأقل أصبحت بقرار الأول وقف حالة الصمت تلفت عملياً النظر إلى المساحة الفارقة بين حكومة قررت مسبقاً «الخضوع» للظل ووزارة تعلن أنها حصلت على ضوء أخضر من الظل المرجعي لضرب الفساد والفاسدين. وبكل الاحوال من الصعب توقع ان شخصية مقربة جداً من مركز القرار المرجعي بمواصفات الملقي تتجه نحو مثل هذا الإفصاح الإتهامي والكيدي بدون ضوء أخضر بدورها، الأمر الذي يعني – لو حصلا فعلاً – بأن تجاذباً حاداً داخل الدولة يثيره الرزاز وأن نخب النادي التقليدي النافذة التي طبقت نماذج الخضوع التام في الماضي بدأت تتحرك ضد الرزاز.
وهو ما تحدث عنه علناً أصلاً عضو مجلس النواب طارق خوري عندما حذر الرزاز من ان ثلاثة على الأقل من أعضاء نادي الرؤساء السابقين يتحركون ضده داخل النظام حالياً. منطقي جداً ان لا يحصل الرزاز على تفويض واسع للمضي قدماً في طريقته بالعمل التي تؤدي او ستؤدي في النتيجة لإدانة الكثير من حكومات الماضي ولو جوهرياً في المخيلة الشعبية. تلك منطقة مزروعة بـ«الألغام» في طريق الرزاز يعبر عنها الملقي أولاً لكنها تضم أخرين كثراً في بنية الدولة يحاولون الآن التأشير على ان تفويضات حكومة الرزاز ينبغي ان لا يسمح لها بالوصول إلى مرحلة «إدانة الماضي». ما لا يقوله الملقي للرزاز مباشرة هو رسالة تتضمن بأن مؤسسات طبقة رجال الدولة والبيروقراط ونادي الرؤساء السابقين مستعدة للانقضاض على تجربته إذا ما أصر على تجاهل هجمات الشارع الشعبي وبدون تدخل لضبطها.
أغلب التقدير ان الرزاز يعرف المسألة ويقدرها فقد تحدث في اجتماعات مغلقة مع اشخاص محددين عن «موقف سلبي» من جميع أجهزة الدولة ضد حكومته وقبل ان تعمل في الوقت الذي كان فيه الوزير السابق والمثقف الدكتور طالب الرفاعي يطلب من جميع المخلصين وعبر «القدس العربي» الوقوف مع الحكومة بسبب مضمونها المختلف والجديد. والأكثر أهمية ان «صيحة الملقي» بمضمون إتهامي قد يكون لها ما يبررها على الصعيد الشخصي والذاتي.
لكنها في كل الأحوال رسالة في غاية الأهمية مرسلة للرزاز من جهات عدة تقول بأن التفويض لا يشمل الوصول لمحطة «نخب دولة تلتهم» بعضها في الوقت الذي ترافق فيه الكاميرا رئيس الوزراء الجديد وهو يستجيب لدعوة ضابط شرطة طلب منه تناول فنجان قهوة بمعيته في مركز أمن وسط العاصمة بعد معانقة علنية بين الرزاز وأبو علي الشخصية الشهيرة في عمان والتي تدير أقدم كشك لبيع الكتب.

الأردن: طبقة رجال الحكم تتحرش بالرزاز وتتهيأ للانقضاض على حكومته وملف التبغ يضرب مجدداً في العمق

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية