الأردن ليس تركيا… المصالحة تأخرت كثيرا

حجم الخط
0

حتى اليوم، برغم مرور نحو ستة أشهر، أحد في الجمهور الإسرائيلي، مثلما في الشارع الأردني أيضا، لا يعرف ما الذي حصل حقا في نطاق السفارة في عمّان. ثلاثة وصلوا إلى الشقة المأجورة: مبعوث محل الأثاث محمد جواودة ابن الـ 17، صاحب الشقة، د. بشار حمارنة، طبيب عظام في اختصاصه وزيف موئيل، الحارس. بالنار التي أطلقت من مسدس موئيل الشخصي قتل المواطنان. الفتى، أغلب الظن حاول طعن موئيل حين اكتشف أنه إسرائيلي، والطبيب علق في عين العاصفة حين حاول تهدئة الخواطر. عندما يعلن رئيس الوزراء نتنياهو، الذي يعرف ظروف الحدث، أن الطرفين يستخلصان الآن استنتاجاتهما، فإنه لا بد يأخذ بالحسبان القصورات أيضا: فالحارس الإسرائيلي كان يمكنه أن يمنع الحدث، لو أنه جند إسرائيليا آخر يرافقه إلى الشقة، والاستقبال الزائد في مكتبه للحارس ولسفيرة إسرائيل، والذي صفى لها حياتها السياسية وأثار أعصاب الملك الأردني.
الأردن ليس تركيا، وعبدالله ليس أردوغان. فهو البوابة الخلفية لدولة إسرائيل، والذي يعرف الحساسية والضغوط حتى قبل اتفاق السلام. ويمكن القول إن الطرفين عرفا كيف يسرقا معا الكثير من الجياد الشريرة، وعرفا كيف يطفآ الحرائق. إسرائيل تكن احتراما كبيرا لأجهزة أمن المملكة وبالعكس. وعند الحاجة، إذا ما استخدمنا لغة غير تصويرية، يفتح الباب، والقافلة تمر.
لنصف سنة لاحقت إسرائيل أجهزة الاستخبارات في عمّان في محاولة لإغلاق القضية. الملك عبدالله أعلن أن قتلى حدث السفارة «هؤلاء أبنائي»، بعد أن امتنع رئيس الوزراء نتنياهو عن رفع الهاتف له. لو أن نتنياهو هاتف، لما جرت المشكلة. الشارع ضغط، البرلمان طالب بإلغاء اتفاق السلام ـ وعلى أي حال يكرهون إسرائيل هناك ـ والأردنيون ساروا على سابقة مرمرة ووضعوا أربعة شروط لإنهاء القضية: اعتذار علني، تعويض مالي لعائلات الضحايا، استنفاد القانون مع الحارس واستبدال السفيرة التي «احترقت» بالبث الحي والمباشر.
عندما تبينت لهم الحماسة في القدس، أضافوا اسم القاضي رائد زعيتر الذي قتل في تموز 2014 برصاص حارس إسرائيلي في جسر اللبني. في هذه الحالة، لم تفتش إسرائيل عن سبب الحدث. يحتمل أن تكون إسرائيل محقة، ويحتمل أنه كانت هناك حاجة لضبط النفس في إطلاق النار. ولكن من أدار المفاوضات أوضح من اللحظة الأولى أنه لا يوجد اي أمل في أن يقدم الحارس الإسرائيلي إلى المحاكمة.
هذه الصفقة، التي حيكت قبل نحو شهرين وجمدت بسبب تصريح ترامب عن القدس، كادت تتفجر في نهاية الأسبوع. فقد جنّد الأردن وزير الإعلام، المومني، للإثبات بأنه أنزل نتنياهو على ركبتيه: إسرائيل أعربت عن الأسف الشديد والاعتذار، أبناء عائلات الضحايا الثلاثة أعلنوا أمام الكاميرات «حصلنا على ما نستحق»، الأردن شطب السفيرة شلاين وكشف النقاب عن التزام إسرائيلي لمواصلة الاجراءات القانونية ضد الحارس موئيل. وفي الغداة أصر ديوان رئيس الوزراء على نشر رواية أخرى: فلم تذكر سوى «التفاهمات» التي أدت إلى إغلاق القضيتين، وحرصت إسرائيل على التشديد على أهمية العلاقات الاستراتيجية، ولا كلمة عن الاعتذار، الندم أو الالتزام بالتعويض المالي.
لقد لاحقت أبخرة الغضب الأردني نتنياهو حتى الهند: فقد اضطر إلى جمع المراسلين الإسرائيليين لترميم الرواية: إسرائيل تعرب بالفعل عن الندم (وليس الاعتذار)، إسرائيل ستدفع (5 ملايين دولار) لحكومة الأردن (التي ستنقلها إلى عائلات القتلى)، وإسرائيل ستواصل التحقيق في ظروف حادثة إطلاق النار في السفارة. بالتوازي، أطلق عطاء لمنصب السفير القادم في عمّان. في نهاية المطاف، يخرج الطرفان جريحين. كائن من سيكون السفير القادم، فإنه سيستقبل استقبالا جافا. فالأجهزة من هنا ومن هناك ستعمل من فوق الرأس، والشارع سيلتصق بالعداء. لا حاجة لأن يكون المرء خبيرا كبيرا كي يخمن ماذا سيحصل حين يحاول السفير الإسرائيلي أن يشق لنفسه طريقا في الصالونات السياسية لعمان. الحل الوحيد يوجد في التعاون الاقتصادي. حتى اليوم تعتبر إسرائيل في الأردن الجار الغني والمغرور. وقد درج الملك حسين الراحل على الشكوى من أن أكوام أوراق العروض الإسرائيلية للمشروعات والأعمال التجارية يمكنها أن تقيم أسوار الفصل. الإسرائيليون يأتون لزراعة الأحلام، تلتقط لهم الصور في القصر، ويتبخرون. من يدعي بأن العلاقات الاستراتيجية مع الأدرن مهمة ملزم بأن يقيم قسما اقتصاديا في السفارة، يزود السفير القادم بالمخططات ويفتح إسرائيل أمام أسرة الأعمال التجارية الأردنية. مع كثير من الصبر، والتفكير الابداعي، هذا سينجح.

يديعوت 21/1/2018

الأردن ليس تركيا… المصالحة تأخرت كثيرا
المطلوب من حكومة نتنياهو الانفتاح التجاري على عمّان لبدء علاقات راسخة بين البلدين
سمدار بيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية